سيف نبيل يُطلق «المجموعة» من بيروت: ولادة جديدة واستماع غير مسبوق

الفنان العراقي لـ«الشرق الأوسط»: أصعب المعارك أخوضها مع نفسي

سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
TT

سيف نبيل يُطلق «المجموعة» من بيروت: ولادة جديدة واستماع غير مسبوق

سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)

كان هواء الخريف قد بدأ يهبُّ خفيفاً على ليل الشاطئ اللبناني، يحمل معه شيئاً من الهدوء الذي يسبق المفاجآت. في منطقة زوق مكايل، اجتمع الفنّ بالعاطفة في أمسية أرادها الفنان العراقي سيف نبيل مختلفة، فوجد نفسه مُحاطاً بوجوه مُحبّة، من فنانين وإعلاميين وأصدقاء يشاركونه حفل إطلاق ألبومه الجديد «ذا كولكشن». تحوّل المكان المُضاء بالشموع والمُزيَّن بالورود البيضاء إلى بيت يفتح أبوابه على موسيقى جديدة تُخاطب الحاضر وتؤسِّس لمرحلة أخرى من مسيرة فنان يواصل البحث عن نفسه.

الأمسية تحوَّلت إلى بيت مفتوح للجميع (تشانل إم إي)

خصوصية الأمسية في تفاصيلها الجمالية، وفي الفكرة غير المألوفة التي اعتمدتها: جلسة استماع مباشرة للأغنيات، تُقام بهذا الشكل للمرة الأولى في الشرق الأوسط. عَرَض سيف نبيل جميع أغنيات الألبوم أمام الحضور قبل أن تُطرَح رسمياً، كأنه أراد أن يُشاركهم لحظة الولادة ويضعهم في موقع الشهود والمشاركين في آن. كان المشهد أشبه بمسرح للتفاعل الفنّي. تعلو الآراء والانطباعات على وَقْع الموسيقى، فيشعر الفنان أنّ صوته يعود إليه مُضاعَفاً بما يحمله الآخرون من تفاعل.

راح الشريكان موريس متّى وإيلي الحلو يتنقّلان بين الضيوف بحرص واهتمام، يُراقبان التفاصيل الصغيرة التي تجعل الأمسية مُتماسكة، فشركة «تشانل إم إي» التي أسَّساها، وضعت لنفسها معياراً خاصاً في التنظيم، وبدت في تلك الأمسية كأنها تمتحن قدرتها على الجَمْع بين التميُّز والمهنية. حين تولّى إيلي الحلو إدارة الحوار مع سيف نبيل، بدا واضحاً أنّ الهدف إتاحة فرصة لأسئلة حقيقية تمنع ضوضاء العبارات الفارغة وتُفسح مجالاً لنقاش يُظهر عمق التجربة. كان التنظيم «صارماً» من دون أن يفقد لمسته الإنسانية، والحوار سلساً من دون أن يتخلّى عن الجدّية، فخرجت الأمسية مثل لوحة تجمع الودّ بالرصانة.

في تلك اللحظة التي فاجأته تفاصيل لم يكُن على عِلْم بها، قال سيف نبيل بعفوية: «قلبي كِبِر كتير كتير كتير». كلمات بسيطة مُحمّلة بحقيقة الشعور، تعكس حجم الامتنان والبهجة. ظهر بوضوح أنه كان فرداً من عائلة كبيرة التفَّت حوله لتُشاركه انطلاقة يراها منعطفاً في مساره. العروض الحصرية لمقاطع الألبوم، والإطلاق الرسمي لفيديو كليب «أخذ الروح» الذي حصد إعجاب الحاضرين، منحت الأمسية معنى أعمق في نظره. استُقبلت الأغنية مثل إضافة بصرية وفكرية تفتح نافذة جديدة في مسيرة فنان يتوق دائماً إلى التجريب.

لكنّ قيمة «المجموعة» تُقاس أيضاً بما حمله من روح متجدِّدة. 10 أغنيات مختلفة يجمعها خيط بحث عن التنوّع. تراءى سيف نبيل في وضعية إعادة تعريف نفسه عبر كلّ أغنية؛ يُجرّب صورة جديدة ويكتشف نغمة أخرى، من دون أن يتخلَّى عن جذوره. يُقدّم عملاً متعدّد الطبقات، يتنقّل فيه بين اللهجات العربية، لكنه يظلّ محتفظاً بالروح العراقية التي يعرفها جمهوره ويُقدّرها.

في حواره مع «الشرق الأوسط»، يتحدَّث عن هذا التحدّي: كيف يُحافظ الفنان على هويته الأصلية وهو يُجرّب ألواناً جديدة؟ يقول: «أنا ابن العراق أولاً وأخيراً، هويتي حاضرة في كلّ كلمة وكلّ لحن. لكنَّ الفنّ لغة إنسانية عالمية لا تعرف الحدود. اللهجات العربية ثراء وليست تفرقة، وقد استطعتُ أن أوحِّد هذا التنوّع لأني غنّيتُ بصدق وحافظتُ على الروح العراقية التي يُحبّها الناس، فيما أضافت اللهجات الأخرى ألواناً جديدة إلى الصورة نفسها».

أغنيات متجدّدة تُعيد رسم صورة سيف نبيل خارج القوالب (تشانل إم إي)

نسأله عن منعطف التغيير، فيُجيب من موقع التجربة: «يصل كلّ فنان إلى مرحلة يشعر فيها أنّ صوته والجمهور يحتاجان إلى ولادة جديدة. لم يكن الهدف أن أُبدّل هويتي، وإنما أن أضيف نَفَساً جديداً. اللحظة جاءت حين أدركتُ أنّ الجمهور يتوقَّع مني شيئاً أبعد ممّا اعتاد عليه، وهناك قرّرتُ أن أُقدّم سيف نبيل المختلف». في كلماته ما يُشبه الاعتراف بأنّ التكرار فخّ يُهدّد الفنان إن لم يُجدّد ذاته، والمغامرة في الفنّ مطلوبة.

لم يُخفِ أنّ العراق هو الجذر الذي يمنحه هويته، لكنه يرى في الانتشار العربي جناحاً يُتيح له التحليق أبعد. يردُّ على إشكالية التوازن بين الانتماء والانتشار: «لا أراهما في صراع، فهما متكاملان. الانتماء يمنحني الصدق، والانتشار يمنحني المساحة لأطير بجناحي». في تلك العبارة خلاصة تجربته؛ فيكون حاضراً بجذوره، ومنفتحاً في الوقت نفسه على فضاء أوسع يضمّ الجميع.

يتحدَّث عن النقلة النوعية، ويربطها بمعركة داخلية لا يفلت منها أي فنان: «أصعب معركة يخوضها الفنان هي مع نفسه، كيف يُطوّرها ويُقدّم ما يرضيها قبل إرضاء الآخرين. لكنها أيضاً رسالة للساحة الفنّية بأنّ ثمة دائماً مساحة للتجديد والخروج من القوالب».

وفي لحظة تأمُّل، نسأل سيف نبيل عمّا لو عاد إلى نفسه الأولى؛ تلك التي بدأت المشوار قبل سنوات، فماذا كان ليقول لها؟ يجيب وصورٌ من الماضي تعبُر أمامه: «كنتُ سأقول: ابقَ كما أنتَ. آمن بحلمك وامشِ بخطوات ثابتة. لكلّ نجاح وقته، ولكلّ أغنية عمرها. اجعل قلبكَ دليلك، ولا تخف من التحدّيات. فكلّ تجربة ستمنحك قوة وخبرة».


مقالات ذات صلة

كاظم الساهر يحتفل بألبومه الجديد وعيد ميلاده مع جمهوره المصري

يوميات الشرق جانب من حفل كاظم الساهر في القاهرة (حساب الشركة المنظمة للحفل على «إنستغرام»)

كاظم الساهر يحتفل بألبومه الجديد وعيد ميلاده مع جمهوره المصري

بحنجرة ذهبية تحمل ألحاناً وكلمات فصحى عميقة، صدح «القيصر»، كاظم الساهر، في القاهرة بباقة مميزة من أجمل أغنياته.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق نجاة لحظة تكريمها من الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان (إدارة الجائزة)

ظهور استثنائي لنجاة في «أبوظبي للكتاب» يخطف اهتمام مصريين

خطف ظهور استثنائي للمطربة المصرية الكبيرة نجاة بمعرض «أبوظبي للكتاب» بدورته الـ35 اهتمام مصريين وذلك خلال تكريمها ومنحها جائزة «شخصية العام الثقافية».

انتصار دردير (القاهرة )
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)

ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

سيلين ديون تشعل ليل باريس مصارحةً الجمهور عن مرضها، ومؤدّيةً مجموعة من أغاينها الأسطورية وسط دموع الفرح.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق علي الحجار خلال الحفل (دار الأوبرا المصرية)

علي الحجار يستعيد سحر البدايات بتوقيع عمر خيرت

الحفل الذي جمع بين صوت علي الحجار وألحان عمر خيرت يُعد حفلاً استثنائياً، تميَّز بالرقي من خلال شارات درامية تعكس محطات مهمة في مسيرة كل منهما.

انتصار دردير (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.