مصر: مشروعات أفلام طموحة عن «حرب أكتوبر» تصطدم بعقبة التمويل

«الكتيبة 26» للراحل لطفي لبيب من بينها

محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
TT

مصر: مشروعات أفلام طموحة عن «حرب أكتوبر» تصطدم بعقبة التمويل

محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)
محمود ياسين في فيلم «بدور» (يوتيوب)

بعد مرور 52 عاماً على حرب السادس من أكتوبر 1973، تتردد أسئلة في الوسط الفني المصري حول أسباب قلة الأعمال الدرامية والسينمائية التي تتناول الحرب، وانحسارها في الفترة الأخيرة تماماً، رغم القيمة التاريخية والوطنية الكبرى للحدث، ويشير نقاد إلى تحطم حلم إنتاج أعمال كبرى عن انتصارات أكتوبر على صخرة التمويل.

ومع كل ذكرى لانتصارات أكتوبر تذيع الشاشات المصرية أفلاماً عن الحرب أنتجت في وقت قريب من الحرب، من بينها «بدور» و«الرصاصة لا تزال في جيبي» و«حكايات الغريب»، و«أغنية على الممر» الذي يرصد حرب الاستنزاف، و«حتى آخر العمر»، وكان أحدث تلك الإنتاجات في عام 2019 فيلم «الممر» الذي تناول بطولات الجيش المصري خلال حرب الاستنزاف، وقام ببطولته أحمد عز وإياد نصار وأحمد رزق، من تأليف وإخراج شريف عرفة.

فيلم «الممر» تناول جانباً من بطولات الجندي المصري (الشركة المنتجة)

في المقابل، هناك أكثر من مشروع سينمائي عن حرب أكتوبر لم ير النور، من بينها فيلم «الكتيبة 26»، وهو كتاب من تأليف الفنان الراحل لطفي لبيب الذي شارك في حرب أكتوبر، وكتب يوميات كتيبة المشاة التي عبرت القناة وشاركت في الانتصار، وقال لبيب، في إحدى مقابلاته التلفزيونية، إنه قام بتوثيق بطولات سلاح المشاة في حرب أكتوبر بفيلم «الكتيبة 26» التي كان من بين جنودها، وأعرب عن أمنيته إنتاج هذا الفيلم الذي يتضمن خبرته ومشاهد حية من الحرب، بعد أن قضى الفنان الراحل 6 سنوات مقاتلاً على الجبهة.

ويقول محمد الديب، مدير أعمال الفنان الراحل لطفي لبيب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «الفنان الراحل كتب بالفعل سيناريو الفيلم (الكتيبة 26)، ولكن لا يُعرف إن كان عرضه على أحد المنتجين، أو إذا كان اتخذ خطوات جدية نحو إنتاجه».

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «عقبة التمويل التي تضطر الدولة للمشاركة في مثل هذه الأفلام لفترة طويلة يجب أن نتجاوزها ونبحث عن بدائل لعدم تعطيل مشروعات فنية حول هذا الحدث التاريخي».

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مشروعات كثيرة تعطلت بسبب التمويل أو بسبب الطعن في التوجهات الآيديولوجية لصناع السينما أحياناً؛ فالكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة كتب فيلماً عن حرب 1973 كان من المفروض أن يخرجه شريف عرفة، لكن مؤسسة صحافية كبرى نشرت ما يفيد بأن عكاشة توجهاته ناصرية، وانتصار 73 مرتبط بالسادات، فكيف نأتي بشخص لا يحب السادات ليكتب سيناريو الفيلم؟ فتوقف المشروع الذي كان من المفترض أن تنتجه الدولة».

وكان السيناريست الراحل أسامة أنور عكاشة كتب فيلماً سينمائياً عن حرب أكتوبر، وذلك في عام 1995 بعنوان «أبواب الفجر»، وفي تصريحات صحافية قالت ابنته الإعلامية نسرين عكاشة، إن السيناريو توقف ولم يكتمل بسبب ظروف خارجة عن إرادة السيناريست، فيما قال اللواء سمير فرج في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه حين كان يتولى إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، تحمّس لفكرة أن تنتج الدولة فيلماً كبيراً عن حرب أكتوبر، وعرض الفكرة على المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع وقتها، ووافق على الفكرة، «ووقع الاختيار على أسامة أنور عكاشة لكتابة الفيلم، وشريف عرفة لإخراجه، وجلس عكاشة مع نحو 500 ضابط وجندي للتعرف على قصصهم والخروج بفكرة الفيلم، لكن لم يكتمل المشروع، بسبب حملة شرسة أطلقت ضد عكاشة بأنه ناصري الهوى، وبالتالي سيبخس السادات حقه»، على حد تعبيره.

وتابع فرج: «كل يوم يمر من دون إنتاج فيلم كبير يوثّق لحرب أكتوبر يمثل خسارة كبيرة لنا؛ لأن المعدات والأسلحة التي كانت موجودة وقتها تختفي تدريجياً، صحيح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر بدائل، لكنه لن يكون مثل الأسلحة الحقيقية، كما أن أبطال الحرب يرحلون، وكنا رصدنا إنتاجاً ضخماً لهذا الفيلم ولكنه لم ينجز»، في المقابل يشير فرج إلى قيام الشؤون المعنوية بإنتاج 13 فيلماً وثائقياً عن حرب أكتوبر، تصل مدة كل منها إلى 45 دقيقة، كما تناول حرب الاستنزاف، وقام خلالها بالتسجيل مع معظم قادة الحرب، من بينهم سعد الدين الشاذلي وصاحب حائط الصواريخ محمد علي فهمي، وتناولت الأفلام كل محاور الحرب.

واعترض الشناوي على فكرة ارتباط أفلام الحرب بالدولة، مؤكداً أن «فيلم (الممر) كان إنتاجاً خاصاً لهشام عبد الخالق رئيس غرفة صناعة السينما، ويمكن أن تكون الدولة ساعدت في الأسلحة والمعارك وتفاصيل من هذا القبيل، لكن القطاع الخاص يجب أن يتصدى لهذه الأفلام، وسمعت أن شريف عرفة يكتب الجزء الثاني من (الممر)، وسيكون عن حرب أكتوبر مباشرة، وأتمنى له النجاح كما نجح فيلم (الممر1) وحقق إيرادات كبيرة».

فيلم «حائط البطولات» تناول حرب أكتوبر (السينما دوت كوم)

ويرى الشناوي أن «سبب نجاح (الممر) ربما يعود لإبرازه الروح القتالية للجندي المصري والسماح رقابياً بالحديث عن بشاعة الهزيمة وحتى عرض النكات التي قيلت عنها باعتبارها جزءاً من الحالة المصرية»، ويتابع: «إذا سمح سقف الرقابة والإنتاج بتقديم انتصارات 73 بكل أبعادها سيصب في عمل فني جيد ليس بالضرورة أن تنتجه الدولة لكن يمكن أن تساعد لوجيستياً أو أدبياً».

ومن الأفلام المهمة التي تناولت بطولات الجيش المصري وتم عرضها على الشاشات خصوصاً خلال احتفالات أكتوبر، «الطريق إلى إيلات» للمخرجة إنعام محمد علي، و«العمر لحظة» و«المواطن مصري» من إخراج صلاح أبو سيف، و«حائط البطولات» من إخراج محمد راضي، وتكلّف إنتاج فيلم «الممر» من إخراج شريف عرفة 63 مليون جنيه، وفق تصريحات لمنتجه هشام عبد الخالق، فيما حقق إيرادات بالسينما تعدت 74 مليون جنيه، وفق تقارير محلية. (الدولار الأميركي يعادل حالياً نحو 48 جنيهاً).

وعدّ الناقد الفني المصري، أحمد السماحي، أن «مشكلة تمويل فيلم ضخم عن حرب أكتوبر موجودة منذ انتهاء حرب أكتوبر وحتى الآن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لنحو 52 عاماً ومشكلة التمويل تطارد صناع السينما المصرية ممن يرغبون في تقديم فيلم عن الحرب، وإن كانت السينما تناولت حرب أكتوبر في 8 أفلام روائية طويلة من بينها (الرصاصة لا تزال في جيبي) إخراج حسام الدين مصطفى، و(الوفاء العظيم) إخراج حلمي رفلة، و(بدور) إخراج نادر جلال، وغيرها، فإن السينما المصرية لم تقترب من حرب أكتوبر من بعد هذه الأفلام التي كان بعضها أفلاماً عاطفية تخللتها مشاهد من الحرب».

وأشار السماحي إلى أن «الرئيس السادات قائد حرب أكتوبر كان يتمنى إنتاج فيلم كبير يوثّق لبطولات الحرب يجمع بين الروائي والتسجيلي، وتحدث في هذا الأمر مع يوسف السباعي، وزير الثقافة وقتها، بحيث يتم إنتاج فيلم ضخم عن تدمير اللواء 190 وأسر قائده عساف ياغوري، وبالفعل تم الإعداد للفيلم، ولكن المشروع لم يكتمل بسبب التمويل، رغم أن الرئيس نفسه هو الذي تحمّس لإنتاج الفيلم».

ويؤكد الناقد الفني أن «التمويل سيظل العائق الأكبر أمام إنتاج أفلام كبيرة عن حرب أكتوبر، ولكن أعتقد أن الدولة حالياً والشركة المتحدة يمكنها أن تقدم فيلماً كبيراً عن أكتوبر حتى لو اضطرت لتوفير ميزانية 3 أو 4 مسلسلات وتوجيهها لإنتاج فيلم عظيم عن حرب أكتوبر، خصوصاً أن الشركات الخاصة لن تتمكن من ذلك».


مقالات ذات صلة

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».