عبد الله آل عيّاف لـ«الشرق الأوسط»: التجربة السعودية الناجحة في السينما مختلفة ومستدامة

يعدّد الإنجازات الكثيرة لـ«هيئة الأفلام السعودية»

الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام السعودية» عبد الله آل عياف (هيئة الأفلام السعودية)
الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام السعودية» عبد الله آل عياف (هيئة الأفلام السعودية)
TT

عبد الله آل عيّاف لـ«الشرق الأوسط»: التجربة السعودية الناجحة في السينما مختلفة ومستدامة

الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام السعودية» عبد الله آل عياف (هيئة الأفلام السعودية)
الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام السعودية» عبد الله آل عياف (هيئة الأفلام السعودية)

بات معلوماً ومشهوداً إلى حدّ لا يمكن تجاهله أو إنكاره، أنّ خطوات المملكة العربية السعودية في مختلف المجالات خلال الأعوام القليلة الماضية، أسَّست لنقلة نوعية شاملة وكبيرة في كلّ جانب من جوانب الحياة الثقافية والرياضية والفنية والاقتصادية والإعلامية وسواها من الشؤون، ناهيك بالنهج المدروس والمدعوم من القيادة لدفع عجلة الصناعات المختلفة نحو آفاق لم تبلغها دول عدّة في المنطقة وخارجها. إنها قصة نجاح وتصميم وعمل دؤوب في سبيل مستقبل أفضل.

هذا لم يكن ليُنجز على وجه كامل من دون رعاية صناعة السينما السعودية، التي استوجبت إنشاء «هيئة الأفلام السعودية» قبل 5 سنوات، لتكون المُحرّك والمسؤول عن تفعيل صناعة الفيلم وحدها وما يرافقها من نشاطات في شتى الميادين، بما فيها متابعة سوق السينما المحلّية، واعتماد الخطط لتلبية حاجات الجمهور، ونشر الثقافة السينمائية عبر الكتب والمجلات، وتعزيز حركة النقد السينمائي.

آلت المهمّة إلى عبد الله آل عيّاف الذي، بالإضافة إلى كونه مخرجاً حقَّق أفلاماً ذات قيمة فنّية كبيرة، أثبت سعة مداركه وقدرته على تحويل الأحلام إلى واقع. سينمائي طَموح يؤمن بكلّ عناصر تكوين صناعة سينمائية مُتكاملة، بما فيها تقوية جانب النقد السينمائي الذي يُعدّ منارة إضافية لتعزيز هذه الصناعة وتوفير المعرفة بها وبإنتاجاتها.

هذا الحوار أُجري في مركز ثقافي تاريخي في قلب ڤينيسيا (جزيرة أباتزيا) استأجرته وزارة الثقافة لسنوات، ليكون حاضراً لعرض أنواع الفنون والثقافات السعودية.

 

أفلام لكسر الحاجز

 

• في 5 سنوات منذ تأسيس «هيئة الأفلام السعودية»، ما الذي لا تزال تحلم بتحقيقه؟

- ما نحلم بتحقيقه هو كلّ شيء. ما زلنا في البدايات. ما يراه بعضهم إنجازاً كبيراً تحقَّق في 5 سنوات، ليس إلا البداية. الطموحات في زمن «الرؤية» طموحات عالية جداً. ما الذي تحقَّق؟ أولاً، شباك التذاكر السعودي انتقل من الصفر إلى أكبر سوق في الشرق الأوسط. الفيلم السعودي الذي كان صانعه يجد صعوبة في عرضه على أبناء بلده، بات اليوم لاعباً رئيسياً في شباك التذاكر السعودي. خلال النصف الأول من هذه السنة؛ أي من بداية العام حتى يوليو (تموز)، عُرض نحو 330 فيلماً، منها 8 أفلام سعودية. ورغم أن العدد أقل من 3 في المائة من مجموع الأفلام، فإن تلك الأفلام السعودية حققت أكثر من 19 في المائة من مبيعات التذاكر. وهذا دليل على أن الفيلم السعودي في السنوات القليلة الماضية كسب ثقة المُشاهد في أن يذهب ويشتري تذكرة لمشاهدته.

كذلك الفيلم السعودي أصبح ضيفاً معتاداً على المهرجانات الكبيرة، كما أن البيئة التنظيمية نضجت وأصبحت سلسة في سبيل صناعة أفلام أكثر.

من جهة أخرى، أطلقنا في السنوات الماضية أحد أكثر برامج الحوافز طموحاً في مجال السينما العالمية، وهو نظام الاسترداد المالي (Cash Rebate) بسقف يصل إلى 40 في المائة مع تسهيلات لوجستية ودعم. صُوِّرت أفلام دولية بمشاركة نجوم كبار مثل شاروخان، وجيرار بتلر، وهنري كافيل، وغيرهم. إلى ذلك أثبت برنامج المنح «ضوء» أن الاختيارات موفّقة. فالأفلام «هجرة»، و«نورة»، و«هوبال»، و«سوار»، وغيرها العشرات، هي أفلام مُنحت معظم ميزانياتها من «ضوء». راهنَّا على جودتها، والحمد لله لم تخذلنا، ورأيناها في أهم المهرجانات، أو في قمة شباك التذاكر السعودي.

إلى جانب صناعة الفيلم هناك جانب البنية التحتية التي تغيّرت بدورها في السنوات الماضية. العديد من الاستوديوهات بُنيت في السنوات الماضية، وهناك أيضاً الورش و«الماستر كلاسس». أكثر من 4 آلاف متدرّب دُرّبوا في الأعوام الماضية. تم الكثير ولله الحمد، لكننا، كما قلت، ما زلنا في البدايات، والقادم أجمل.

• هل كان هناك خوف من رد فعل سلبي قد يؤدي إلى قيام الجمهور بتفضيل الأفلام الأميركية أو الهندية على الفيلم الوطني؟

- السوق السعودية متنوعة، وبها الفيلم السعودي والعربي والهندي والأميركي، وأحياناً الأوروبي.

أصدقك القول، سبق لي أن صرّحت في لقاء مبكّر في أحد اللقاءات مع منصة سعودية بأننا سنواجه تحدياً في البدايات، وهو خلق صورة ذهنية عن الفيلم السعودي، وهل يستحق المشاهدة على الشاشة الكبيرة. كنا نحتاج لفيلم تجاري واحد ناجح يكسر هذا الحاجز؛ لأن الجمهور السابق كان يسمع عن السينما السعودية، لكنه لا يراها إلا في المهرجانات. وكما تعلم، أفلام المهرجانات قد لا تُناسب كل الجمهور. عندما يرون فيلماً قصيراً غريباً يتغاضون عنه؛ لذلك كان من الضروري أن يروا قصص نجاح لأفلام تشبه تلك الأفلام التي يشاهدونها في السينما أو التلفاز. ومع وصول ذلك الفيلم السعودي الأول، فالثاني، ثم الثالث، انكسر هذا الحاجز.

الآن، منذ إطلاق شباك التذاكر السعودي، فإن أكثر 10 أفلام ربحية فيه 3 منها سعودية. هناك أفلام أميركية، وأفلام عربية، لكن ثلث الأفلام في تلك القائمة التي هي أعلى إيراداً سعودي. نتحدّث عن شبّاك التذاكر الذي هو إنجاز، لكن الأجمل أن هذه الأفلام لم تحقق الإعجاب الجماهيري فقط، بل الإعجاب النقدي أيضاً. لدينا فيلم في مهرجان «ڤينيسيا» هو «هجرة» لشهد أمين. العام الماضي كان «نورة» لتوفيق الزايدي في مهرجان «كان». هيفاء المنصور ستعرض جديدها «مجهولة» في مهرجان «تورنتو»، وقبل سنتين كان لدينا 3 أفلام سعودية فيه. هناك عروض سعودية في مهرجانات أميركية وأوروبية وآسيوية، وعربياً أيضاً حققت الأفلام السعودية جوائز مهمة في القاهرة ومراكش وغيرهما.

 

السينما في الجامعات

 

• شاهدت «هجرة»، وأعتقد أنه واحد من أفضل 10 أفلام هذا العام. ذكرتَ كماً كبيراً من الإنجازات، ماذا عن الجامعات، وكذلك الفعاليات السينمائية؟

- شهادتك حول فيلم «هجرة» هي شهادة من ناقد كبير أحترمه.

بخصوص الجامعات، هناك حالياً أكثر من 5 جامعات سعودية على الأقل تدرّس السينما والدراما، ونحن سعيدون باستجابة الجامعات والتنسيق الذي يجري بيننا وبينهم. من الفعاليات المهمة يأتي مهرجان «البحر الأحمر الدولي»، وهو، كما تعلم، أحد أهم المهرجانات في المنطقة رغم عمره القصير. وهناك أيضاً «منتدى الأفلام السعودي» الذي استقبل ما يقارب 70 ألف زائر من السينمائيين والمختصين والمهتمين في دورته الثانية، وهو بذلك أكبر حدث سينمائي بالشرق الأوسط خارج نطاق المهرجانات.

لقطة من فيلم «هوبال» الذي حقق إيرادات كبيرة في السوق السعودية (شاف)

 

• ماذا عن الحركة النقدية؟

- للأسف، كما تعلم، يدير العالم ظهره للنقد؛ ليس لأنّ الجمهور لا يُقدّر، بل لأن وسائل التواصل الاجتماعي والجيل الجديد...

• مسحت أهميّته...

- وهنا الخطر. ليكون لدينا نهضة سينمائية سعودية فلا شك أننا نحتاج إلى نهضة نقدية موازية. أدركنا هذا الأمر، وانتصرت الهيئة للنقد؛ لذلك هناك مؤتمر النقد السينمائي الدولي الذي يُقام في الرياض سنوياً، وهناك «ملتقيات النقد» التي تتبعه وتسبقه في مدن سعودية عدّة.

• كم دورة أقيمت لـ«ملتقيات النقد»؟

- أقيم مؤتمران للنقد حتى الآن في الرياض، أما الملتقيات فقد توزعت في مدن عدة مثل: جدة، والظهران، وتبوك، وبريدة، وحائل، والأحساء، وجازان، وأبها، وغيرها، وقريباً في القطيف.

وبما أننا نتحدث عن النقد والمحتوى الجاد، أطلقنا أيضاً «منصّة سينماء» المهتمّة بالنقد والمحتوى الجاد، وهي تحت إشراف الأرشيف الوطني للأفلام. هناك الكثير بالفعل مثل الأرشيف الوطني للسينما.

• الدعم الحكومي العربي للسينما كان بدأ من أواخر الستينات، لكن تجربتكم فريدة من نوعها؛ كونها متحررة أكثر في نظامها، وتقوم بما لم تقم به المؤسسات السينمائية في مصر وسوريا والعراق والجزائر. كانت لها أدوار مهمّة في تلك الفترات، لكن حجم اهتمامها لم يكن شاسعاً كحجم ونوعية اهتمام الهيئة... هل توافق على هذا الرأي؟

- أوافقك في أن التجربة السعودية مختلفة، وأن النشاطات والنجاحات التي شهدناها في السنوات الأخيرة تشي باستدامة واستمرار. هناك دعم وثقة جادان من أصحاب القرار بأهمية الثقافة والفنون، ومنها السينما. الثقافة ليست هامشية في «رؤية المملكة 2030»، بل ركيزة أساسية ومكون مهم لرفع جودة الحياة، وأحد محركات الاقتصاد الوطني، كما أنها من أقوى مؤثرات القوة الناعمة. هناك إيمان بتأسيس صناعة سينما وطنية حقيقية وفاعلة.

نتجاذب أطراف حديثنا هذا اليوم في واحد من أهم المباني التاريخية في مدينة البندقية. مبنى «أبازيا» العريق الذي يظهر في الخرائط القديمة للبندقية بصفته علامة مميزة للمدينة منذ قرون. هذا المبنى استأجرته وزارة الثقافة السعودية لاستضافة فعاليات ثقافية سعودية متنوعة، بينها فعاليات سينمائية مثل عروض الأفلام التي تُجرى هذه الأيام بحضور عدد من المبدعين والمبدعات من صنّاع الأفلام.

أذكر هذا الأمر لأنه كان من الممكن أن نستأجر أي مكان تجاري، وبسعر أقل، لكن أن تأتي إلى مكان عريق كهذا المكان فهذا يعني لي بصفتي متلقياً أن الثقافة السعودية رغم انطلاقها ممسكة بأحدث التقنيات والأساليب بيد، وتغرس يدها الثانية عميقاً في جذور التاريخ، وتراثها الغني بقصص عظيمة. هذه رسالة جميلة تحكي حالنا اليوم في المملكة؛ تاريخ تليد ومستقبل مشرق.

 

حنين... ولكن

 

• بدأتَ مخرجاً لأفلام قصيرة، بعضها من أجمل ما شاهدتُ من أفلام سعودية حتى اليوم. هل تحنّ إلى الوقوف خلف الكاميرا من جديد؟

- أحنُّ كثيراً، وأتمنى أن أعود يوماً، لكني أعوّض هذا الغياب عبر كتابة الرواية، وربما أعمل على رواية أخرى. فخري وغبطتي هو ما تفعله الهيئة والزملاء والزميلات، من خدمة لقطاع الأفلام لدينا، ومسابقتهم الشغوفة للزمن تجعلني أومن بأن هذا الأثر أفضل من أي أثر آخر قد أتركه كفرد. خدمتي من مكاني الحالي لصنّاع الأفلام ليست بمثابة عزاء فقط لي، بل عزاء عظيم ومحفز، وأسأل المولى أن يوفقني وزملائي في ذلك.

• سألتك في أحد المهرجانات التي حضرناها ما إذا كانت هناك خطة لتشجيع السينما البديلة، وأذكر إجابتكَ أنّ هذا بعض طموحك. ما هو واقع هذه الرغبة حالياً؟

- أعتقد أنّ السعوديين والسعوديات يسيرون في طريق سبقهم إليه آخرون، لكنهم يسيرون على طريقتهم. مثلاً، عندما ينجح فيلم مثل «هوبال» أو «مندوب الليل» في الوصول إلى الجمهور السعودي، ويحققان نتائج مميزة في شباك التذاكر، ويتنافسان مع أفلام «هوليوود» تجارياً لدينا، فهذا يعني أن الجمهور لديه القابلية لمشاهدة المختلف. ولا أعتقد أن هناك تضاداً بين الفيلم الجيّد والفيلم الجماهيري. أعتقد أن فيلماً مثل «هجرة»، وغيره من الأفلام الجيدة الجديدة، لديه قابلية أن ينجح حتى خارج السعودية. كما أتمنى للسوق أن تكون حيوية وناجحة، وألا تخلو من الأفلام الجيدة؛ لأن اعتمادها فقط على تحقيق أفلام مستنسخة من أفلام أجنبية لغاية تجارية بحتة وخلوها من أفلام جيدة، هو بمثابة غصّة كبيرة في صدري بصفتي صانع أفلام ومسؤولاً.

• ما هي التحديات المقبلة للهيئة ولصناعة الفيلم السعودي ككل؟

- التحديات كثيرة؛ مثلاً التحدي الذي يسعدنا أن نمضي فيه هو أنه في العالم الغربي هناك عدد من النقد المواكب كافٍ لإنجاح الأفلام البديلة، وهذا ما نعمل عليه. أعتقد أن السعوديين يملكون الوعي المطلوب للتفريق بين أفلام جيدة وأخرى رديئة.

كما أن هناك تحديات كبيرة ليس لنا فقط، بل لكل قطاع السينما العالمية، مثل سرعة التغير في التقنية، وما يفعله الذكاء الاصطناعي ودور المبدع فيه، كما أن التنافس بين منصات البث ودور السينما ودخول تقنيات جديدة قد تغير المعادلة، هما أمران مربكان للصناعة. لكن لنختم بما يلي: التقنيات تتغير، قد تموت بعض الأدوات وتُخلق أخرى جديدة؛ ما سيبقى بالتأكيد هو الفيلم نفسه، فالبشر لا يعيشون دون القصص، وأجمل تلك القصص هو الأفلام.


مقالات ذات صلة

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «ثريا حبيبتي» وثائقي يحكي قصة حبّ ثريا وزوجها الراحل مارون بغدادي (الجهة المنظّمة)

«ما زلنا هنا وما زلنا نروي»... انطلاق «بيروت الدولي لسينما المرأة»

يتضمَّن المهرجان توزيع جوائز على فئات تدخل في المسابقة الرسمية، وتشارك أفلام أخرى ضمن مسابقات «قصتها» و«صنّاع التأثير» وغيرها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق «مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» في دورته العاشرة صورة المرأة في السينما العربية، واحتفى بصانعات السينما في السعودية.

«الشرق الأوسط» (أسوان (مصر))
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.