«بايسانوس»... جماهير الكرة في تشيلي تهتف لفلسطين عبر السينما

الفيلم الذي عُرض بـ«لوكارنو» يجسّر المسافة بين أرضين

ترفع الأعلام الفلسطينية في المدرجات بتشيلي (مهرجان لوكارنو)
ترفع الأعلام الفلسطينية في المدرجات بتشيلي (مهرجان لوكارنو)
TT

«بايسانوس»... جماهير الكرة في تشيلي تهتف لفلسطين عبر السينما

ترفع الأعلام الفلسطينية في المدرجات بتشيلي (مهرجان لوكارنو)
ترفع الأعلام الفلسطينية في المدرجات بتشيلي (مهرجان لوكارنو)

في مدرجات كرة القدم البعيدة في تشيلي، حيث يعلو الهتاف باسم فلسطين بين أعلام خضراء وحمراء وسوداء وبيضاء، ولدت حكاية فيلم «بايسانوس»، العمل الوثائقي الذي وقّعه المخرجان الشقيقان أندريس وفرانشيسكا خميس جياكومان، وعرض للمرة الأولى ضمن النسخة الماضية من مهرجان «لوكارنو» السينمائي بسويسرا.

وتدور أحداث الفيلم الوثائقي القصير في 13 دقيقة، ليس مجرد فيلم عن جماهير نادٍ رياضي، بل رحلة بحث في المعنى العميق للهوية والانتماء، ومحاولة لصياغة جسر بين أرضين متباعدتين جغرافياً متصلتين بالذاكرة والوجدان (فلسطين وتشيلي)، عبر تتبع مشجعي نادي «بالستينو»، النادي الذي أسسته الجالية الفلسطينية في تشيلي منذ عام 1920 ليصبح أحد أبرز رموز حضورها الثقافي والاجتماعي هناك.

وعبر أغنيات الجماهير وطقوسهم وشغفهم، يفتح «بايسانوس» نافذة على حوار أوسع بين وطن بعيد وأجيال الشتات التي لم تطأ قدماها الأرض المحتلة لكنها تحملها في قلبها، من خلال هذه المسافة، يصوغ المخرجان لغة بصرية عن العودة الممكنة والمتخيلة، وعن كيفية بناء وطن رمزي في المنفى.

ويقول أندريس خميس جياكومان لـ«الشرق الأوسط»، إن «الفكرة بدأت قبل سنوات حين كان طالباً في معهد السينما، إذ تواصل مع شقيقته فرانشيسكا لبحث مشروع مشترك يلامس جذورهما العائلية».

ترفع الأعلام الفلسطينية في المدرجات بتشيلي (مهرجان لوكارنو)

مضيفاً: «في البداية كنا نفكر في أن نصنع فيلماً عن الجالية الفلسطينية في تشيلي من خلال نادي (بالستينو)، فالملعب مليء بالرموز والطقوس التي تحكي الكثير عن حياة الفلسطينيين في المنفى، لكن حين بدأنا التصوير وجدنا شيئاً أكبر، اكتشفنا أن معظم المشجعين الذين نراهم في المدرجات لم يكونوا من أصول فلسطينية، بل كانوا تشيليين اختاروا أن يكونوا جزءاً من هذه الحكاية، وأن يحملوا فلسطين في هتافاتهم مثلنا تماماً».

أما فرانشيسكا، تؤكد أن «الفيلم جاء ليجمعهما في أول عمل كبير يتقاسمان إخراجه بالكامل، بعد محاولات متفرقة في مشروعات سابقة، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفيلم بالنسبة إلينا كان أشبه بعودة إلى ذواتنا، بحث عن معنى أن ننتمي إلى وطن لا نستطيع العودة إليه جسدياً الآن. السينما منحتنا طريقة رمزية للعودة، ومن خلالها حاولنا أن نفهم تعقيدات الشتات الفلسطيني، وأن نسأل أنفسنا: ماذا يعني أن تكون فلسطينياً بعيداً عن فلسطين؟».

وعن تجربة التصوير، قال أندريس إن العمل لم يتبع خطة تقليدية مُحكمة، بل اعتمد على العفوية والاكتشاف موضحاً: «ذهبنا إلى تشيلي بلا خطة مفصلة، بدأنا نستكشف ونوثق ما يحدث أمامنا، وكانت المفاجأة في الاستقبال الحار الذي لقيناه من المشجعين. فتحوا لنا بيوتهم، وسرعان ما أصبحنا جزءاً من يومياتهم. ومن هنا بدأ الفيلم يتشكل ببطء، كأننا كنا نلتقط خيوطاً متناثرة ثم نحاول أن نعيد ترتيبها لاحقاً في النص النهائي».

المخرجة الفلسطينية (مهرجان لوكارنو)

وعدّت فرانشيسكا غياب الخطة عنصراً إيجابياً لكنه فرض تحديات أيضاً: «المرونة جعلتنا أكثر انفتاحاً على المفاجآت، لكن الوقت كان عدوّنا الأكبر، كرة القدم لعبة لا يمكن التنبؤ بها، كنا نذهب إلى المباريات آملين أن نشهد هدفاً أو لحظة استثنائية، وأحياناً لم نجد ما نبحث عنه، ومع ذلك، ما التقطناه في تلك الفترة القصيرة كان كافياً ليصنع الفيلم، وبعض المشاهد التي جاءت بالصدفة أصبحت فيما بعد من أقوى لحظات العمل».

ويشير أندريس إلى أن الفيلم ليس خطاباً مباشراً لكنه يحمل جوهر التجربة الفلسطينية الممتدة منذ النكبة، مضيفاً: «لا يمكن أن نصنع فيلماً عن فلسطين من دون أن يكون للسياسة حضور فيه، حتى لو لم نرفع شعارات، نحن نتحدث عن جالية تأسست منذ قرن بسبب الهجرة القسرية، نادي (بالستينو) نفسه شاهد على تاريخ بدأ قبل عام 1948، وأردنا توضيح أن القضية لم تبدأ في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كما يصورها الإعلام الغربي، بل هي جرح ممتد منذ عقود».

المخرج الفلسطيني (مهرجان لوكارنو)

وأكدت فرانشيسكا أن عرض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» كان لحظة مؤثرة، خصوصاً مع رد فعل الجمهور، قائلة: «حين انتهى الفيلم وسمعنا الجمهور يردد فلسطين موجودة شعرنا بأن هناك مَن يشاركنا هذا الإحساس حتى في أماكن بعيدة جداً عن وطننا، كان ذلك دليلاً على أن السينما يمكن أن تكون مساحة للتضامن، حتى داخل مهرجانات أوروبية قد لا تكون السياسة مرحباً بها فيها عادة».

الفيلم تضمن مشاهد متعددة من ملعب للكرة (الشركة المنتجة)

لكن وراء الفيلم الذي بدا متماسكاً على الشاشة، كانت هناك صعوبات كبيرة في التمويل. أوضح أندريس قائلاً: «لم يكن لدينا أي ميزانية. الأصدقاء هم مَن ساعدونا، مدير التصوير والمونتير ومهندس الصوت شاركوا لأنهم أحبوا المشروع، كل التكاليف الأخرى تحملناها بأنفسنا، لهذا يظهر الفيلم بروح بسيطة، مصنوعة بأدواتنا الخاصة، لاحقاً فقط انضمت إلينا شركة إنتاج من تشيلي لتساعدنا في مرحلة ما بعد الإنتاج، مثل تصحيح الألوان والمكساج، حتى حين أرسلنا الفيلم إلى (لوكارنو) لم يكن قد اكتمل تقنياً بعد».

ورغم كل تلك التحديات، اختار المخرجان إنهاء العمل بوصفه فيلماً قصيراً بدلاً من التوسع فيه، حسب فرانشيسكا التي قالت: «كنا نفكر أولاً أن نصنع مجرد إعلان ترويجي لفيلم أطول، لكننا قررنا أن ننهيه فيلماً قصيراً مكتملاً، ليبقى أكثر صدقاً مع اللحظات التي التقطناها، لا مع الأفكار التي تخيلناها قبل التصوير».


مقالات ذات صلة

مادس منغل لـ«الشرق الأوسط»: فيلم «الضيف» يُعيد اكتشاف الروابط العائلية

يوميات الشرق حاز الفيلم جائزتين أخيراً (الشركة المنتجة)

مادس منغل لـ«الشرق الأوسط»: فيلم «الضيف» يُعيد اكتشاف الروابط العائلية

أكد المخرج الدنماركي مادس منغل أن العلاقات الأسرية وتعقيداتها شكلت المنطلق الأساسي لفيلمه الروائي الطويل الأول «الضيف» (The Guest).

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ياسمين عبد العزيز تتجه إلى الأكشن الكوميدي في فيلمها الجديد (فيسبوك)

فنانات مصريات للمنافسة بـ«الأكشن» في موسم الصيف السينمائي

تنافس فنانات مصريات بشكل لافت خلال موسم الصيف السينمائي الحالي بمشاهد الأكشن التي تحظى بشعبية واسعة بين الجمهور.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)

عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

يرى أنّ خصوصية المنطقة الشرقية تكمن في قدرتها على جمع بيئات متباينة ضمن مساحة جغرافية متقاربة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق السقا وياسمين عبد العزيز في حفل لإطلاق الفيلم (الشركة المنتجة)

الكوميديا للسقا... والأكشن لياسمين عبد العزيز في «خلي بالك من نفسك»

ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا جالا عربياً وختما الجولة بزيارة السعودية...

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق - Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)

أسماء عربية وعالمية تزيّن الدورة الجديدة لمهرجان «ڤينيسيا»

لأولئك الذين يسخرون من وضع السينما... ليس أمامهم سوى دخول صالة تعرض فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان؛ فإن السينما تستطيع دوماً أن تولد من جديد.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)