«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

معضلة اهتزاز الثقة تضرب مفاصل الدولة والإعلام والتعليم

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية
TT

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

هناك ثورة هادئة تحدث في كيفية تحديد ملايين الأميركيين ما هو حقيقي.

تلاشي الثقة في المؤسسات التقليدية

الثقة تتلاشى من المؤسسات التقليدية -الإعلام والحكومة والتعليم العالي- وتتحول إلى أصوات فردية عبر الإنترنت، من بينها منشئو المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، كما كتبت جيسيكا يلين(*).

وقد أفاد معهد «رويترز» بأن هذا العام، ولأول مرة، سيحصل عدد أكبر من الأميركيين على أخبارهم من منصات التواصل الاجتماعي والفيديو -بما في ذلك «إنستغرام» و«فيسبوك» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إكس»- مقارنةً بالمنافذ التقليدية. ووفقاً لمركز «بيو» للأبحاث، يلجأ واحد من كل خمسة بالغين الآن بانتظام إلى المؤثرين للحصول على الأخبار.

التواصل الاجتماعي: النشر السريع لا المصداقية

ويُعد هذا احتمالاً مرعباً لمن يهتم بالمعلومات الموثوقة، فوسائل التواصل الاجتماعي تُكافئ جوانب الانتشار السريع للأخبار، لا المصداقية. اقضِ خمس دقائق في تصفح «تيك توك» أو «إنستغرام»، وقد تصادف مؤثرين «يعلِّمونك» عن نخبة عالمية تدير العالم من «قارات مخفيّة» خلف «جدار جليدي» في القارة القطبية الجنوبية، أو يمتدحون فضائل مادة الزيوليت zeolite، «مادة رابطة بركانية للعفن» التي يمكنها «تنظيف جميع أنواع السموم تماماً» بهدف رفع ضباب الدماغ، والوقاية من السرطان، وإزالة المواد البلاستيكية الدقيقة من الخصيتين... إنها بيئة مصممة بشكل مثالي لتوسيع نطاق كل من المعلومات المضللة والاحتيال الماكر.

ومع ذلك، فإن الفكرة الشائعة بأن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد حريق قمامة من الأكاذيب الفيروسية تفتقر إلى شيء حيوي؛ إذ لا يزال ملايين الأشخاص يهتمون بالحقيقة. إنهم يبحثون عن الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي من أصوات موثوقة يمكنهم الوثوق بها. إنهم ليسوا متأكدين دائماً من مكان العثور عليها أو ممَّن.

إبداع مستنِد إلى الأدلة

أنا أعرف ذلك لأنني أتفاعل مع هؤلاء الأشخاص كل يوم. كنت من بين أوائل الصحافيين المستقلين الذين جلبوا التقارير الإخبارية إلى «إنستغرام»؛ اليوم، منصتي، «أخبار لا ضجيج» News Not Noise تمتد عبر «إنستغرام» و«يوتيوب» و«بودكاست» و«سابستاك» ومنصات أخرى. وخلال سنوات من التفاعل المباشر مع جمهور المنصة، يبقى السؤال الذي أتلقاه أكثر من أي سؤال آخر، ببساطة: «هل هذا (الخبر المنشور) صحيح؟».

أنا هنا لأخبركم أن الحقيقة لم تَمٌتْ، فآلاف الأشخاص مثلي يعملون عبر الإنترنت فيما أسميهم أناساً «مبدعين مستندين إلى الأدلة».

والعمل معركة شاقة، فمجموعتي ليست شخصيات إعلامية بمستوى عالٍ مع فرق علاقات عامة وطواقم إنتاج وفريق بحث للتحقق من صحة العبارات اللاذعة... نحن أصوات مستقلة تعمل دون شبكات أمان. أحب أن أعدنا المعادل الرقمي للطهاة المهرة الذين يعملون في مصنع للوجبات السريعة المُنتجة بكميات كبيرة.

الحقيقة أصعب من التضليل

إن ما يجعلنا أشخاصاً ذوي قيمة -هوسنا بالحقائق، والتزامنا بالتفاصيل الدقيقة، وساعاتنا التي نقضيها في الإجابة عن أسئلة الجمهور عبر التطبيقات- يضعنا في وضع حرج للغاية في ظل «اقتصاد يهتم باجتذاب الاهتمام».

ما الذي يتطلبه الأمر مثلاً لإنتاج فيديو أنيق يدّعي أن شحم البقر هو الفياغرا الطبيعية؟ خمس عشرة دقيقة مع هاتف آيفون دون أي اعتبار للواقع... فيما نجمع الادعاءات وندحضها ونحاول جعل الأفكار المعقدة دقيقة وجذابة في آن واحد.

مأزق المبدعين الملتزمين بالحقيقة

إن كل هذا يترك المبدعين القائمين على الأدلة في مأزق غريب. نحن نُقدّر بلا شك؛ فشركة Substack، على سبيل المثال، تُثبت أن الجمهور مستعد لدعم «المحققين» الذين يثقون بهم مالياً. لكننا ما زلنا منفصلين إلى حد كبير عن الموارد وأطر العمل التعاونية التي يُمكن أن تُضاعف تأثيرنا.

نحن نعمل بجد في العمل نفسه لدرجة أن فرصتنا ضئيلة لبناء الأسس اللازمة لإنشاء نموذج جديد ودائم في النشر الرقمي -نموذج يتضمن أدوات مثل التسويق عالي الكفاءة، ومحركات النمو؛ للوصول إلى جماهير جديدة، والإشراف التحريري للمساعدة في اتخاذ القرارات الصعبة، والبحوث المشتركة التي من شأنها أن تمنع كل واحد منا من الاضطرار إلى بناء الخبرة من الصفر مع كل قصة جديدة.

ومع هذا فإنني أرى هذه العقبة فرصة. إذ يُظهر لنا التاريخ أن القطاعات التي تواجه ثورة تكنولوجية لا تميل إلى الانهيار ببساطة، بل تتحول.

مثال صناعة الموسيقى

انظروا إلى ما حدث لصناعة الموسيقى عندما حطَّمت «سبوتيفاي» وشركتها التابعة لخدمات البثّ، الحفلات. في الماضي، كان الموسيقيون يعيشون ويموتون بفضل مبيعات الألبومات والبث الإذاعي، وكانت شركات الإنتاج الكبرى بمثابة حراس البوابة... ثم فجَّر البث التدفقي الآفاق.

كانت الثورة فوضوية. وجد كثير من الفنانين أنفسهم مع عدد مستمعين أكبر من أي وقت مضى، لكنَّ رواتبهم لا تكفي. لم يكن الحنين إلى الأقراص المدمجة أو الأسطوانات هو ما ساعد صناعة الموسيقى على ترسيخ أقدامها، بل كانت البنية التحتية الجديدة: تنظيم قوائم التشغيل الذي ساعد المستمعين على اكتشاف هوسهم التالي، وأدوات التحليل التي أخبرت الفنانين بمن يستمع بالفعل، وخدمات التوزيع التي نقلت الموسيقى إلى المنصات، ونماذج الأعمال التي تجاوزت عائدات البث التدفقي لتشمل إيرادات البث المباشر للمعجبين والتسويق.

لا يزال الفنانون يواجهون تحديات، لكن شركات الإنتاج الآن تستثمر بكثافة في البيانات لفهم التوجهات، وتقدم للفنانين أنواعاً مختلفة من الصفقات، وتستخدم قوتها التسويقية لمساعدتهم على تجاوز ضجيج العصر الرقمي المتعب. تطور هذا القطاع من خلال ابتكار أدوات تُكمل خوارزميات البث التدفقي بدلاً من محاربتها، مما يساعد الفنانين على فهم جماهيرهم.

الثورة الإعلامية تظل في مرحلة المراهقة

في نظامنا البيئي الحالي للمعلومات، نحن عالقون في مرحلة المراهقة المحرجة لثورة إعلامية. فالحاجة إلى الابتكار ملحة للغاية، إذ إن الصحف المحلية تُحتضر، مثل قاعات الطعام في المراكز التجارية -فقد أُغلق أكثر من 2500 منها منذ عام 2005. وتتعرض وسائل الإعلام التقليدية لهجوم من إدارة الرئيس ترمب. ويغمرنا الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف مقنع، مما يجعل من رواة الحقيقة من البشر ضرورةً كبرى.

مستقبل الصحافة: ابتكارات مقترحة

غالباً ما تتعثر المناقشات حول الصحافة والثورة التكنولوجية عند مشكلات أو عدم كفاية أي حل. لقد حان الوقت لتغيير ذلك. لذا سأتخذ الخطوة الأولى وأقترح بعض الابتكارات غير المثالية.

* أولاً، يمكن للجمهور الاستفادة من نظام اعتماد مستقل خارج الإطار المألوف حالياً، لمساعدتهم على تمييز الأصوات المستقلة التي تلتزم بالمعايير الصحافية. ويحتاج الجمهور إلى إشارات حول من يلتزم بالدقة ومن يسعى فقط وراء الإعجابات.

و أحد الحلول: شهادة مماثلة لشهادة LEED (Leadership in Energy and Environmental Design شهادة دولية حول مطابقة الأبنية للشروط البيئية-المحرر) طوعية غير ربحية تمنح شيئاً مثل علامة اختيار زرقاء -ولكن يتم فحصها بدقة أكبر بكثير- للمبدعين الذين يستخدمون مصادر موثوقة متفق عليها، ويتحققون من وقائعهم، ويكشفون عن ذلك المحتوى الذي حصلوا فيه على رعاية من الخارج. أُدرك أن أي نظام اعتماد يُعرّض لرد فعل عنيف من المُشكّكين. لكن لا ينبغي الاستخفاف بالناس لمجرد «إجرائهم أبحاثهم الخاصة» إذا لم تُوفَّر لهم الأدوات اللازمة للتمييز بين الواقع والخيال.

* ثانياً، يحتاج المبدعون المستندون إلى الأدلة إلى الدعم. تخيّلوا نموذج ملكية جزئية حيث ينضمّ المبدعون ذوو القيمة المتشابهة إلى إطار عمل مهني مشترك. إذ يُمكننا أن نتشارك جماعياً في أمور مثل الحماية القانونية وأدوات مُتطورة لتنمية الجمهور مُصمّمة خصيصاً للمحتوى القائم على الأدلة. يُمكننا التعاقد مع رعاة يُدركون القيمة الفريدة للأصوات الموثوقة. يُمكننا تقديم اشتراكات مُجمّعة لمساعدة الجمهور على العثور على المزيد منّا دفعةً واحدة. يُمكن لهذا أن يُنشئ مصادر دخل مُستدامة دون المساس بالنزاهة.

* أخيراً، يا وسائل الإعلام التقليدية، من فضلكم توقفوا عن اعتبار المبدعين تهديداً. لسنا مُضطرين للمنافسة -يُمكننا أن نكون النسيج الضامّ بين الصحافة الموثوقة والمنصات التي يستهلك الناس فيها الآن مُعظم معلوماتهم. ويُمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تُحافظ على أهميتها في الواقع الرقمي الجديد من خلال الشراكة معنا. لكن أولاً، سيكون من المفيد أن يُراعوا احتمالية أن ما يحدث ليس مجرد انهيار نظام قديم، بل هو ولادة فوضوية ومعقدة لنظام جديد. ومثل المولود الجديد، يحتاج النظام إلى أكثر من مجرد نيات حسنة ليزدهر.

* «ذا أتلانتيك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد النصار خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس)

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

كشف الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن تحول جذري في كفاءة الشركة بفضل التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (دافوس - الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

من غزة إلى غرينلاند... ترمب يوجه رسائل بصور الذكاء الاصطناعي

ينشر الرئيس دونالد ترمب باستمرار، سواء عبر حسابه في تروث سوشال أو حساب البيت الأبيض، صوراً مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي. هذه جولة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كيف تضع السعودية نفسها في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

قبل أن تحسم رهانات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون والعواصم الصناعية الكبرى كانت السعودية تتحرك على مسار موازٍ مدفوعة بمزيج نادر من رأس المال، والطاقة، والطموح

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

أعلن كريس ليهان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي» يوم الاثنين أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في 2026

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
TT

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)
جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتستمر حتى الثلاثاء 3 فبراير (شباط) المقبل، زوّاره بمبادرة تستهدف نشر القراءة في المجتمع، تتمثل في مشروع «مكتبة لكل بيت»، وهي المبادرة التي أعلن عنها وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق المعرض.

وتهدف المبادرة إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية، وفق تصريحات الوزير. إذ تتضمَّن إتاحة 20 كتاباً متنوعاً من أهم إصدارات قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أعماله بسعر رمزي، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع. ومن المقرر إتاحة هذه الحقيبة داخل كل قاعات المعرض.

وقال الشاعر أحمد الشهاوي، عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب: «من أبرز مميزات المعرض هذا العام مبادرة (مكتبة لكل بيت) وحقيبة نجيب محفوظ»، ووصفها بأنها «مبادرة طموحة، تهدف إلى توسيع دائرة القراءة وجعل الكتاب في متناول جميع فئات المجتمع. فالحقيبة ليست مجرد مجموعة من الكتب، بل مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى ترسيخ عادة القراءة داخل الأسرة المصرية، وتحويل الكتاب إلى رفيق يومي في البيوت، بعيداً عن النخبوية أو التعقيد».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تتضمَّن هذه المبادرة حقائب متخصصة، من بينها حقيبة تضم الكتب التي صدرت عن نجيب محفوظ، والتي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال السنوات الماضية، ومنها كتب مهمة للقارئ العام والمتخصص معاً. وتكتسب هذه الحقيبة أهميةً خاصةً، إذ تتيح للقارئ فرصة الاقتراب من عالم محفوظ السردي الغني، والتعرف إلى أبرز أعماله التي شكَّلت وجدان أجيال متعاقبة. كما تمثل هذه الإصدارات جهداً مؤسسياً للحفاظ على تراثه الأدبي وتقديمه في صورة تليق بقيمته، وبأسعار مناسبة تشجِّع على الاقتناء والقراءة».

معرض القاهرة للكتاب يخصص حقيبة لكتب عن نجيب محفوظ (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

ويحتفي المعرض هذا العام بأديب نوبل، نجيب محفوظ، (1911 - 2006) واختياره شخصية المعرض، بعد مرور 20 عاماً على رحيله، كما تم اختيار الفنان الكبير محيي الدين اللباد (1940 - 2010) شخصيةً لمعرض كتاب الطفل، بينما تحل دولة رومانيا ضيف شرف الدورة.

وعدّ أن الجمع بين شخصية نجيب محفوظ، وشعار يدعو إلى القراءة، ومبادرة «مكتبة لكل بيت»، يعكس رؤية ثقافية واعية تسعى إلى بناء إنسان قارئ، ومجتمع يقدِّر المعرفة ويحتفي بالمبدعين. «مما يجعل من معرض الكتاب هذا العام ليس مجرد حدث ثقافي، بل يصبح مشروعاً تنويرياً متكامل الأبعاد، يؤكد أن الكتاب ما زال قادراً على صناعة الأمل وبناء المستقبل».

في السياق ذاته؛ يشهد المعرض فعاليات متنوعة للاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، ويضم 40 لوحة لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير، وفق ما ذكره المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الدكتور أحمد مجاهد، في بيان صحافي سابق.

معرض القاهرة للكتاب يستقبل الملايين سنوياً (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

وأعلن القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدارات جديدة للهيئة عن شخصيتي المعرض هذا العام، الأديب نجيب محفوظ، والفنان محيي الدين اللباد.

ويشارك في معرض هذا العام 80 دولة و1300 دار نشر، ويحتفي البرنامج الثقافي بمجموعة من الكتب في حفلات توقيع وندوات حول الأدب والفكر والفلسفة وغيرها من المجالات، فضلاً عن برنامج للأمسيات الشعرية، والفعاليات الفنية التي تواكب المعرض.


وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.