لغز طبي... رجل لم ينم منذ عامين

أوليفر جرب علاجات وأعشاباً من دول عدة حول العالم لم تُجْدِ نفعاً

 أوليفر ألفيس على اليمين خلال علمه سائقاً للقطار قبل عامين وعلى اليسار خلال تجربته إحدى تجارب العلاج (ديلي ميل)
أوليفر ألفيس على اليمين خلال علمه سائقاً للقطار قبل عامين وعلى اليسار خلال تجربته إحدى تجارب العلاج (ديلي ميل)
TT

لغز طبي... رجل لم ينم منذ عامين

 أوليفر ألفيس على اليمين خلال علمه سائقاً للقطار قبل عامين وعلى اليسار خلال تجربته إحدى تجارب العلاج (ديلي ميل)
أوليفر ألفيس على اليمين خلال علمه سائقاً للقطار قبل عامين وعلى اليسار خلال تجربته إحدى تجارب العلاج (ديلي ميل)

قبل عامين، كان أوليفر ألفيس شاباً مجتهداً، يعيش حياة نظيفة، ويتحلى بالمسؤولية، حيث عمل ساعات طويلة سائق قطار، وسدد قرض منزله المكون من 4 غرف نوم.

حصل أيضاً على رخصة طيار خاص في وقت فراغه، واشترى طائرته الخفيفة. كل هذا، ولم يكن قد بلغ الثلاثين بعد.

لكنه اليوم فقد كل شيء: صحته، منزله، وظيفته - ومستقبله المشرق بالأمل والوعود التي كانت تلوح في الأفق. والسبب هو يقظة مستمرة مُرهقة للأعصاب حرمته من نوم هنيء لما يقرب من عامين.

عالق بين النوم والاستيقاظ

ويقول أوليفر: «ليس الأمر مجرد قلة نوم، بل هو اختفاء تام للنوم. لا أشعر بالنعاس. لا أغفو. أنا عالق في حالة يقظة دائمة». ويتابع: «أيام لا تنتهي تتحول إلى ليالٍ لا تنتهي - وهذا عذاب. الحرمان من النوم ليس مجرد إرهاق، بل يُفكك روحك».

ويردف: «لقد فقدت كل شيء تقريباً. الشخص الذي كنت عليه يوماً ما اختفى. كيف يُمكن لشيء طبيعي وأساسي كالنوم أن يُسلب تماماً؟. كنت أتساءل: ما الألم الذي قد يدفع شخصاً ما إلى تمني الموت؟ الآن أفهم. لا أريد الموت، لكن لا يُمكنني النجاة من هذا العذاب فترة أطول. سأبذل كل ما بوسعي لأُنهي حياتي، فقط لأتمكن من إغلاق عينيَّ والنوم».

لا إجابات

وأصعب ما يواجهه أوليفر هو غياب الإجابات. قال طبيبه العام إنه لا يستطيع فعل المزيد. لم يعد لدى طبيبه النفسي أي خيارات.

يقول أوليفر، البالغ من العمر 32 عاماً: «لا أحد يعرف حقاً كيفية التعامل مع هذا الأمر، مع أن النوم أساس الحياة نفسها».

جسد مقاوم للتخدير

يبدو جسد أوليفر مقاوماً حتى للتخدير القوي. حُقن بالدواء المُستخدم لتخدير المرضى قبل الجراحة، ومع ذلك لم يُفقِده وعيه. وآثار هذا القلق المُستمر مُرهقة: «لقد أمضيت 21 شهراً الماضية في كابوسٍ مُرعب، أُكافح للبقاء على قيد الحياة في جسدٍ أشعر بأنه مُشتعل، يحترق من الداخل».

ويتابع: «رأسي يُسيطر عليه ضغطٌ مُعذبٌ للغاية. مفاصلي وعظامي وعضلاتي تصرخ من الألم. أشعر كأنني أرتدي بذلة حديدية. عيناي تذوبان من جمجمتي. لا أستطيع المشي في خط مستقيم. بصري مُعقّد. لا أستطيع هضم الطعام جيداً».

ويردف أوليفر: «لم أعد أستطيع التواصل مع أي شخص. لا شيء يُسعدني أو يُمتعني؛ لا مشاهدة فيلم، لا تناول الطعام، لا قراءة كتاب. وطوال النهار والليل، أظل مستيقظاً، لا أشعر حتى بالنعاس - عالقاً في عقلٍ لا يرتاح، لا يتعافى، لا يُعيد ضبط نفسه.، ويتابع: «أشعر بالوحدة الشديدة لأنني أشعر بأنني الشخص الوحيد في العالم الذي يعاني بهذه الطريقة».

إلى متى يمكن للعقل والجسم البشريين تحمّل الأرق؟

وفي هذا الصدد، يقول البروفيسور جاي ليشزينر، استشاري طب الأعصاب ومؤلف كتاب «الدماغ الليلي» والمتخصص في اضطرابات النوم: «يُعد الأرق التام حالةً قاتلة».

ويضيف: «في حين أننا لا نملك بياناتٍ واضحةً من البشر لأسبابٍ أخلاقية، فإن الكلاب التي تُترك مستيقظةً تموت حتماً في غضون 17 يوماً، والفئران أيضاً تموت في غضون 32 يوماً».

ومع ذلك، يدّعي أوليفر أنه يعيش دون نومٍ مُنعشٍ لما يقرب من عامين؛ ما حيّر الأطباء الذين استشارهم في المملكة المتحدة، وفقاً لوثائق اطلعت عليها صحيفة «ديلي ميل». ويتابع: «توسلتُ إلى الأطباء، وأرسلتُ رسائل بريدٍ إلكترونيٍّ إلى خبراء النوم والعلماء حول العالم، متوسلاً إليهم لمراقبتي لعدة أسابيع. عرضتُ الدفع، لكن توسلي لم يُستجب».

ويمول أوليفر الآن علاجه الخاص من عائدات بيع منزله، ويجوب العالم بحثاً عن تشخيص وعلاج فعال، ويخضع لعشرات العلاجات، لكن لم يُجدِ أي منها نفعاً حتى الآن.

طرق علاج هندية؟

وأوليفر حالياً في الهند، ويقول: «أجرب جميع أنواع الأدوية والعلاجات والطرق العلاجية البديلة، فقط لأرى إن كانت ستُساعدني على النوم». ويردف: «لكن لا شيء يُجدي نفعاً. أحياناً أنام ساعةً واحدةً كل ليلة، لكنني ما زلت أشعر بالنشاط. لستُ متعباً على الإطلاق».

ويقول أوليفر: «أمشي في الشوارع ليلاً، أحسد المشردين الذين ينامون على أبواب المتاجر. كنتُ أتبادل الأماكن معهم فقط من أجل نسيان النوم - أتخلى عن كل قرش أملكه لأنام كأي شخص عادي»، ويتابع: «(يعتقد الناس أنني واهم). لكن لماذا أختلق هذا؟ لا فائدة تُرجى من التظاهر بعدم القدرة على النوم. يصعب تصديق ذلك، أعلم. قبل عامين، لم أكن لأصدق أن هذا سيحدث لي».

وقبل أن يبدأ كابوسه، كان أوليفر يملأ كل دقيقة من حياته بالعمل والنشاط.

من الشباب إلى الإرهاق الدائم

وأورد تقرير الصحيفة البريطانية، أن أوليفر لا يملك الطاقة ولا القدرة على الكلام في بعض الأيام. من اللافت للنظر قدرته على تنظيم أفكاره بشكل مترابط. ولكن عندما يستجمع قوته للحديث، يكون مهذباً، ومع أنه يتوقف كثيراً ليستجمع خيوط الفكرة.

وخلال سنوات ما قبل الأرق تلك، كان مركّزاً، نشيطاً، وعازماً. حافظ على لياقته البدنية العالية، ويقول: «عشتُ حياةً نظيفة - لم أتناول الكحوليات أو السجائر أو المخدرات قط. كنتُ أتدرب في صالة الألعاب الرياضية يومياً، وأقضي أكبر وقت ممكن في الهواء الطلق». ويستطرد: «كانت لديّ رؤية لحياتي».

ولم يفارق أوليفر النوم أبداً في تلك السنوات الحافلة بالإنجازات. ويقول: «كنت أنام ست، ثماني، عشر ساعات في الليلة، دون أي عناء. ثم، دون سابق إنذار، انقلبت حياته رأساً على عقب. كان الأمر لا يُصدق، لا يُصدق، ما زلتُ أعاني من أجل فهمه».

ويروي الشاب البريطاني قصة كيف بدأ كل شيء في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2023: «عدتُ إلى المنزل من العمل في وقت متأخر من إحدى الليالي ولم أستطع النوم. لم أُفكر في الأمر. لكن في الليلة التالية، لم أعد أنام. مرت الأيام - وما زلتُ بلا نوم».

ويقول: «الأمر الأغرب هو أنني لم أشعر حتى بالنعاس. لم أغفُ ولو ثانية واحدة. شعرتُ كأن عقلي عالق في وضع طوارئ لن يتوقف أبداً. منذ تلك اللحظة، بالكاد نمتُ على الإطلاق، أولاً، جرب علاجات تُصرف دون وصفة طبية، ثم ذهب إلى طبيبه العام الذي وصف له حبوباً منومة؛ لكن لم يُجدِ أيٌّ منهما نفعاً. في 5 يناير (كانون الثاني) 2024، قاد قطاراً للمرة الأخيرة، مُدركاً أنه لم يعد آمناً له القيام بذلك».

أطباء لا يعرفون الحل

استمر أوليفر في زيارة عيادة أطبائه بانتظام في بحثه غير المثمر عن إجابات - فقد زار جميع الأطباء العامين في عيادة تشيبينهام المزدحمة، حيث كان مسجلاً.

وتابع: «قال لي أحدهم: (عد إلى المنزل، وأشعل شمعة واسترخِ). وقال آخر إنني أعاني من الوهم. ثم قيل لي: (لقد سئمت منك الآن. لم يعد بإمكاننا مساعدتك). لقد تعرضت للطرد والسخرية والإذلال. سألت طبيبي: (ماذا يفعل الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نوم خطيرة؟)، قال: «يتوقفون عن الاتصال بنا».

بعد شهر تقريباً، أُحيل أوليفر إلى طبيب نفسي في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، والذي كان هو الآخر في حيرة من أمره: «اعترف بأنه ببساطة لا يعرف الحل».

بحث عن علاج حول العالم

باع أوليفر منزله، وعاد للعيش مع والدته، جيل، البالغة من العمر 57 عاماً، في أوائل عام 2024. لا تزال في حالة ذهول: «كان العالم بين يديه»، أخبرتني. «لا أفهم كيف حدث هذا. عندما عاد للعيش معي لأول مرة، كنت أحاول السهر معه طوال الليل والتحدث إليه، لكنني لم أستطع فعل ذلك طويلاً».

وتابعت: «ازداد يأساً ووحدة. كان يخبرني بأنه تناول ما يكفي من أقراص النوم الموصوفة له لقتل وحيد القرن - لكنه ظل مستيقظاً تماماً».

يؤكد أوليفر هذا: «لقد سافرت حول العالم أجرب أقراصاً منومة مختلفة ومنومات قوية بجرعات عالية جداً، لكن لا شيء يُنومني. من المفترض أن شركة أدوية تريد إجراء تجارب عليّ»، أقوى أدوية النوم بالنسبة لي أشبه بتناول حبة سكر.

يقول إنه استشار أكثر من 50 طبيباً عاماً، وطبيب أعصاب، وطبيباً نفسياً، واختصاصياً نفسياً، وعيادة نوم. أُحيل إلى فرق الصحة النفسية، ونُقل إلى مستشفيات، بما في ذلك وحدات الطب النفسي (هناك صلة قوية بين قلة النوم لفترات طويلة ومشكلات الصحة النفسية) في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

وشخّصه الأطباء باضطراب ما بعد الصدمة، ومتلازمة التعب المزمن، والألم العضلي الليفي، وهو مرض يُسبب ضبابية في الدماغ، وأرقاً، وإرهاقاً. ولكن عندما أُحيل إلى مستشفى رويال يونايتد في باث لمزيد من الفحوص، طُلب منه فقط «الحفاظ على وتيرة منتظمة والراحة بين الأنشطة».

في يونيو (حزيران)، سافر أوليفر إلى كولومبيا، أميركا الجنوبية، وتركيا، لتناول علاجات لكنها لم تُجْدِ نفعاً.

ويقول أوليفر: «كل يوم أُجرّ إلى نوع من العذاب يفوق طاقة أي إنسان. إنه موت بطيء، بلا راحة، بلا راحة، مجرد ألم وعدم تصديق أن شيئاً كهذا يمكن أن يحدث. كل ما أتوق إليه هو الراحة، لأتمكن من العيش، لا مجرد الوجود».


مقالات ذات صلة

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

يوميات الشرق موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

تُعدّ التفاعلات المباشرة بين البشر والحيوانات البرية في المواقع السياحية من أبرز عوامل الجذب للزوار، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر حقيقية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
رياضة عربية أحمد حسام «ميدو» (صفحته على فيسبوك)

مصر: حبس نجل «ميدو» 7 أشهر لحيازة المخدرات

أصدرت محكمة الطفل بمصر، الثلاثاء، حكماً بالحبس 7 أشهر ضد «حسين» نجل اللاعب أحمد حسام الشهير بـ«ميدو» لاعب المنتخب القومي سابقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)

دراما خطف الأطفال... وقائع متكررة تصدم المصريين

في مشهد أقرب للدراما بمحافظة الشرقية (دلتا مصر)، تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، أمس الاثنين، أنقذ ركاب سيارة أجرة طفلة بالصف الرابع الابتدائي من الخطف.

محمد عجم (القاهرة )
الولايات المتحدة​ طفل يمسك بأيدي والديه في أثناء مغادرتهما المسجد بموقع إطلاق النار الذي وقع في المركز الإسلامي بسان دييغو في كاليفورنيا (رويترز) p-circle

طفل اختبأ في خزانة خلال الهجوم على مسجد بكاليفورنيا: «رأيت أشياء مروعة»

اضطر عدي شنة (9 سنوات) إلى الاحتماء مع عشرات الأطفال داخل غرف دراسية أمس، عندما بدأ إطلاق نار في المسجد الذي يدرسون فيه.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
أوروبا عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

قتيلان على الأقل و4 مصابين في إطلاق نار بجنوب إسبانيا

 قالت الشرطة الإسبانية اليوم، إن شخصين على الأقل قتلا وأصيب 4 آخرون في إطلاق نار بمدينة إل إيخيدو بجنوب البلاد خلال الليل، مضيفة أنه تم إلقاء القبض عليه.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

«دار الكتب» المصرية تتراجع عن إجراءات أثارت جدلاً حول «الرقابة» وسوق النشر

وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
TT

«دار الكتب» المصرية تتراجع عن إجراءات أثارت جدلاً حول «الرقابة» وسوق النشر

وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)
وزارة الثقافة المصرية (فيسبوك)

تراجعت دار الكتب والوثائق القومية عما وصفها البعض بأنها «إجراءات جديدة» أثارت ضجة في أوساط النشر وبين الكتاب في مصر بعد طلبها تسليم نسخة من ملف (Word) لكل كتاب جديد ليحصل على رقم إيداع. ما عدّه البعض «نوعاً من الرقابة على الكتب قبل صدورها». فضلاً عن اعتراض ناشرين على طول الإجراءات التي أصبح يتطلبها الحصول على رقم إيداع.

الضجة التي أثيرت منذ أيام وتردد صداها بين الناشرين والكتاب والمبدعين والمسؤولين في المؤسسات الثقافية، دفعت دار الكتب والوثائق القومية إلى إصدار بيان توضيحي، الخميس، ذكرت فيه أنها «حريصة كل الحرص على الملكية الفكرية وحماية حقوق المؤلفين». وأضاف البيان أن «الدار تابعت باهتمام شديد ما أُثير حول إجراءات الإيداع، وتؤكد أن إجراءات الحصول على أرقام الإيداع مستمرة كما هي، وأن الدار ملتزمة بمنح أرقام الإيداع عند الطلب، على أن يتم إيداع النسخ المطلوبة في موعد غايته ثلاثة أشهر من تاريخ الحصول على رقم الإيداع، وذلك بإيداع نسخة إلكترونية سواء كانت بصيغة pdf القابلة للبحث، أو نسخة word مؤمَّنة من مقدم الطلب وغير قابلة للتحرير، إلى جانب النسخ المطبوعة والمقررة قانوناً».

جانب من اجتماع في دار الكتب حول الأزمة (صفحة النائبة ضحى عاصي على «فيسبوك»)

وشهدت أوساط الكتاب والناشرين المصريين جدلاً وغضباً من طلب دار الكتب نسخة «word» من كل كتاب يحتاج إلى رقم إيداع حتى تتم طباعته، وتساءلوا حول الهدف منه، فضلاً عن مخاوفهم من تحول ذلك إلى شكل من أشكال الرقابة على المؤلفات قبل صدورها، مما يشكّل حسب وجهة نظر دور النشر معوقاً للصناعة التي تحتاج إلى التشجيع بدلاً من وضع العراقيل أمامها، بدا القرار كأنه «يمثل تهميشاً غير مفهوم أو مبرَّر لدور الاتحاد وكيانه المهني المستقر قانوناً»، حسب وصف اتحاد الناشرين المصريين، في بيان أصدره تعليقاً على الأزمة، وأضاف أن «انفراد دار الكتب بطلب نسخة (word) دون التنسيق مع الاتحاد يمس صلب هذه الصناعة».

كانت دار الكتب والوثائق المصرية قد أصدرت بياناً سابقاً قالت خلاله إن إيداع نسخة رقمية من المصنف أمرٌ ليس بجديد، وهو معمول به منذ عام 2017 وفقاً للقرار رقم 363، أما التعديل الذي تم إجراؤه على المادة الثالثة فجاء بهدف دعم إجراءات الحوكمة والميكنة والتحول الرقمي بالدار.

وقال الناشر إسلام عبد المعطي مدير دار «روافد» لـ«الشرق الأوسط» إن القرار يشكل طابعاً رقابياً من بدايته، وخطورته تكمن في أنه في حال حدوث أي تغييرات في الكتاب يمكن لدار الكتب أن تتهم الناشر بالتزوير وتقديم عمل غير الذي قام بطباعته».

وقال الكاتب أحمد عبد الرازق أبو العلا، مدير عام النشر بهيئة قصور الثقافة الأسبق، في تعليق على «فيسبوك»: «القرار يعد اعتداءً على حقوق الملكية الفكرية، ومخالفة صريحة لما نص عليه الدستور»، مشيراً إلى أن «وظيفة الإيداع تاريخياً كانت مرتبطة بحفظ ما صدر بالفعل، وليس الاطلاع على الأعمال في مراحلها الأولية أو قبل خروجها للنشر».

من جهتها قالت الناشرة والكاتبة الصحافية دينا قابيل، مدير «دار المرايا»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنها تقدم لدار الكتب نسخة إلكترونية مغلقة، لكن استحداث قرار جديد يُلزم الناشرين بتقديم نسخة «word» من مطبوعاتهم يفتح الباب أمام كثير من المخاوف، ووصفت قابيل القرار بأنه غير منطقي، وذو طبيعة رقابية، ولا توجد دار وثائق على مستوى العالم تطلب ذلك من الناشرين.

في حين ذكرت الكاتبة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المصري) أن الأزمة انتهت، وستتم إجراءات رقم الإيداع كما كانت في السابق، وأشارت إلى اجتماعها مع رئيس دار الكتب الذي أكد أن الإجراءات المعتادة لرقم الإيداع ستتم دون تغيير. وفق ما نشرته على صفحتها بموقع «فيسبوك». وكانت النائبة قد قدمت قبل يومين طلب إحاطة لوزيرة الثقافة حول هذا الأمر.

Your Premium trial has ended


حجب حسابات «بلوغر» مصري بسبب فيديو «الدُّخلة البلدي»

قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
TT

حجب حسابات «بلوغر» مصري بسبب فيديو «الدُّخلة البلدي»

قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)
قرار بحظر حسابات «بلوغر» في مصر (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر حجب الحسابات الإلكترونية باسم «كروان مشاكل» على مواقع التواصل الاجتماعي، ومخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بوصفه الجهة التنفيذية.

كما قرر المجلس مخاطبة النيابة العامة لإعمال شؤونها بشأن المقاطع المصورة التي تم ترويجها من خلال الحسابات الإلكترونية بالاسم السابق ذكره؛ لما تشكله من محتوى خادش للحياء العام، وانتهاك لحرمة الحياة الخاصة، وتعدٍّ على المبادئ والقيم الأسرية للمجتمع المصري، وفق بيان للمجلس، الخميس.

ويأتي هذا القرار بناءً على تقارير الإدارة العامة للرصد، وما أوصت به لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وكانت مقاطع مصورة وصور تم نشرها لـ«البلوغر»، الذي ينشر باسم «كروان مشاكل»، وهو يتحدث عن «الدُّخلة البلدي»، أثارت غضب العديد من الأصوات الحقوقية والجمهور الذي اعتبر أن هذا التصرف يحمل «إهانة للمرأة» و«المتاجرة بعادة شعبية فيها امتهان لكرامة المرأة»، من أجل حصد المشاهدات وتصدر «الترند»، وفق آراء متنوعة حول الواقعة.

وترى الدكتورة عزة كامل، رئيسة مجلس أمناء «مؤسسة وسائل الاتصال من أجل التنمية»، أن «الفيديو الذي نشره (كروان مشاكل) سقوط أخلاقي كامل وانحدار في زمن المشاهدات الرخيصة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أنها «سعدت جداً برد فعل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحجب حسابات هذا الشخص»، وعدّت ما حدث «شكلاً مباشراً من العنف الرمزي ضد النساء حيث تُنتزع الخصوصية والاحترام، ويتم استبدال ثقافة الاستعراض الرخيص بها، وكل شيء يتحول لمحتوى تصبح فيه الكرامة نفسها قابلة للبيع».

وتابعت: «الأمر لم يعد مجرد محتوى تافه أو شخص يبحث عن الشهرة بأي طريقة، ولكنه وصل إلى انحدار أخلاقي واجتماعي كامل، والنساء تُدفع فيه إلى الواجهة تحت لافتات مضحكة مثل (الدُّخلة البلدي) و(الترند) والمزاح، لكن الحقيقة أكثر قبحاً من ذلك؛ لأننا أمام سوق مفتوحة لامتهان النساء وتحويل خصوصيتهن إلى سلعة تباع بالمشاهدات والإعلانات».

وتؤكد عزة كامل أن «العيب لا يقع فقط على من يفعل هذه الأفعال الرخيصة، ولكن على المنصات التي تروج له، وعلى الجمهور الذي يستهلك، والثقافة التي بدأت تعتبر إذلال النساء محتوى، وأن (الدُّخلة البلدي) أصبحت غطاء لتطبيع الإهانة، وكأن كرامة المرأة قابلة للمساومة مقابل حفنة من المتابعين!».

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر (فيسبوك)

وسبق أن أثارت فيديوهات «كروان مشاكل» الجدل، خصوصاً بعد إقامة ما زعم أنه حفل زفاف ودعوة الكثير من «البلوغرز» إليه، وما حدث في هذا الحفل من أعمال شغب وقيامه هو نفسه بنشر فيديوهات يؤكد فيها أنه تم إفساد الفرح، وتدخلت السلطات وقتها وألقت القبض على عدد من الحضور الذين تورطوا في أعمال عنف.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن «هوس بعض صنّاع المحتوى بالبحث الدائم عن المشاهدات و(الترند) دون الالتفات للمعايير الاجتماعية أو طبيعة البيئة التي يُنشر فيها المحتوى، هو ما يدفع أحياناً إلى قرارات مثل الحجب أو الملاحقة القانونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة لا تتعلق فقط بالرغبة في تحقيق الانتشار، لكن أيضاً بغياب الوعي القانوني والمهني لدى البعض، ما يجعلهم يرتكبون أخطاء قد لا يدركون أنها تتجاوز الأكواد المهنية والأعراف المجتمعية المتعارف عليها، فما قد يكون مقبولاً أو متداولاً في مجتمع معين، ليس بالضرورة أن يكون مقبولاً في مجتمع آخر له خصوصيته الثقافية والاجتماعية؛ لذلك تبقى معادلة (حرية المحتوى) و(المسؤولية المجتمعية) واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في العصر الرقمي».

وينظم القانون 175 لسنة 2018 مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ويحدد المعلومات الإلكترونية بأنها كل ما يمكن إنشاؤه أو تخزينه أو معالجته أو تخليقه أو نقله أو مشاركته أو نسخه بواسطة تقنية المعلومات، ويحدد الجرائم التي تترتب على ذلك والعقوبات التي تُفرض عليها وفق حالات محددة واختصاصات لجهات رسمية.

وتوضح الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مبادرة «محاميات مصريات لحقوق المرأة»، أن «المادة 25 من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية تُجرّم (الإخلال بالقيم الأسرية المصرية)، والمادة 26 تُجرّم (الإخلال بالآداب العامة)، وهذه العبارات مطاطة وغير محددة قانونياً، مما يُخالف مبدأ الشرعية المنصوص عليه في المادة 95 من الدستور المصري».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنه «تم حذف المحتوى الذي أثار المشكلة، ولكن حتى لو افترضنا أن المحتوى يستحق التقييد، فإن حجب الحسابات بأكملها عقوبة إدارية شديدة لا تتناسب مع طبيعة المحتوى. المعايير الدولية تُلزم بأن يكون أي قيد ضرورياً ومتوافقاً مع الهدف المُعلن، وأن يُلجأ إلى البدائل التي هي أقل قسوة أولاً».

ولفتت إلى أن «المادة 71 من الدستور المصري تحظر صراحة الرقابة المسبقة على الصحف والمواقع. وحجب الحسابات قبل صدور حكم قضائي نهائي يُعادل الرقابة المسبقة».

ورفضت هبة ما اعتبرته نوعاً من «التمييز في التطبيق»، موضحة أنه «إذا كان المحتوى يتعلق بعادة اجتماعية تم تناولها في أعمال سينمائية مصرية مرخصة مثل فيلم (دكان شحاتة)، فإن حجب حساب (بلوغر) دون محاسبة هذه الأعمال يُثير تساؤلات حول التمييز في تطبيق القانون واستهداف صنّاع المحتوى المستقلين».

وطالبت هبة بنشر التفاصيل الدقيقة لأسباب الحجب، وعدم الاكتفاء بعبارة «التعدي على قيم المجتمع»، كما طالبت بـ«التناسب في العقوبة»؛ بمعنى أنه «إذا كان هناك محتوى يستحق التقييد، يجب أن يكون التدخل محدداً (إزالة الفيديو المحدد)، لا حجب الحساب بأكمله».


اكتشاف كوكب حرارته تشبه حرارة الأرض

رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
TT

اكتشاف كوكب حرارته تشبه حرارة الأرض

رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)
رسم تخيلي لكوكب غازي عملاق شبيه بكوكب المشتري خارج مجموعتنا الشمسية (جامعة ولاية بنسلفانيا)

أعلن فريق دولي عن اكتشاف كوكب غازي خارج النظام الشمسي بحجم يقارب كوكب زحل، يتمتع بدرجات حرارة معتدلة أقرب إلى حرارة الأرض مقارنةً بالكواكب الغازية الشديدة السخونة.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، وبالتعاون مع مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة «ناسا»، أن هذا الكوكب يمتلك غلافاً جوياً غير معتاد لكوكب من هذا النوع خارج النظام الشمسي، ونُشرت النتائج، الأربعاء في دورية «The Astronomical Journal».

وأظهرت الدراسة أن الكوكب، المعروف باسم «TOI-199b»، يقع على بُعد نحو 330 سنة ضوئية من الأرض، ويحتوي على غلاف جوي غني بغاز الميثان، وهو اكتشاف يُعد الأول من نوعه لكوكب غازي معتدل الحرارة خارج المجموعة الشمسية.

ويُصنَّف الكوكب الجديد ضمن فئة نادرة من الكواكب الغازية المعتدلة، إذ تبلغ درجة حرارته نحو 175 درجة فهرنهايت (نحو 80 درجة مئوية)، وهي أقل من «كواكب المشتري الحارة» التي قد تصل حرارتها إلى آلاف الدرجات، وأكثر دفئاً من عمالقة الغاز في نظامنا الشمسي التي تصل إلى درجات تحت الصفر. ويدور الكوكب حول نجمه مرة كل 100 يوم تقريباً، ويُعد من القلائل المعروفين في هذه الفئة الحرارية المتوسطة.

وباستخدام تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي، تمكن العلماء من تحليل الغلاف الجوي للكوكب عبر تقنية تُعرف باسم «مطيافية العبور» (Transmission Spectroscopy)، حيث يمر الكوكب أمام نجمه، ما يسمح بدراسة الضوء الذي يمر عبر غلافه الجوي.

وأظهرت النتائج أن الغلاف الجوي للكوكب يحتوي على نسب واضحة من غاز الميثان، مع مؤشرات محتملة لوجود الأمونيا وثاني أكسيد الكربون، ما يوفر أول تحليل تفصيلي من نوعه لكوكب غازي معتدل الحرارة.

ويساعد هذا النوع من الكواكب «معتدلة الحرارة» في سد الفجوة بين عمالقة الغاز الباردة مثل المشترى وزحل، والكواكب الحارة جداً خارج النظام الشمسي، وبالتالي فهم أوسع لتنوع الكواكب.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور رينيو هو، من جامعة ولاية بنسلفانيا، إن دراسة هذا النوع النادر من الكواكب تساعد العلماء على فهم كيفية تشكل وتطور الكواكب والأغلفة الجوية بشكل أفضل، ليس خارج المجموعة الشمسية فقط، بل لفهم كوكب الأرض نفسه أيضاً.

وأضاف، عبر موقع الجامعة، أن هذا الاكتشاف يفتح الباب لدراسة مزيد من الكواكب المشابهة لمعرفة ما إذا كانت هذه الخصائص شائعة أم حالة فريدة.

ووفق الباحثين، يمثل هذا الاكتشاف أحد أهم إنجازات تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي في دراسة الكواكب خارج المجموعة الشمسية، ويعزز قدرة العلماء على تحليل عوالم بعيدة لم يكن ممكناً دراستها بهذا التفصيل من قبل. ويأمل الباحثون أن يتيح مزيد من الملاحظات المستقبلية تحديد التركيب الدقيق للغلاف الجوي لهذا الكوكب، ومقارنته بكواكب مشابهة لمعرفة مدى شيوع هذا النوع من العوالم في المجرة.