مصر: تطوير الإعلام الحكومي لمواكبة «التغيرات العالمية»

عبر خريطة طريق شاملة تضمن التعددية وحرية تداول المعلومات

خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام الحكومي في مصر (الشرق الأوسط)
خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام الحكومي في مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر: تطوير الإعلام الحكومي لمواكبة «التغيرات العالمية»

خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام الحكومي في مصر (الشرق الأوسط)
خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام الحكومي في مصر (الشرق الأوسط)

حدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ملامح «خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري» خلال اجتماع عقده يوم الأحد مع عدد من قيادات المنظومة الإعلامية المملوكة للدولة، بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، واستعرض خلاله الجهود المبذولة لتطوير المؤسسات الإعلامية.

وشارك في الاجتماع كل من رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبد العزيز، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني. وأكد الرئيس التزام الدولة الراسخ بـ«إعلاء حرية التعبير، واحتضان جميع الآراء الوطنية ضمن المنظومة الإعلامية المصرية، بما يعزز التعددية والانفتاح الفكري»، وفق البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية.

كما وجّه السيسي بوضع خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، من خلال الاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، لضمان مواكبة الإعلام الوطني للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتمكينه من أداء رسالته بما يتماشى مع توجهات الدولة. وأشار إلى أهمية «إتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، خصوصاً في أوقات الأزمات التي تحظى باهتمام الرأي العام، حتى تُتناول الموضوعات بعيداً عن المغالاة في الطرح أو النقص في العرض».

الانفتاح على مختلف الآراء

وأكد الرئيس أهمية الاعتماد على الكوادر الشابة المؤهلة للعمل الإعلامي، وتنظيم برامج تثقيفية وتدريبية للعاملين في المجال، مع التركيز على مفاهيم الأمن القومي والانفتاح على مختلف الآراء، بما يرسخ مبدأ «الرأي والرأي الآخر» داخل المنظومة الإعلامية المصرية.

من جهته، عدّ رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» المصرية، أسامة السعيد، أن «اللقاء يكتسب أهمية كبيرة في ظل الأحداث الجيوسياسية الراهنة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاء جاء في وقت تتصاعد فيه حملة إعلامية لتشويه الدور المصري في دعم الشعب الفلسطيني والمساعدات التي قُدمت منذ اندلاع الأحداث»، مشيراً إلى أن ذلك يعكس رهان الدولة على الإعلام لبناء وعي المواطن وعرض الحقائق.

وأشار السعيد إلى أن «تأكيد الرئيس على احتواء جميع الأصوات داخل المنظومة الإعلامية يعكس رغبة حقيقية في انفتاح الدولة على مختلف الأصوات، لا سيما في ضوء الإشارة إلى توفير المعلومات وإتاحتها، مما عدّه إشارة إلى وضع قانون (حرية تداول المعلومات) في صدارة القوانين التي ستناقَش خلال دور الانعقاد المقبل للبرلمان».

هذا ما شدَّدت عليه أيضاً ليلى عبد المجيد، أستاذة التشريعات الإعلامية في جامعة القاهرة، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «مسألة إتاحة المعلومات للصحافيين لا بدّ أن تحظى بأهمية كبرى حتى تتوفر لديهم فرصة النشر انطلاقاً من مبادئ حرية الرأي والتعبير المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية، مع محاسبة المسؤولين أو الجهات التي تحجب المعلومات عن وسائل الإعلام».

وأضافت أن «حديث الرئيس يعد رسالة لاستعادة وسائل الإعلام وممثليها فرصتهم في لقاء المسؤولين والحديث معهم للحصول على المعلومات، وعدم الاقتصار على نشر البيانات الصحافية، وهو دور مهم للصحافة لا بدّ أن يعود مرة أخرى، خصوصاً في الجهات الخدمية التي لا يرتبط فيها الأمر بالأمن القومي».

مواجهة الشائعات

وتشير هويدا مصطفى، العميدة السابقة لكلية الإعلام في جامعة القاهرة، إلى الدور المتزايد الذي تكتسبه وسائل الإعلام في مواجهة الشائعات والرسائل السلبية التي تحاول بعض الجهات بثها. وترى أن «حديث الرئيس يعكس إدراك القيادة السياسية لدور الإعلام المصري وأهمية تطويره لمواكبة التحديات المختلفة».

الرئيس المصري خلال الاجتماع مع قيادات المنظومة الإعلامية (رئاسة الجمهورية)

واستمع الرئيس المصري خلال اللقاء إلى عرض عن الجهود المبذولة لتطوير منظومة الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو»، شمل القنوات التابعة لها، بالإضافة إلى عرض حول تحديث المؤسسات الصحافية القومية. كما وافق الرئيس على صرف البدل النقدي المقترح من الحكومة للصحافيين، ووجّه بحل مشكلة مكافأة نهاية الخدمة للعاملين في «ماسبيرو».

وتملك الحكومة المصرية وتدير مؤسسات إعلامية عبر هيئات عدّة، منها «الهيئة الوطنية للصحافة» المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية القومية، و«الهيئة الوطنية للإعلام» التي تدير التلفزيون المصري إلى جانب الإذاعات المختلفة، في حين يتولى «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والرقمي، إلى جانب الصحافة المطبوعة والرقمية.

وترى أستاذة التشريعات الإعلامية أن حرص الرئيس على تحسين الوضع المالي للعاملين في الإعلام يعكس إدراكه أهمية توفير حياة كريمة لهم، سواء في أثناء الخدمة أو بعد التقاعد. وأشارت إلى أن جزءاً من نجاح الصحافي في أداء عمله بشكل سليم مرتبط بقدرته على تأمين دخل مناسب له ولأسرته.

معوقات محتملة

ويؤكد رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» المصرية أن توجيهات الرئيس قد تواجه بعض المعوقات، يرتبط جزء منها بتوافر الاعتمادات المالية، باعتبار الإعلام صناعة مكلفة تتطلب موارد كبيرة. لكنه رأى أن هذا لن يكون العائق الوحيد، في ظل وجود اختبار مهم للحكومة ومؤسسات الدولة في توفير المعلومات وإتاحتها لوسائل الإعلام وفتح المجال العام للنقاش، ليكون الإعلام مواكباً للأحداث. مؤكداً أن عملية تطوير وسائل الإعلام مستمرة، لكن توفر الاعتمادات المالية يسهم أحياناً في تسريع وتيرتها.


مقالات ذات صلة

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

يوميات الشرق الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

رعى سلمان الدوسري، وزير الإعلام السعودي، حفل توقيع اتفاقيات شراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج تطوير المؤسسات الصحافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.


مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

بينما كان يستعد محمد صدقي الموظف الأربعيني العامل في الرياض لشراء هاتف جديد لزوجته ليصطحبه هدية لها الصيف المقبل بعد عودته المقررة في الإجازة السنوية خلال شهر مايو (أيار) المقبل، قرر التراجع عن الخطوة بعد قرار الحكومة المصرية إلغاء الإعفاءات الشخصية على الهواتف الجوالة مع المصريين القادمين من الخارج.

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بإعفاء العاملين المغتربين من «جمارك الجوال» التي تصل إلى نحو 38.5 في المائة على بعض الأنواع من الهواتف، مع التأكيد على دور المغتربين في «إنقاذ الاقتصاد بتحويلاتهم الضخمة التي تسجل زيادة شهرية وفق البيانات الرسمية.

وسجلت تحويلات المصريين المغتربين من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي نمو بزيادة تقارب 42 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام قبل الماضي مع تسجيل 37.5 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية لتكون الأعلى على الإطلاق بحسب بيانات «المركزي المصري».

ومنذ مطلع 2025، طبقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين بالخارج أو العائدين من رحلات سفر بالسماح باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات مع تعديل اشتراطات التسجيل عدة مرات قبل أن يدخل قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكافة المصريين اعتباراً من ظهر (الأربعاء).

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (الثلاثاء) فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

هواتف الآيفون الأكثر تأثراً بالقرار الجديد (إ.ب.أ)

وقدرت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة سها الجندي في مارس (آذار) 2024 عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليون شخص.

وتوجد فروق سعرية لافتة في أسعار الهواتف الجوالة داخل مصر وخارجها، خصوصاً العلامات الشهيرة.

وتتيح الحكومة مهلة 90 يوماً لاستخدام الأجهزة للمصريين القادمين من الخارج على مدار العام مع إرسال بيانات رسمية تفيد بتوقيت الدخول حال حدوث مشكلة في عدم استجابة الهاتف للعمل على الشبكات المصرية، وفق التعديلات الأخيرة، مع إتاحة الفرصة لكل من يقوم بشراء هاتف من الخارج لسداد الرسوم المقررة خلال مهلة الـ90 يوماً قبل إيقاف الهاتف عن العمل.

وانتقد عدد من المصريين بالخارج عبر مواقع التواصل القرار الحكومي باعتباره يفرض عليهم رسوماً إضافية.

فيما تحدث الإعلامي عمرو أديب عن «غضب كبير» بسبب القرار بين المصريين بالخارج.

وطالب الإعلامي أحمد موسى بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف واحد سنوياً معفى من الجمارك والضرائب لدورهم في دعم الاقتصاد.

ولعبت الزيادات «القياسية» في تحويلات المصريين بالخارج دوراً في توفير موارد للنقد الأجنبي خلال الفترة الماضية مع تراجع عائدات قناة السويس تأثراً بحرب غزة وما تبعها من اضطراب لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأعلنت وكيل لجنة «الاتصالات» بمجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر عن انعقاد اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة القرار مع المسؤولين الحكوميين لبحث توقيته، وتداعياته، ودوافع اللجوء إليه.

وقالت عبد الناصر لـ«الشرق الأوسط» إن أقل شيء يمكن تقديمه للمصريين المغتربين هو إعفاؤهم من الرسوم والجمارك لهاتف واحد سنوياً تقديراً لدورهم ودعمهم للاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن «كافة دول العالم تمنح المغتربين استثناءات، وسبق للحكومة المصرية أن أعدت تشريعاً مماثلاً في امتيازات الإعفاء للسيارات التي يقومون باستيرادها من الخارج».

وأكدت أنه يوجد «تفهم لبعض دوافع الحكومة نتيجة ممارسات لما وصفته بـ(مافيا استيراد الهواتف) الذين استغلوا ثغرات قانونية لإدخال هواتف دون رسوم عبر استغلال المسافرين لإدخال الهواتف بأسمائهم وبيعها بالأسواق، لكن في الوقت نفسه لا يتوجب معاقبة الجميع بسبب هذه السلوكيات».

مغتربون مصريون بالخارج يطالبون بمنحهم تسهيلات (إ.ب.أ)

وأكد «نائب رئيس شعبة الاتصالات والجوال بغرفة القاهرة التجارية» وليد رمضان لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حالة استثناء المصريين بالخارج بالسماح بإدخال هاتف كل عام أو عامين فإن الأمر لن يشكل مشكلة بالنسبة لقطاع الاتصالات»، مشيراً إلى أن «القرار يمكن إصداره تقديراً لدورهم في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة التي يقومون بإدخالها عبر التحويلات الدورية».

وأوضح أنه يوجد «ترحيب داخل الأوساط التجارية بالقرار، لكونه يحد من عمليات التهريب والثغرات التي جرى استغلالها في الفترة الماضية»، مشيراً إلى «أن هواتف (الآيفون) تعد الأكثر تأثراً بالقرار، وهي لا تصنع في مصر بالوقت الحالي».

وأعرب متابعون عن تعجبهم من القرار الذي تم اتخاذه بداعي دعم المنتجات المحلية، وانتقدوا ارتفاع أسعار الهواتف الجوالة المصنعة داخل مصر مقارنة بأسعار الأنواع نفسها ببقية الدول العربية الأخرى، حيث تسجل فارقاً لافتاً في السعر. معتبرين أن القرارات السابقة لم تصب في مصلحة المواطنين المصريين.