«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

معضلة اهتزاز الثقة تضرب مفاصل الدولة والإعلام والتعليم

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية
TT

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

«المراهقة المحرجة» المتواصلة للثورة الإعلامية

هناك ثورة هادئة تحدث في كيفية تحديد ملايين الأميركيين ما هو حقيقي.

تلاشي الثقة في المؤسسات التقليدية

الثقة تتلاشى من المؤسسات التقليدية -الإعلام والحكومة والتعليم العالي- وتتحول إلى أصوات فردية عبر الإنترنت، من بينها منشئو المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، كما كتبت جيسيكا يلين(*).

وقد أفاد معهد «رويترز» بأن هذا العام، ولأول مرة، سيحصل عدد أكبر من الأميركيين على أخبارهم من منصات التواصل الاجتماعي والفيديو -بما في ذلك «إنستغرام» و«فيسبوك» و«يوتيوب» و«تيك توك» و«إكس»- مقارنةً بالمنافذ التقليدية. ووفقاً لمركز «بيو» للأبحاث، يلجأ واحد من كل خمسة بالغين الآن بانتظام إلى المؤثرين للحصول على الأخبار.

التواصل الاجتماعي: النشر السريع لا المصداقية

ويُعد هذا احتمالاً مرعباً لمن يهتم بالمعلومات الموثوقة، فوسائل التواصل الاجتماعي تُكافئ جوانب الانتشار السريع للأخبار، لا المصداقية. اقضِ خمس دقائق في تصفح «تيك توك» أو «إنستغرام»، وقد تصادف مؤثرين «يعلِّمونك» عن نخبة عالمية تدير العالم من «قارات مخفيّة» خلف «جدار جليدي» في القارة القطبية الجنوبية، أو يمتدحون فضائل مادة الزيوليت zeolite، «مادة رابطة بركانية للعفن» التي يمكنها «تنظيف جميع أنواع السموم تماماً» بهدف رفع ضباب الدماغ، والوقاية من السرطان، وإزالة المواد البلاستيكية الدقيقة من الخصيتين... إنها بيئة مصممة بشكل مثالي لتوسيع نطاق كل من المعلومات المضللة والاحتيال الماكر.

ومع ذلك، فإن الفكرة الشائعة بأن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد حريق قمامة من الأكاذيب الفيروسية تفتقر إلى شيء حيوي؛ إذ لا يزال ملايين الأشخاص يهتمون بالحقيقة. إنهم يبحثون عن الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي من أصوات موثوقة يمكنهم الوثوق بها. إنهم ليسوا متأكدين دائماً من مكان العثور عليها أو ممَّن.

إبداع مستنِد إلى الأدلة

أنا أعرف ذلك لأنني أتفاعل مع هؤلاء الأشخاص كل يوم. كنت من بين أوائل الصحافيين المستقلين الذين جلبوا التقارير الإخبارية إلى «إنستغرام»؛ اليوم، منصتي، «أخبار لا ضجيج» News Not Noise تمتد عبر «إنستغرام» و«يوتيوب» و«بودكاست» و«سابستاك» ومنصات أخرى. وخلال سنوات من التفاعل المباشر مع جمهور المنصة، يبقى السؤال الذي أتلقاه أكثر من أي سؤال آخر، ببساطة: «هل هذا (الخبر المنشور) صحيح؟».

أنا هنا لأخبركم أن الحقيقة لم تَمٌتْ، فآلاف الأشخاص مثلي يعملون عبر الإنترنت فيما أسميهم أناساً «مبدعين مستندين إلى الأدلة».

والعمل معركة شاقة، فمجموعتي ليست شخصيات إعلامية بمستوى عالٍ مع فرق علاقات عامة وطواقم إنتاج وفريق بحث للتحقق من صحة العبارات اللاذعة... نحن أصوات مستقلة تعمل دون شبكات أمان. أحب أن أعدنا المعادل الرقمي للطهاة المهرة الذين يعملون في مصنع للوجبات السريعة المُنتجة بكميات كبيرة.

الحقيقة أصعب من التضليل

إن ما يجعلنا أشخاصاً ذوي قيمة -هوسنا بالحقائق، والتزامنا بالتفاصيل الدقيقة، وساعاتنا التي نقضيها في الإجابة عن أسئلة الجمهور عبر التطبيقات- يضعنا في وضع حرج للغاية في ظل «اقتصاد يهتم باجتذاب الاهتمام».

ما الذي يتطلبه الأمر مثلاً لإنتاج فيديو أنيق يدّعي أن شحم البقر هو الفياغرا الطبيعية؟ خمس عشرة دقيقة مع هاتف آيفون دون أي اعتبار للواقع... فيما نجمع الادعاءات وندحضها ونحاول جعل الأفكار المعقدة دقيقة وجذابة في آن واحد.

مأزق المبدعين الملتزمين بالحقيقة

إن كل هذا يترك المبدعين القائمين على الأدلة في مأزق غريب. نحن نُقدّر بلا شك؛ فشركة Substack، على سبيل المثال، تُثبت أن الجمهور مستعد لدعم «المحققين» الذين يثقون بهم مالياً. لكننا ما زلنا منفصلين إلى حد كبير عن الموارد وأطر العمل التعاونية التي يُمكن أن تُضاعف تأثيرنا.

نحن نعمل بجد في العمل نفسه لدرجة أن فرصتنا ضئيلة لبناء الأسس اللازمة لإنشاء نموذج جديد ودائم في النشر الرقمي -نموذج يتضمن أدوات مثل التسويق عالي الكفاءة، ومحركات النمو؛ للوصول إلى جماهير جديدة، والإشراف التحريري للمساعدة في اتخاذ القرارات الصعبة، والبحوث المشتركة التي من شأنها أن تمنع كل واحد منا من الاضطرار إلى بناء الخبرة من الصفر مع كل قصة جديدة.

ومع هذا فإنني أرى هذه العقبة فرصة. إذ يُظهر لنا التاريخ أن القطاعات التي تواجه ثورة تكنولوجية لا تميل إلى الانهيار ببساطة، بل تتحول.

مثال صناعة الموسيقى

انظروا إلى ما حدث لصناعة الموسيقى عندما حطَّمت «سبوتيفاي» وشركتها التابعة لخدمات البثّ، الحفلات. في الماضي، كان الموسيقيون يعيشون ويموتون بفضل مبيعات الألبومات والبث الإذاعي، وكانت شركات الإنتاج الكبرى بمثابة حراس البوابة... ثم فجَّر البث التدفقي الآفاق.

كانت الثورة فوضوية. وجد كثير من الفنانين أنفسهم مع عدد مستمعين أكبر من أي وقت مضى، لكنَّ رواتبهم لا تكفي. لم يكن الحنين إلى الأقراص المدمجة أو الأسطوانات هو ما ساعد صناعة الموسيقى على ترسيخ أقدامها، بل كانت البنية التحتية الجديدة: تنظيم قوائم التشغيل الذي ساعد المستمعين على اكتشاف هوسهم التالي، وأدوات التحليل التي أخبرت الفنانين بمن يستمع بالفعل، وخدمات التوزيع التي نقلت الموسيقى إلى المنصات، ونماذج الأعمال التي تجاوزت عائدات البث التدفقي لتشمل إيرادات البث المباشر للمعجبين والتسويق.

لا يزال الفنانون يواجهون تحديات، لكن شركات الإنتاج الآن تستثمر بكثافة في البيانات لفهم التوجهات، وتقدم للفنانين أنواعاً مختلفة من الصفقات، وتستخدم قوتها التسويقية لمساعدتهم على تجاوز ضجيج العصر الرقمي المتعب. تطور هذا القطاع من خلال ابتكار أدوات تُكمل خوارزميات البث التدفقي بدلاً من محاربتها، مما يساعد الفنانين على فهم جماهيرهم.

الثورة الإعلامية تظل في مرحلة المراهقة

في نظامنا البيئي الحالي للمعلومات، نحن عالقون في مرحلة المراهقة المحرجة لثورة إعلامية. فالحاجة إلى الابتكار ملحة للغاية، إذ إن الصحف المحلية تُحتضر، مثل قاعات الطعام في المراكز التجارية -فقد أُغلق أكثر من 2500 منها منذ عام 2005. وتتعرض وسائل الإعلام التقليدية لهجوم من إدارة الرئيس ترمب. ويغمرنا الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف مقنع، مما يجعل من رواة الحقيقة من البشر ضرورةً كبرى.

مستقبل الصحافة: ابتكارات مقترحة

غالباً ما تتعثر المناقشات حول الصحافة والثورة التكنولوجية عند مشكلات أو عدم كفاية أي حل. لقد حان الوقت لتغيير ذلك. لذا سأتخذ الخطوة الأولى وأقترح بعض الابتكارات غير المثالية.

* أولاً، يمكن للجمهور الاستفادة من نظام اعتماد مستقل خارج الإطار المألوف حالياً، لمساعدتهم على تمييز الأصوات المستقلة التي تلتزم بالمعايير الصحافية. ويحتاج الجمهور إلى إشارات حول من يلتزم بالدقة ومن يسعى فقط وراء الإعجابات.

و أحد الحلول: شهادة مماثلة لشهادة LEED (Leadership in Energy and Environmental Design شهادة دولية حول مطابقة الأبنية للشروط البيئية-المحرر) طوعية غير ربحية تمنح شيئاً مثل علامة اختيار زرقاء -ولكن يتم فحصها بدقة أكبر بكثير- للمبدعين الذين يستخدمون مصادر موثوقة متفق عليها، ويتحققون من وقائعهم، ويكشفون عن ذلك المحتوى الذي حصلوا فيه على رعاية من الخارج. أُدرك أن أي نظام اعتماد يُعرّض لرد فعل عنيف من المُشكّكين. لكن لا ينبغي الاستخفاف بالناس لمجرد «إجرائهم أبحاثهم الخاصة» إذا لم تُوفَّر لهم الأدوات اللازمة للتمييز بين الواقع والخيال.

* ثانياً، يحتاج المبدعون المستندون إلى الأدلة إلى الدعم. تخيّلوا نموذج ملكية جزئية حيث ينضمّ المبدعون ذوو القيمة المتشابهة إلى إطار عمل مهني مشترك. إذ يُمكننا أن نتشارك جماعياً في أمور مثل الحماية القانونية وأدوات مُتطورة لتنمية الجمهور مُصمّمة خصيصاً للمحتوى القائم على الأدلة. يُمكننا التعاقد مع رعاة يُدركون القيمة الفريدة للأصوات الموثوقة. يُمكننا تقديم اشتراكات مُجمّعة لمساعدة الجمهور على العثور على المزيد منّا دفعةً واحدة. يُمكن لهذا أن يُنشئ مصادر دخل مُستدامة دون المساس بالنزاهة.

* أخيراً، يا وسائل الإعلام التقليدية، من فضلكم توقفوا عن اعتبار المبدعين تهديداً. لسنا مُضطرين للمنافسة -يُمكننا أن نكون النسيج الضامّ بين الصحافة الموثوقة والمنصات التي يستهلك الناس فيها الآن مُعظم معلوماتهم. ويُمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تُحافظ على أهميتها في الواقع الرقمي الجديد من خلال الشراكة معنا. لكن أولاً، سيكون من المفيد أن يُراعوا احتمالية أن ما يحدث ليس مجرد انهيار نظام قديم، بل هو ولادة فوضوية ومعقدة لنظام جديد. ومثل المولود الجديد، يحتاج النظام إلى أكثر من مجرد نيات حسنة ليزدهر.

* «ذا أتلانتيك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
الولايات المتحدة​ تطبيق «غروك» على هاتف «آيفون» (د.ب.أ)

«البنتاغون» يدمج «غروك» في شبكته وسط انتقادات عالمية لروبوت الدردشة

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الاثنين، إن روبوت الدردشة القائم على الذكاء الاصطناعي «غروك» سينضم إلى محرك الذكاء الاصطناعي التوليدي التابع لشركة «غوغل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد شعار شركة «إس كيه هاينكس» وفي الخلفية لوحة أم لكمبيوتر (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر نحو 13 مليار دولار في مصنع جديد لتغليف الرقائق

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية، الثلاثاء، عن خططها لاستثمار نحو 13 مليار دولار في بناء مصنع متطور لتغليف الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا باتت منصة «غوغل» للذكاء الاصطناعي «جيميناي» Gemini AI تضم 650 مليون مستخدم شهرياً (رويترز)

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

أعلنت شركة «ألفابت» أنها أبرمت ​صفقة مدتها عدة سنوات مع شركة «أبل» تقضي باعتماد الجيل التالي من هواتف آيفون على ‌نماذج جيميناي التابعة ‌لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)
النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)
TT

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)
النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

لا تُستَحسن قراءة ثلاثية «أفاتار» على أنها سلسلة أفلام مستقلّة، ولا حتى ملحمة بيئية متصاعدة. فهي مشروع سينمائي طويل النَّفَس يُعبّر عن قلق مُخرجه جيمس كاميرون المُتزايد حيال العالم الذي نعيش فيه وموقع الإنسان داخله. ما يفعله كاميرون عبر الأجزاء الثلاثة هو تفكيك العلاقة المُختلّة بين القوة والمعنى والتقدُّم والعنف، وبين النجاة الفردية واستمرار الجماعة.

الغابة كانت تحذير جيمس كاميرون الأول... ولم نُصغِ (فيسبوك)

في الجزء الأول (2009)، بدأ كاميرون من سؤال السلطة. «أفاتار» فيلم عن آلية حديثة للهيمنة من خلال شعب أصلي يُهدَّد. فكرة الجسد البديل تشتغل مثل استعارة سياسية دقيقة. فالاستعمار لم يعد يدخل بوجهه العسكري الصريح، وإنما عبر التقمُّص وتعلُّم لغة الآخر والادّعاء بأنّ الفهم يسبق التدمير. هذه حكاية اختراق يتسلَّل قبل أن تكون حكاية تعاطف. فالغازي يتعلّم كيف يُشبه الضحية ليُقنع نفسه بأنّ ما يفعله أقلّ وحشية.

يُقدّم الفيلم الطبيعة على أنها نظام حياة متكامل. كلّ شيء متّصل في غابة «أفاتار». كلّ فعل له أثر، وكلّ قَطْع هو بتر لشبكة كاملة. بذلك، يضع كاميرون حجر الأساس لفكره، ليُعلن أنّ المشكلة لا تقتصر على الطمع، فهي تشمل نظرةً ترى العالم مخزوناً قابلاً للاستهلاك. ومع ذلك، يترك الفيلم نقطة إشكالية مفادها أنّ الخلاص قد يأتي عبر شخص قادم من الخارج. هذا التوتّر الواعي سيعمل كاميرون على تفكيكه لاحقاً.

العنف لا يبدأ بالرصاصة... بل بطريقة النظر إلى الأرض (فيسبوك)

في «طريق الماء» (2022)، ينتقل كاميرون من سؤال الأرض إلى سؤال البيت. لم يعد الصراع يدور حول مَن يملك المكان، فقد امتدّ نحو كيفية العيش داخله من دون أن يتحوَّل إلى ساحة حرب دائمة. الجزء الثاني أعمق نفسياً من الأول وأقلّ خطابية. فالعائلة تصبح وحدة التحليل الأساسية، ليظهر قلق جديد يتعلّق بماذا يفعل العنف المستمرّ بالأبوة والأمومة وبفكرة الحماية نفسه؟

الماء خيار فكري. في الغابة، كانت الحركة هجومية قائمة على السيطرة والسرعة. في البحر، النجاة مرتبطة بالتكيُّف والتنفُّس والقدرة على سماع صوت مختلف. كاميرون يربط البيئة بالسلوك. لا يمكنك أن تعيش في عنصر جديد بالعقلية نفسها. ومن هنا، يصبح الفيلم قراءة عن التهجير الطويل الأمد والعائلات التي لا تهرب مرة واحدة، وإنما تعيش حالة فرار مستمرّ وتدفع الثمن داخلياً.

الضحية قد تُعيد إنتاج العنف حين يصبح الألم هويتها (فيسبوك)

وفي الجزء الثاني تبدأ صورة البطل بالتصدُّع. يصبح «جيك» أباً مُرتبكاً يحاول أن يحمي أبناءه من عالم لا يمكن ضبطه. وتتحوّل «نيتيري» من رمز روحي إلى كائن غاضب، لأنّ الحماية المتواصلة تستهلك الروح. كاميرون يضع العائلة تحت الضغط ليكشف عن كيف يمكن للحبّ نفسه أن يتحوّل إلى عبء.

ثم يأتي «نار ورماد» (2025)، الجزء الثالث المعروض حالياً في الصالات اللبنانية، ليكسر آخر مساحة أمان في الثلاثية. هذا الجزء ينشغل بما بعد المعركة. العنوان نفسه مفتاح القراءة، فالنار هي العنف، والرماد هو ما يُخلّفه من حزن وفَقْد. هذا الجزء يُريد من مُشاهده أن يُفكّر بمصير الحزن حين لا نجد طريقة لمعالجته. يملك كاميرون جواباً غير لطيف. فمن دون مواربة يقول إنّ الحزن غير المُعالَج يتحوَّل إلى عنف جديد.

العائلة تتحوّل إلى بيتٍ ملاحَق بالتاريخ (فيسبوك)

الأهم أنّ الفيلم يتخلَّى عن ثنائية «الإنسان شرّ - الطبيعة خير». إدخال جماعات «نافي» عدائية يشقُّ باباً فلسفياً خطيراً. فالضحية قادرة على إعادة إنتاج العنف، والمُقدَّس يمكن أن يصبح أداة إقصاء. كاميرون لا يساوي بين الجميع أخلاقياً، لكنه يرفض تبسيط الصراع. لا يختزل الشرّ بطرف واحد ليقينه بأنه نتيجة بنية كاملة تعلَّمت حلَّ مشكلاتها بالقوة.

لذا يصل في الجزء الثالث من الثلاثية إلى النقطة التي كان يُمهّد لها منذ البداية. إنها ما يلي لحظة الصدام، حيث لا يعود الصراع محصوراً بين غازٍ وضحية ولا بين طبيعة مهدَّدة وإنسان مُدمِّر، فينتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً يدور حول إشكالية الألم غير المُعالَج حين يصبح آيديولوجيا كاملة.

من هنا يحسم الفيلم معادلته. فالرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد. هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي، لأنه دورة نفسية وسياسية تتغذَّى من ذاتها.

وفي «نار ورماد»، تتحوّل الروحانية نفسها إلى منطقة إشكالية. فالطقوس التي كانت في الجزء الأول لغة اتصال تصبح لغة سلطة، والانتماء يتحوّل من رابط إلى شرط. كاميرون يضع إصبعه على خطر معاصر ليقول إنّ ما يُهدّد المجتمعات هو احتكار الإيمان وتحويله إلى أداة فرز بين «نحن» و«هم».

حين تُختزل الحياة إلى موارد يصبح التدمير منطقياً (فيسبوك)

بهذا، تتحوَّل ثلاثية «أفاتار» إلى دراسة عن دورة العنف التي تبدأ بالاستغلال وتمرّ بالدفاع وتنتهي بالثأر. وكلّ مرحلة تحمل منطقها الخاص، لكنها تتغذَّى من المرحلة السابقة. الغابة والماء والنار، مراحل وعي. الأولى تكشف عن الخلل، والثانية تختبر إمكان التعايش، والثالثة تواجه نتائج الفشل.

يطرح كاميرون أفكاره باستخدام التكنولوجيا. عالمه الافتراضي شديد الإقناع، يجعل المُشاهد يرى الكارثة بوضوح كافٍ ليشعر بأنه مُتورّط.

«أفاتار» عن الأرض، كما يراها كاميرون، جميلة ومهدّدة بسوء فهم الإنسان لها.


«هل أنت ميت؟»... تطبيق صيني للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم

صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
TT

«هل أنت ميت؟»... تطبيق صيني للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم

صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له
صورة للتطبيق نشرتها شركة «مون سكيب تكنولوجيز» المطورة له

انتشر في الصين على نطاق واسع تطبيق جديد يحمل اسماً مقلقاً، وهو «هل أنت ميت»، ويعتمد على فكرة بسيطة لكنها مثيرة للجدل، وهي دعم الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم والتأكد من عدم تعرضهم لأي خطر قد يودي بحياتهم.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، تعتمد فكرة التطبيق ببساطة على قيام المستخدم بفتحه كل يومين والضغط على زر يؤكد أنه ما زال على قيد الحياة. وإذا لم يفعل ذلك، فسيتصل التطبيق برقم أو خدمة طوارئ يحددها المستخدم لإبلاغها باحتمالية تعرضه للخطر.

وأُطلق التطبيق في مايو (أيار) من العام الماضي دون ضجة كبيرة، لكن الاهتمام به ازداد بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة، حيث قام العديد من الشباب الذين يعيشون بمفردهم في المدن الصينية بتحميله بأعداد هائلة.

وقد ساهم هذا في جعله التطبيق المدفوع الأكثر تحميلاً في البلاد.

وبحسب ما ذكرته صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية الرسمية، نقلاً عن مؤسسات بحثية، قد يصل عدد الأسر المكونة من شخص واحد في الصين إلى 200 مليون أسرة بحلول عام 2030.

وهؤلاء هم تحديداً من يستهدفهم التطبيق - الذي يصف نفسه بأنه «رفيق أمان... سواء كنت موظفاً يعمل بمفرده، أو طالباً يعيش بعيداً عن أهله، أو أي شخص يختار نمط حياة انفرادي».

وكتب أحد مستخدمي التطبيق على موقع التواصل الاجتماعي «ويبو»: «يحتاج كل من يعيش بمفرده في أي مرحلة من مراحل حياته إلى تطبيق كهذا، وكذلك الانطوائيون، والمصابون بالاكتئاب، والعاطلون عن العمل، وغيرهم ممن يمرون بظروف صعبة».

وقال مستخدم آخر: «هناك خوف من أن يموت الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم دون أن يلاحظهم أحد، دون أن يجدوا من يستغيثون به. أتساءل أحياناً، لو متُّ وحيداً، من سيأخذ جثتي؟».

ومن جهته، أشار مستخدم يدعى ويلسون هو، يبلغ من العمر 38 عاماً، إلى أنه يسكن على بُعد حوالي 100 كيلومتر من عائلته، وأن هذا هو السبب تحديداً الذي دفعه لتحميل التطبيق.

وقال: «أخشى أن أموت وحيداً في شقتي المستأجرة دون أن يعلم أحد. وقد جعلت والدتي جهة الاتصال في حالات الطوارئ».

يستهدف التطبيق الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم (رويترز)

انتقادات للاسم

وانتقد البعض اسم التطبيق غير المبهج، قائلين إن «تحميله قد يجلب النحس».

ودعا آخرون إلى تغييره إلى اسم أكثر إيجابية، مثل «هل أنت بخير؟» أو «كيف حالك؟».

ورغم أن نجاح هذا التطبيق يعود جزئياً إلى اسمه الجذاب، فإن الشركة المطورة له، «مون سكيب تكنولوجيز»، صرّحت بأنها تأخذ الانتقادات الموجهة للاسم الحالي بعين الاعتبار وتدرس إمكانية تغييره.

ويشير البعض إلى أن الاسم الحالي هو تلاعب لفظي باسم تطبيق توصيل طعام ناجح يُدعى «هل أنت جائع؟». ففي اللغة الصينية، يُنطق «سيليما» (هل أنت ميت؟) كما يُنطق اسم تطبيق الطعام «إيليما» (هل أنت جائع؟).

وانطلق التطبيق في البداية مجانياً، ثم انتقل إلى فئة التطبيقات المدفوعة، وإن كان بسعر زهيد يبلغ 8 يوان (1.15 دولار أميركي).

لا يُعرف الكثير عن مؤسسي تطبيق «هل أنت ميت؟»، لكنهم يقولون إنهم ثلاثة أشخاص وُلدوا بعد عام 1995، وقاموا بتطوير التطبيق من مدينة تشنغتشو مع فريق صغير.

وصرح الفريق بأنه يدرس فكرة منتج جديد مصمم خصيصاً لكبار السن في بلدٍ تتجاوز فيه نسبة من تزيد أعمارهم على 60 عاماً خُمس السكان.


موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
TT

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)
يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟ هذا هو السؤال الذي فجّر جدلاً واسعاً في فرنسا، مع شروعها هذا الأسبوع في رفع أسعار الدخول لغير الأوروبيين إلى متحف «اللوفر»، في خطوة أثارت نقاشاً حول ما يُعرف بـ«التسعير المزدوج»، وفق تقرير نشرته «أسوشييتد برس».

وبدءاً من الأربعاء، سيتعين على أي زائر بالغ من خارج الاتحاد الأوروبي وآيسلندا وليختنشتاين والنرويج، دفع 32 يورو (37 دولاراً) لدخول متحف «اللوفر»، أي بزيادة قدرها 45 في المائة، فيما سيرفع قصر فرساي أسعاره بـ3 يوروهات.

وسيكون الأميركيون والبريطانيون والصينيون، وهم من بين أكثر الزوار الأجانب عدداً، من أبرز المتأثرين بهذه الزيادة، إلى جانب سياح قادمين من دول أفقر.

ولا توجد لهذه الخطوة الفرنسية سوابق كثيرة في أوروبا، لكنها أكثر شيوعاً في الدول النامية، حيث تختلف الرسوم في مواقع مثل ماتشو بيتشو في بيرو، أو تاج محل في الهند.

وندّدت نقابات العاملين في متحف «اللوفر» بالسياسة الجديدة، ووصفتها بأنها «صادمة على الصعيد الفلسفي والاجتماعي والإنساني»، ودعت إلى الإضراب احتجاجاً على هذا القرار، إلى جانب سلسلة من مطالب أخرى.

وتقول النقابات إن المجموعة الضخمة للمتحف، التي تضم نحو 500 ألف قطعة، من بينها أعمال كثيرة من مصر والشرق الأوسط أو أفريقيا، تحمل قيمة إنسانية عالمية.

وبينما ترفض النقابات مبدأ التسعير التمييزي من حيث المبدأ، فإنها تبدي أيضاً قلقاً لأسباب عملية، إذ سيُطلب من الموظفين التحقق من أوراق هوية الزوار.

وشبّه الأكاديمي الفرنسي باتريك بونسيه هذه الخطوة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي رفعت إدارته تكلفة زيارة السياح الأجانب للمتنزهات الوطنية الأميركية بمقدار 100 دولار بدءاً من 1 يناير (كانون الثاني).

وكتب بونسيه في صحيفة «لوموند» الشهر الماضي، أن السياسة الفرنسية «تعكس عودة النزعة القومية الصريحة، كما يحدث في أماكن أخرى من العالم».

«لسنا وحدنا من يدفع»

وتشمل زيادات الرسوم أيضاً مواقع سياحية فرنسية أخرى مملوكة للدولة، من بينها قصر شامبور في منطقة وادي اللوار، ودار الأوبرا الوطنية في باريس.

وبررت الحكومة هذه الزيادات بأسباب مالية، في إطار سعيها إلى جمع ما بين 20 و30 مليون يورو سنوياً، في وقت تتعرض فيه لضغوط لتعزيز الإيرادات وخفض الإنفاق.

وسيُخصص جزء من هذه الأموال لتمويل خطة ضخمة لتجديد متحف «اللوفر»، أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي.

وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو مليار يورو، وقد وصفت النقابات وبعض نقاد الفن الخطة بأنها مُهدِرة للمال.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن حالة متحف اللوفر سيئة، خصوصاً بعد تسرب مياه حديث، ومشكلات هيكلية، وسرقة جريئة في وضح النهار وقعت في أكتوبر (تشرين الأول)، ما زاد من حدة القلق.

وقالت وزيرة الثقافة رشيدة داتي في نهاية عام 2024، عند إعلانها زيادات الأسعار: «أريد أن يدفع الزوار من خارج الاتحاد الأوروبي ثمناً أعلى لتذاكر الدخول، وأن تُخصص هذه الزيادة لتمويل تجديد تراثنا الوطني».

وأضافت: «ليس من المفترض أن يتحمل الفرنسيون وحدهم كل التكاليف».

استثناء أوروبي

ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الخروج عن الأعراف الأوروبية من جانب الدولة الأكثر زيارة في القارة، سيدفع وجهات ثقافية أخرى إلى اعتماد النهج نفسه، أم لا.

ويُعدّ التسعير على أساس العمر أمراً شائعاً في أوروبا، إذ يُسمح لمن هم دون 18 عاماً بالدخول المجاني في مواقع مثل «الأكروبوليس» في أثينا، ومتحف «برادو» في مدريد، أو «الكولوسيوم» في روما، تشجيعاً لهم على الزيارة.

وسيظل متحف «اللوفر» مجانياً للقاصرين من جميع الدول، وللأوروبيين دون 26 عاماً.

وتوفر وجهات أخرى؛ مثل قصر «الدوجي» في البندقية، دخولاً مجانياً لسكان المدينة.

وتنتهج بريطانيا منذ زمن سياسة الإتاحة المجانية الشاملة للمجموعات الدائمة في متاحفها ومعارضها الوطنية.

لكن المدير السابق للمتحف البريطاني، مارك جونز، أيّد فرض رسوم في أحد آخر حواراته قبل مغادرته المنصب، وقال لصحيفة «صنداي تايمز» عام 2024: «سيكون من المنطقي أن نفرض رسوماً على الزوار القادمين من الخارج».

وأثار الاقتراح نقاشاً واسعاً، لكنه لم يُعتمد.

وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، عارضت وحدة السياسات الثقافية، وهي مركز أبحاث بريطاني معني بالمتاحف، هذا التوجه لأسباب عملية وفلسفية على حد سواء.

وخلص التقرير إلى أن الخطوة ستؤدي إلى تقليص أعداد الزوار، وإطالة أوقات الانتظار، وتقويض سياسة قائمة منذ قرون.

وأضاف: «تحتفظ بريطانيا بمجموعاتها الوطنية للعالم بأسره، لا لسكانها فقط».