الشواطئ الليبية... ثروة كامنة تنتظر الاستقرار السياسي

تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل «المتوسط» من دون استفادة سياحية

الشواطئ الليبية تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)
الشواطئ الليبية تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)
TT

الشواطئ الليبية... ثروة كامنة تنتظر الاستقرار السياسي

الشواطئ الليبية تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)
الشواطئ الليبية تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)

عادت السيدة الليبية الأربعينية سعاد بشير إلى مدينة بنغازي بعد قضاء إجازة الصيف بصحبة عائلتها في أحد منتجعات الساحل الشمالي في مصر.

لكن غبطة سعاد بأوقات قضتها في أرقى المنتجعات المصرية لم تفارقها علامات استفهام أخرى ممتدة منذ سنوات عن لغز ساحل البحر المتوسط في ليبيا، الذي يقطع مسافة 1700 كم دون أي طفرة سياحية تذكر، كما هو الحال في الساحل المصري على «المتوسط».

السؤال نفسه يلازم قطاعات واسعة من الليبيين منذ عهد نظام الرئيس السابق العقيد معمر القذافي.

ووفق شهادات متعددة لمن عاصروا مراحل مختلفة في عصر القذافي، فإن رؤية الرئيس السابق كانت «تكن عداءً تقليدياً للسياحة بكل أنواعها» ومن بينها الشاطئية، التي كان يرى فيها «نمطاً رأسمالياً استهلاكياً استعمارياً».

ليبيا تفتقر إلى وجود عدد كبير من القرى والفنادق على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)

ووفق المحلل الاقتصادي الليبي وحيد الجبو، فإن القذافي «لم يرَ حاجة إلى فتح قطاع السياحة، باعتبار أنه لا حاجة لليبيا بالسياحة في بلد منتج للنفط»، وسط نظرة عامة بأنه «قطاع مفسد تنتشر فيه الملاهي الليلية وشرب الخمور».

بعد الإطاحة بنظام القذافي في عام 2011 ظهرت أصوات تدفع نحو تشجيع الاهتمام بالسياحة، ومن بينها الشاطئية، لكن، وفق اعتقاد الجبو، فإن «الانقسام السياسي وتشظي المؤسسات الليبية عرقل إعداد خطة تنموية للسياحة على مستوى البلاد».

ويذهب أيضاً إلى أن «الأوضاع السياسية والأمنية، وصعوبة الحصول على تأشيرات الدخول لراغبي السياحة عرقلت استغلال هذا المورد الاقتصادي».

وفي السنوات الأخيرة، تزايد الحديث الرسمي خصوصاً من جانب السلطات في غرب ليبيا، عن تعافي قطاع السياحة، وسبق أن تحدث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قبل 3 سنوات عن السياحة باعتبارها «رافداً مهماً للاقتصاد الوطني».

قرية سياحية في ليبيا (وزارة السياحة الليبية)

وحسب أحدث أرقام رسمية، لم تتجاوز أعداد النزلاء العرب والأجانب نحو 142 ألف زائر العام الماضي، من بينهم قرابة 114 ألف نزيل عربي و28 ألف أجنبي، فيما بلغت أعداد مرافق الضيافة السياحية 300 قرية وفندق سياحي، وفق تقديرات مركز توثيق حكومي تابع لوزارة السياحة في غرب البلاد.

وهنا كشف رئيس اتحاد الغرف السياحية في ليبيا، خالد شقرون، لـ«الشرق الأوسط» عن «مشروع دراسة شاملة يعدها الاتحاد للاستفادة من الإمكانات السياحية في سواحل ليبيا، ومن المقرر تقديمها للسلطات المعنية في غرب البلاد قريباً».

وبيّن أن «هذه الدراسة تحظى بإشراف وتخطيط خبراء وباحثين ليبيين مقيمين في إيطاليا ودول أوروبية».

وزير السياحة الليبي نصر الدين الفزاني في اجتماع مع رئيس اتحاد الغرف السياحية الليبية خالد شقرون (وزارة السياحة الليبية)

ورغم ما تتمتع به ليبيا من امتداد ساحلي وموقع استراتيجي قد يجعلها من منظور الكثيرين «جسراً بين أوروبا وأفريقيا»، فإن فهد إسماعيل، العضو السابق بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار يرى أن «السواحل لم تُستغل بالشكل المطلوب طيلة العقود الماضية، واقتصر الأمر على مبادرات فردية متفرقة تعطلت بسبب مشاكل الملكية وتضارب القوانين».

ويتوقع الخبير الاستثماري الليبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تتحول ليبيا إلى وجهة استثمارية وسياحية متميزة عند تحقيق الاستقرار السياسي بشكل كامل، وربما أكثر بروزاً من بعض الوجهات في البحر المتوسط، بالنظر إلى التجارب الناجحة في دول مجاورة مثل مصر من خلال الاستثمار في منطقة رأس الحكمة والساحل الشمالي المصري».

ويغذي التفاؤل لدى قطاع من الليبيين، ومنهم إسماعيل، ما عدّها «مشروعات كبرى خصوصاً في المنطقة الشرقية مع تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية، من أبرزها تعديل وتطوير ميناء بنغازي ليصبح المنطقة الحرة جليانه».

ويستشهد أيضاً «بإعادة تفعيل واستثمار المنطقة الحرة المريسة، إضافة إلى تحويل ميناء سرت إلى منطقة حرة يُتوقع أن تكون بوابة استراتيجية لطريق الحرير الأفريقي نحو عمق القارة».

ومع ذلك فإن نجاح هذه الرؤية في المجال السياحي، وحسب المسؤول الليبي السابق، يرتهن «بمعالجة بعض التحديات التنفيذية، وعلى رأسها مسألة ملكية الأراضي الساحلية».

ويطالب «باستراتيجية واضحة لتنظيم هذه الأراضي وتسوية أوضاعها عبر آلية قانونية صحيحة، تُمكن الدولة من تخصيصها للاستثمار، مع تعويض أصحابها بشكل عادل، حتى لا تنشب نزاعات قانونية تعرقل المستثمرين المحليين أو الأجانب».

الشواطئ الليبية تمتد لمئات الكيلومترات على ساحل البحر المتوسط (وزارة السياحة الليبية)

وفي هذا السياق، فإن اقتصاديين ومحللين يحدوهم الأمل للدخول بشكل كامل في مرحلة «التنويع الاقتصادي» والخروج من دوامة «الاقتصاد الريعي» عبر تحقيق طفرة في الاستثمارات الفندقية، وسياحة البحر، والصحراوية، والثقافية والترفيهية، والعلاجية.

ويعد النفط هو الممول الرئيسي لبند الدخل في الخزانة الليبية، إذ يشكل ما نسبته 72.7 في المائة من الإيرادات الليبية في عام 2024، وذلك بواقع 89.8 مليار دولار من إجمالي المدخولات الليبية البالغ 128.5 مليار دينار. (الدولار يساوي 5.42 دينار في السوق الرسمية و7.77 دينار في الموازية).


مقالات ذات صلة

مصر تطمح إلى اجتذاب مزيد من السياح الفرنسيين عبر برامج رحلات مكثفة

يوميات الشرق زيادة الطلب على الرحلات النيلية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تطمح إلى اجتذاب مزيد من السياح الفرنسيين عبر برامج رحلات مكثفة

يشهد الطلب الفرنسي على مصر انتعاشاً حقيقياً، مدفوعاً بفضول جارف لرؤية قاعات المتحف المصري الكبير الجديدة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

تمثل المعارض الأثرية المصرية التي تجوب عواصم العالم ومدنه إحدى أهم أدوات الترويج الحضاري والسياحي لمصر، لما تحققه من أرقام قياسية في أعداد الزائرين

محمد الكفراوي (القاهرة)
الاقتصاد وزراء السياحة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماعهم في البحرين (مجلس التعاون)

السياحة الخليجية تتجاوز 75 مليون سائح في 2025

بلغ عدد السياح الوافدين إلى دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 75 مليون سائح خلال عام 2025، محققاً نمواً نسبته 4.8 في المائة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
يوميات الشرق تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)

محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تستعد صحراء منطقة الحدود الشمالية السعودية لاستقبال موسم جديد لصيد الصقور في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وسط حضور متزايد للهواة، ومحبي المقناص.

«الشرق الأوسط» (عرعر)
يوميات الشرق منتجع «قمرة» الجبلي في الباحة طُوِّر على مساحة تتجاوز 21 ألف متر مربع (أسفار)

منتجع قمرة الجبلي... تجربة ضيافة تعزز جاذبية الباحة للزوار

افتتحت الشركة السعودية للاستثمار السياحي (أسفار)، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، منتجع قمرة الجبلي في الباحة (جنوب غربي السعودية).

«الشرق الأوسط» (الباحة)

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.


ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
TT

ملفات عالقة في الثقافة المصرية تنتظر تعيين وزير جديد

القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع  باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)
القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماع باللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (وزارة الثقافة)

انتقد كتّاب ونقاد مصريون تأخر تعيين وزير جديد للثقافة بعد مرور نحو شهرين ونصف منذ استقالة وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي من منصبها في 7 يوليو (تموز) الماضي، إثر إدانتها بحكم قضائي لتعديها على حقوق الملكية الفكرية، كما انتقدوا الاكتفاء باختيار وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة ليقوم بتسيير العمل بشكل مؤقت، في ظل وجود ملفات عالقة بالثقافة تتطلب قرارات وزير متخصص.

وكتب الصحافي سليمان جودة عبر مقال له بجريدة «المصري اليوم» بعنوان «الوزير الغائب»: «تبدو الدولة وكأنها نسيت أن الحكومة ينقصها وزير ثقافة، وتبدو الحكومة وكأنها ارتاحت إلى أنها ينقصها وزير»، قائلا إنه «يخشى أن تفكر الحكومة في استمرار قيام وزير فيها بمهام أعمال وزير الثقافة دون سقف زمني محدد»، متسائلاً: «هل تخلو المحروسة من شخص يصلح وزيراً للثقافة؟».

وتساءلت الكاتبة فاطمة المعدول عن «سبب عدم تعيين وزير ثقافة حتى الآن... هل لعدم وجود من يصلح؟». وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الملفات المهمة عالقة، وقرار تعيين وزير جديد تأخر أكثر من اللازم، وكأنه لا يوجد بمصر كفاءات لتولي هذا المنصب».

وقالت المعدول، التي عملت في قطاعات كثيرة بالوزارة على مدى سنوات، إن «لدى الحكومة 4 شخصيات على خبرة وكفاءة كبيرة بالعمل الثقافي ومن داخل الوزارة تصلح تماماً لتولي هذا المنصب، وأولهم الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز القومي للملكية الفكرية وهو بدرجة وزير دولة، وتولى عدداً من المناصب بالوزارة»، وترى المعدول أنه «كان من الأولى ضم جهاز الملكية الفكرية إلى الثقافة لأنها تتبعها أساساً لتكون وزارة واحدة». وتضيف: «كما أن هناك الدكتور أشرف زكي نقيب الممثلين الذي ترأس أكاديمية الفنون قبل ذلك، والدكتور أحمد مجاهد الذي ترأس معرض الكتاب وهيئة الكتاب قبل سنوات، والدكتور سعيد المصري وهو عالم اجتماع وتولى من قبل أمانة المجلس الأعلى للثقافة».

وأشارت فاطمة إلى أن «وزير التعليم العالي والبحث العلمي ليس له علاقة بالثقافة وأزماتها، وهو لا يقوم بتسيير أمور الوزارة، بل يمارس دور وزير الثقافة، حيث قام بتغيير لجان مهمة مثل اللجنة الاستشارية العليا لمعرض الكتاب، ولجنة جائزة المبدع الصغير»، على حد قولها.

فيما أكدت الناقدة الدكتورة سامية حبيب تفهمها لتأخر الدولة في اختيار وزير للثقافة، على أساس أن الوسط الثقافي يحتاج إلى وسيط محدد لعرض مطالبهم وأفكارهم، لكنها تبدي وجهة نظر مختلفة قائلة: «أتفهم أن الدولة ترى أن منصب وزير ثقافة مصر منصب خطير ومهم، وفي حاجة إلى دقة في الاختيار».

وترى أن الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة يؤدي مهامه في الحدود المطلوبة بنجاح وهو أستاذ جامعي قدير ولم يقصر في أعمال الثقافة، وتضيف: «أرى أن اختيار وزير الثقافة ليس اختياراً لشخص بل لتوجه وفكر وخطط وطبيعة عمل لا بد أن يعمل بها الوزير الجديد؛ لأن ثقافة مصر متعددة ومتنوعة ومتفردة، وتواجه أزمات كثيرة مؤجلة، مثل أزمة السينما المصرية التي غاب عنها الموضوعات الجيدة وغابت عن المنافسة القوية بالمهرجانات العالمية، وأن على الوزير المقبل تطوير البعد الثقافي المصري على الساحة العالمية، وهي مهمة ليست سهلة».

وعَد الناقد الفني المصري طارق الشناوي «استمرار مقعد وزير الثقافة شاغراً حتى الآن أنه يعكس أن اهتمام الدولة بالثقافة يأتي في ذيل القائمة»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو كان ذلك المقعد يخص وزارات مثل الصناعة أو التموين أو الاقتصاد لم يكن سينتظر القرار لأكثر من شهرين»، وأضاف أنه «على الرغم من تولي وزير التعليم العالي والبحث العلمي تسيير الأمور، لكن الأمر يحتاج إلى نظرة أكثر عمقاً للثقافة وأكثر تخصصاً، وتلك النظرة لا يمتلكها القائم بالأعمال، كما أن سلطاته ليست مطلقة؛ لذا يجب المسارعة بالقرار دون انتظار؛ لأن خلو مقعد وزير الثقافة أدى إلى عرقلة كثير من الملفات المهمة».

ولفت الشناوي إلى «وجود ملفات سينمائية عالقة، مثل إعادة الدعم للأفلام الذي توقف منذ 10 سنوات، ومصير مهرجاني الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقومي للسينما، وهذه الأمور لا يقوم بها سوى وزير ثقافة لديه رؤية للعمل وخيال وخطط بعيدة المدى»، على حد تعبيره. مشيراً إلى أن «اجتماعات لجان وزارة الثقافة متوقفة منذ شهرين، وهو شيء أقرب للركود في وزارة لها حيويتها وأهميتها مثل الثقافة».

وتضم وزارة الثقافة كثيراً من الهيئات المتعلقة بالنشر والفنون والسينما والمسرح، التي تلعب دوراً حيوياً في تقديم الثقافة للجمهور، من بينها أكاديمية الفنون، والمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، والبيت الفني للمسرح، وقطاع الإنتاج الثقافي، والمركز الثقافي المصري (دار الأوبرا المصرية)، وقطاع الفنون التشكيلية، وقطاع العلاقات الخارجية، وصندوق التنمية الثقافية.


34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
TT

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)
يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)

يتجاوز موضوع السفر مجرد الانتقال من مكان إلى آخر؛ فتتداخل فيه عوامل الزمان، والبر والبحر والطقس، ويتجلى ذلك على الشاشات وفي الفضاءات المشتركة، ويكون بمثابة وسيلة معرفية تُشرك العقل والجسد معاً، ويتشكّل من الروابط التي تجمع بين الناس، ومن تداول التجارب التي تصيغ فهم العالم وتعيد تشكيله.

ومن هذه الزاوية اللافتة، يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في صالة الأمير فيصل بن فهد بالرياض، ليقدم حتى 31 مارس (آذار) 2027 تجربة واسعة تجمع 34 فناناً من السعودية والعالم، إلى جانب عرض مخطوطات تاريخية نادرة.

ويستلهم المعرض إرثَ الرحلات التاريخية، وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة، ليجمع نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً، انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً، خارجياً وداخلياً في آنٍ واحد، وبهذا المعنى، يحمل السفر بُعداً معنوياً؛ إذ يغدو عبوراً تهتز خلاله الذات وتُعاد صياغتُها، وتقدم كل عتبةٍ فرصة للتجدّد.

وتتنوع الأعمال المختارة في هذا المعرض بين الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والممارسات الرقمية، والمواد الأرشيفية، بما في ذلك المخطوطات النادرة. وعبر هذه الأعمال، تتجسد الحركة في المناظر الطبيعية، واللغة، والذاكرة، والتصورات الكونية، وفي صيرورة الأجساد وتحولات السرديات التاريخية، فيغدو رسم الخرائط، في هذا السياق، فعلاً حرّاً وتأويلياً، تصوغه التجربة الحيّة ويتجاوز الإحداثيات الثابتة.

تتنوع أعمال المعرض بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي والنحت والممارسات الرقمية والمواد الأرشيفية (مسك للفنون)

يستلهم المعرض إرثَ الرحلات التاريخية وفي مقدمتها رحلة ابن بطوطة (مسك للفنون)

السفر بوصفه تجربةً وجدانية ومشتركة

يجمع معرض «على امتداد الطريق» أعمال أكثر من 30 فناناً إلى جانب مواد أرشيفية تاريخية، مستكشفاً السفر بوصفه تجربةً وجدانية ومشتركة وفكرية، بين الرحلات والمناظر الطبيعية والذاكرة والمجتمعات والعوالم الداخلية، ويتأمل الزائر للمعرض كيف تصبح الحركة مصدراً للمعرفة، وكيف تغيّر رؤية الأفراد وتعيد تشكيل صلتهم بالعالم، حيت يتيح المعرض لزواره تتبّع مساراته واكتشاف قدرة الحركة على رسم خرائط جديدة للتجارب.

كما يعيد المعرض تشكيل مفهوم السفر بوصفه رحلة للتحول واكتشاف الذات، مستلهماً روح رحلات ابن بطوطة عبر محاور فنية تتناول الخرائط، والمعرفة، والاهتداء للطريق، والخرائط العاطفية، والطبيعة بوصفها خريطة حية، ضمن أعمال تركيبية وبصرية متنوعة.

وتتضمن أروقة المعرض قطعاً تاريخية بارزة، منها مخطوط «صور الكواكب الثابتة» للصوفي الرازي، ومخطوط «نزهة القلوب» للقزويني المستوفي، بالإضافة إلى قرص فلكي نحاسي يعكس إسهامات الحضارة الإسلامية في علوم الملاحة والجغرافي، في امتداد يمثله المعرض وجسر بين الإرث العربي والإسلامي واللغات البصرية المعاصرة، مؤكداً دور الفن بوصفه مساحة للحوار والتأمل وإعادة تعريف معنى الرحلة.

يعيد المعرض تشكيل مفهوم السفر بوصفه رحلة للتحول واكتشاف الذات (مسك للفنون)

ويتناول المعرض فكرة إدراك المعرفة من خلال السفر؛ إذ تتفاعل الأعمال الفنية مع رسم الخرائط بوصفه موضوعاً ومنهجاً في آنٍ واحد، فتفكّك بنيتَه وتحرّرها لتنتج أشكالاً مستحدثة، وتنعطف المسارات على نفسها، ويُعاد تخيّل المكان بواسطة ما يُسمّى «الخرائط الوجدانية»، وهي خرائط تجمع التجربة الإنسانية الذاتية والخبرة الوجدانية، ويمتد هذا التصور إلى الخرائط الشعرية، التي تقوم على فهمٍ أسطوري ومعنوي، واستيعاب قائم على العلاقات المكانية عوضاً عن الاكتفاء بالتأويل الهندسي فقط، ليغدو السفر بذلك فعلاً تعبيرياً.

ويرتّب المعرض الأعمال الفنية في سلسلة من محطات العبور، ويدعو الزائر إلى التوقف وإعادة تموضعه إزاء الأعمال وإزاء الآخرين، وبهذا، يجسّد المعرض فكرته القائلة بأن السفر سبيل إلى المعرفة، حيث تشكّل كل إيماءة، وكل صورة، وكل شذرة أرشيفية إحداثية في خريطة للوعي تتّسع بشكل مستمر، كما تغدو الحركة عبر المكان فعلاً معرفياً، تتحول به الرحلة الخارجية إلى رحلة داخلية تقود إلى إدراك أوسع وفهم أعمق.