«محميّة محمد بن سلمان الملكيّة» تُعيد رسم ملامح «قطاع الحماية البيئية في السعودية»

الرئيس التنفيذي لـ«الشرق الأوسط»: تجاوزنا المتوسط العالمي في تمكين النساء بمجال البيئة

تشكّل النساء 34 % من فرق الحماية في «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية» (واس)
تشكّل النساء 34 % من فرق الحماية في «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية» (واس)
TT

«محميّة محمد بن سلمان الملكيّة» تُعيد رسم ملامح «قطاع الحماية البيئية في السعودية»

تشكّل النساء 34 % من فرق الحماية في «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية» (واس)
تشكّل النساء 34 % من فرق الحماية في «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية» (واس)

في عمق شمال غربي السعودية، تمتد «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية» على مساحة 24,500 كيلومتر مربع من اليابسة والبحر، لتكون شرياناً بيئياً نابضاً يربط بين «نيوم» ومشروع «البحر الأحمر» ومنطقة «العلا».

ورغم أنها تمثل 1 في المائة فقط من مساحة الأراضي في السعودية، فإن المحمية تحتضن أكثر من 50 في المائة من أنواع الكائنات الحية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق المحمية تنوعاً بيولوجياً في الشرق الأوسط، لكن ما يميّزها ليس فقط التنوع الطبيعي، إنما من يقوم على حمايتها.

وبالتزامن مع يوم المفتش البيئي العالمي، الذي يصادف يوم الخميس الموافق 31 من الشهر الحالي، ينهض جيل جديد من المفتشين البيئيين من قلب المجتمعات المحلية بمهمة حماية الإرث الطبيعي والثقافي، في البر والبحر، ضمن نطاق المحمية.

حول ذلك، يقول أندرو زالوميس، الرئيس التنفيذي للمحمية لـ«الشرق الأوسط»:«تلقّينا نحو 40 ألف طلب للانضمام إلى فرق الحماية خلال أربع حملات توظيف حتى الآن، وقد شكّلت النساء 30 في المائة من هذه الطلبات. واليوم، تمثّل النساء 34 في المائة من إجمالي عدد الحُمَاة البالغ 246، وقد تولّت كثيرات منهن مناصب قيادية، متجاوزات بذلك المتوسط العالمي لمشاركة النساء في هذا القطاع، الذي لا يتعدّى 11 في المائة».

زالوميس أكد أن المحمية لا تكتفي بإعادة توطين الحياة البرية بل تعيد رسم ملامح الحماية البيئية في المملكة (واس)

ووصف زالوميس ذلك بـ«الإنجاز البارز لهذا القطاع الناشئ في المملكة»، مؤكّداً أنه يتماشى مع أهداف «رؤية السعودية 2030» فيما يخص تمكين المرأة في سوق العمل.

وشدّد زالوميس على الالتزام بإعادة تشكيل «مفهوم حماية الطبيعة»، لافتاً إلى أن ذلك يأتي «بينما نُعيد الحياة البرية إلى الجزيرة العربية»، ونوّه في الإطار ذاته بأن هذه الأرقام تؤكد أن المحمية لا تكتفي بإعادة توطين الحياة البرية، بل تعيد رسم ملامح «قطاع الحماية البيئية في المملكة»، ليقوده أبناء المنطقة من النساء والرجال من قلب مجتمعاتهم.

انتصار البلوي، من فريق المفتشين البيئيين في المحمية، تمثّل نموذجاً ملهماً حيث يتقاطع التراث الشخصي مع الدور البيئي، لكونها نشأت في «الفارعة»، إحدى قرى المحميّة، وكانت ترافق والدها في رحلاته البرية منذ طفولتها، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كانت رحلتي في المحمية مليئة بالتجارب، لكن لحظات مثل وقوفي أمام نقشٍ أثري، أو مشاهدة أرنب بري، أو نباتات مهددة بالاندثار، غيّرت نظرتي لعملي. رأيت فيها رموزاً لحضارات عريقة، وكائنات تستحق الحياة، وطبيعة تحتاج من يحميها».

تواصل المفتشة البيئية البلوي القول: «منذ ذلك اليوم أدركت أن دوري لا يقتصر على تسجيل مخالفة أو رفع تقرير، بل يتجاوز ذلك ليكون رسالة ومسؤولية لحماية البيئة بكل مكوناتها: الطبيعية، والثقافية، والتاريخية. وصرت أؤمن أن حماية النقوش، والحيوانات البرية، وحتى المسارات البرية، هو واجبنا جميعاً، لنرعى هذا الإرث ونوصله بأمان للأجيال المقبلة».

تقرّ البلوي بأن بدايات عملها لم تكن سهلة. فقد واجهت هي وزميلاتها كثيراً من التحديات، أبرزها نظرة المجتمع المحافظ للمرأة في أدوار ميدانية، وتقول: «لم يكن هناك تقبل كبير لعمل المرأة في المحمية، خصوصاً في دور التفتيش البيئي. وواجهنا كثيراً من نظرات الاستغراب، حيث لم يكن من المألوف لديهم رؤية امرأة تؤدي هذا النوع من المهام. لكن مع مرور الوقت ومع الجهد والإصرار وإثبات الكفاءة في الميدان، بدأ هذا التصوّر يتغير تدريجياً».

وتابعت: «تغيرت النظرة وزاد تقبّل دور المرأة، بل بدأ البعض يُعبّر عن إعجابه وافتخاره بهذا الحضور النسائي الفاعل. واليوم صار وجود المرأة في هذا المجال دليلاً على قدرتها على المساهمة الفعلية في حماية البيئة، وتأكيداً على أن الأدوار لا تُقاس بالجنس، بل بالكفاءة والالتزام».

وعن أبرز لحظاتها في «محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية»، قالت: «قمت بعدّة جولات ميدانية في المحمية، وكان من أبرز ما لفت انتباهي وجود كثير من النقوش الأثرية المذهلة، منها رسومات لحيوانات مهددة بالانقراض مثل الفهد، ومنها نقوش قديمة تحكي ثقافات عريقة، مثل النقوش الثمودية. وقد أثرت هذه النقوش فيّ بشكل عميق، إذ شعرت بأنها تروي قصص شعوب سكنت هذه الأرض منذ آلاف السنين، مما زاد من اهتمامي بتوثيقها، والسعي إلى الحفاظ عليها، ونقل هذا الإرث الثقافي الثمين إلى الأجيال المقبلة».

ومع اختلاف المهام التي تسند إلى فريق المفتشين البيئيين من توثيق القطط الرملية النادرة والنقوش الأثرية إلى المهام التقليدية، مثل مكافحة قطع الأشجار الجائر، ونشر الوعي البيئي، تعيد هذه المهام تشكيل معنى حماية البيئة، حيث تشير البلوي إلى أن هذا العمل «ليس مجرد وظيفة، بل رسالة نؤديها تجاه أرضنا وتاريخنا، ومساهمة في الحفاظ على التوازن بين الإنسان والطبيعة. ما نقدمه اليوم هو امتداد لإرث عميق، وواجب أخلاقي تجاه الأجيال المقبلة، لنترك لهم بيئة غنية وآمنة يعتزون بها ويفتخرون بالانتماء إليها».

أما رسالتها إلى الجيل الجديد من الشابات السعوديات فتختصرها بالقول: «أود أن أقول لهّن إن البدايات قد تكون صعبة، لكن الإصرار والعزيمة يجعلان المستحيل ممكناً. لقد واجهنا التحديات وتمكّنا من تجاوزها، وفتحنا أبواباً في هذا المجال كنا نحلم بها. لا شيء يقف في طريق من تمتلك الشغف والإرادة. إن دورنا في هذه البيئات أساسي في تنمية المجتمع، والحفاظ على البيئة، وصون التراث. قصتي بدأت من أرضي وبيئتي التي نشأت فيها، وكان هدفي أن أكون جزءاً من الحفاظ عليها وتنميتها، لا مجرد شاهدة على تغيّرها».


مقالات ذات صلة

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

أدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طن من الأسماك مؤخراً في العراق.

«الشرق الأوسط» (الزبيدية (العراق))

لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
TT

لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

قُبيل رحيله، أوصى الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي. ورغم وفاته في أحد مستشفيات مدينة الشيخ زايد، التي تبعد دقائق عن مسجد الشرطة حيث خرج منه جثمانه إلى مثواه الأخير، فقد حرص نجله الموسيقار أحمد أبو زهرة على تنفيذ وصية والده التي تعكس تعلّقه بالمسرح القومي الذي شهد نجاحاته عبر عدد كبير من العروض الكلاسيكية المصرية والعالمية.

وأكد رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الدكتور أيمن الشيوي، أنّ أبو زهرة أوصى أسرته بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، كونه يحتضن جزءاً كبيراً من تاريخه وحياته التي أفناها في خدمة الفنّ.

ويرى الناقد المسرحي المصري محمد الروبي أنّ الفنان حين يُوصي بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، فهو لا يطلب مجرّد مرور عابر أمام مبنى قديم في قلب القاهرة، بل يطلب أن يودّع حياته من الباب الذي دخل منه للمرّة الأولى، كأنه يعود في لحظته الأخيرة إلى المنبع وإلى الخشبة التي منحته صوته والتصفيق الأول.

وأضاف الروبي لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «فرصة المرور أمام المسرح تبدو لحظة شديدة الإنسانية، وكأنّ الفنان يقول: خذوني إلى هناك للمرّة الأخيرة». وأشار إلى أنّ فنانين كباراً سبقوا أبو زهرة في ذلك، من بينهم شفيق نور الدين وتوفيق الدقن وغيرهما من أبناء المسرح القومي الذين ظلّوا حتى آخر العمر يشعرون بأن بينهم وبين خشبة المسرح عهداً لا ينتهي بالموت، بل حياة تُعاش تحت الأضواء وتُستهلك فوق الألواح الخشبية، حيث يقف الممثل وحيداً أمام الجمهور بلا فرصة ثانية، ومع السنوات يصبح المسرح جزءاً من تكوينه النفسي.

ويلفت الروبي إلى أنّ للمسرح القومي تحديداً رمزية لا تُخطئها العين، فهو ذاكرة كاملة للفنّ المصري الحديث، وعلى خشبته وقف فنانون عظام صنعوا وجدان الجمهور المصري والعربي، على غرار يوسف وهبي وجورج أبيض.

أما أيمن الشيوي فيفسّر لماذا يُعد المسرح القومي درة تاج المسارح المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «للمسرح القومي مكانة كبيرة في تاريخ الفنّ العربي والمصري، فالفنّ المسرحي يبدأ منه، بكلّ ما يمثّله من تراث وفنّ حقيقي راسخ عبر أجيال عدّة من الفنانين العظام الذين خرجوا منه وقدموا أعمالهم طوال حياتهم».

وأكد أنّ «القومي» بالنسبة إلى الفنانين المصريين يتجاوز مجرّد مبنى يقدّم عروضاً مسرحية إلى حياة وقيمة ثقافية وفنية للمجتمع المصري كلّه.

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة أوصى بمرور جنازته أمام المسرح القومي (فيسبوك)

ويحظى المسرح القومي بمكانة خاصة لما يمثّله من تاريخ عريق؛ إذ شهد أهم العروض المسرحية التي قدَّمها كبار نجوم المسرح، ومن بينهم يوسف وهبي، وجورج أبيض، وأمينة رزق، وعبد الله غيث، وسميحة أيوب، ومحمود ياسين، ونور الشريف، ويفخر الفنان الذي يقف على خشبته بذلك في مسيرته الفنّية.

ويشير الشيوي، الذي تولّى إدارة المسرح القومي خلال السنوات الماضية، إلى اختصاص «القومي» بكلاسيكيات النصوص المسرحية المصرية والعالمية، وأنه شهد في الآونة الأخيرة تقديم عروض مهمّة، مثل «رصاصة في القلب» لتوفيق الحكيم، ومعالجة لشكسبير في مسرحية «مش روميو وجولييت»، وأخرى لمسرحية «بجماليون» في عرض «سيدتي أنا»، وقبلها مسرحية «الحفيد» لعبد الحميد جودة السحار.

كما احتفل قبل أيام بالليلة الـ150 لعرض مسرحية «الملك لير» من بطولة الفنان يحيى الفخراني، فيما تنتظره عروض جديدة مهمة خلال المرحلة المقبلة.

ويرفض الشيوي ما يتردَّد عن تراجع دور المسرح القومي، الذي شهدت مرحلة الستينات قمة ازدهاره، مؤكداً أنّ «الجمهور يرتاد المسرح القومي، والأُسر المصرية تحرص على حضور عروضه، مع حرصنا على أن تظلَّ أسعار التذاكر رمزية وفي متناول المواطن العادي، كونه خدمة ثقافية تدعمها الدولة».

يحيى الفخراني في مسرحية «الملك لير» المعروضة حالياً على خشبة المسرح القومي (فيسبوك)

ولفت إلى تحقيق إيرادات تُقدّر بنحو 4 ملايين ونصف المليون جنيه من عائد التذاكر حتى الآن خلال موسمي 2025 و2026، ممّا يؤكد الكثافة الجماهيرية الكبيرة التي توافدت على المسرح.

ويعاني المسرح القومي أزمة وجوده بجوار منطقة العتبة المزدحمة بأسواقها والباعة الجائلين. وهنا يلفت الشيوي إلى أنّ وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي تواصلت مع محافظ القاهرة وجهاز التنسيق الحضاري، وجرت تهيئة المكان المحيط بمسرحي الطليعة والعرائس، وأنّ المنطقة كلّها في طريقها إلى التطوير، وفي مقدّمتها محيط المسرح القومي حفاظاً على مكانته.

جانب من جمهور المسرح القومي خلال عرض «الملك لير» (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

وأسَّس الخديو إسماعيل المسرح القومي عام 1869 بحي الأزبكية وسط القاهرة، بجوار دار الأوبرا القديمة، تزامناً مع الاحتفال بافتتاح قناة السويس. وقد أُطلق عليه اسم المسرح القومي بعد ثورة يوليو (تموز) 1952.

وكان المسرح قد تعرَّض لحريق عام 2008، وتوقَّفت العروض فيه لـ6 سنوات، حتى إعادة تجديده وافتتاحه في ديسمبر (كانون الأول) 2014.

وتستأثر القاهرة بأكبر عدد من المسارح التابعة لوزارة الثقافة، من بينها: الجمهورية والسلام والحديث وميامي والعائم والغد ومسارح الأوبرا، بخلاف مسارح الفرق الخاصة.


الخيول غيَّرت التاريخ قبل 1300 عام مما كان يُعتقد

على ظهر الخيل تبدّل شكل العالم (غيتي)
على ظهر الخيل تبدّل شكل العالم (غيتي)
TT

الخيول غيَّرت التاريخ قبل 1300 عام مما كان يُعتقد

على ظهر الخيل تبدّل شكل العالم (غيتي)
على ظهر الخيل تبدّل شكل العالم (غيتي)

تمتدّ الروابط بين الخيول والبشر إلى ماضٍ سحيق، إذ لعبت هذه الحيوانات دوراً محورياً في انتشار الجنس البشري حول العالم، فضلاً عن استخدامها الطويل والحافل في الحروب، حتى الحرب العالمية الثانية.

وكان يُعتقد سابقاً أن أول ترويض واستئناس للخيول البرّية بدأ قبل نحو 4000 عام، تحديداً بين عامَي 2200 و2100 قبل الميلاد. لكن بحثاً جديداً دفع بتاريخ علاقتنا مع الخيول إلى الوراء بأكثر من 1000 عام.

وصرَّح باحثون من جامعة هلسنكي، في دراسة نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسز» ونقلتها «الإندبندنت»، بأنّ «الخيول كانت تُركب وتُشغّل ويُتاجر بها قبل وقت طويل مما كان يظنّه أي شخص».

واعتمد الفريق البحثي على تحليل الحمض النووي، والسجلات الأثرية، وبقايا العظام لفحص التسلسل الزمني لاستخدام البشر للخيول عبر القرون.

الخيل والإنسان... شراكة غيّرت التاريخ (غيتي)

وأوضح الباحثون أنّ «الترويض والاستئناس لم يكونا حدثين منفصلين»، فقد شكّلا «عملية بطيئة ومتقطعة، مليئة بالعثرات، وامتدت عبر أجيال ومناطق شاسعة، قبل أن يستقر الاستئناس الكامل قبل عام 2000 قبل الميلاد بوقت قصير».

وكشف البحث أنّ 3 سلالات متميّزة من الخيول كانت تنتشر قديماً من غرب سيبيريا إلى وسط أوروبا، كما اكتشف الباحثون أنّ «جهود الترويض حدثت بشكل مستقلّ عبر المناطق والمجموعات السكنية بين عامَي 3500 و3000 قبل الميلاد، إن لم يكن قبل ذلك بقرون».

ويُعيد هذا الكشف كتابة تاريخ استخدام البشر للخيول، دافعاً به إلى الوراء بما لا يقلّ على 1300 عام.

وقال المؤلّف الرئيسي المُشارك في البحث، البروفسور فولكر هيد: «كانت الخيول تُستخدم بالفعل بطرق متطوّرة وواسعة النطاق قبل أن نتمكّن من تحديد تاريخ الاستئناس الكامل بدقّة، وهذه الفجوة الزمنية تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ البشري».

وعلى وجه التحديد، يشير البحث إلى أنّ هجرة شعب «يامنايا»، الذين عاشوا في أراضي روسيا وأوكرانيا الحالية، إلى أوروبا وآسيا نحو عام 3100 قبل الميلاد، ربما تسهَّلت بفضل الاستخدام المبكر للخيول.

وذكر الباحثون أنّ هذا التوسُّع السريع، الذي امتدَّ لنحو 5000 كيلومتر عبر أوراسيا، أسهم في نشر البشر والتقنيات، بما فيها «العجلة»، وربما اللغات الهندوأوروبية الأولى.

وخلال هذا التوسُّع، كانت الماشية تجرّ العربات الأولى، بينما تطوَّرت مهارات الفروسية، ممّا سمح للبشر بقطع مسافات شاسعة خلال ساعات، في ابتكار غيَّر شكل المجتمعات البشرية.

وقال الفريق البحثي: «لقد حملت الخيول البشر، وحملت معهم الكلمات»، في إشارة إلى دورها في انتشار اللغات والثقافات عبر القارات.

وأضاف البروفسور هيد: «دور الخيول في التطورات التاريخية الكبرى هائل لدرجة يصعب قياسها، ومن هنا جاء القول المأثور إنّ (العالم فُتح على ظهر الخيل)».


بعد نصف قرن... «بينك فلويد» تُسكّ على عملة تذكارية بريطانية

موسيقى خالدة... على وجه عملة (دار سك العملة الملكية)
موسيقى خالدة... على وجه عملة (دار سك العملة الملكية)
TT

بعد نصف قرن... «بينك فلويد» تُسكّ على عملة تذكارية بريطانية

موسيقى خالدة... على وجه عملة (دار سك العملة الملكية)
موسيقى خالدة... على وجه عملة (دار سك العملة الملكية)

بعد مرور أكثر من نصف قرن على بزوغ نجم فرقة «بينك فلويد» للمرة الأولى من مشهد الموسيقى البديلة في لندن، وإعادة تشكيل وجه الموسيقى الحديثة، كشفت دار سك العملة الملكية عن عملة تذكارية رسمية للمملكة المتحدة تحتفي بالإرث الاستثنائي والمستمر للفرقة.

ويضع التصميم الموجود على ظهر العملة، الذي ابتكره هنري غراي، الغلاف الأيقوني لألبوم «الجانب المظلم من القمر» في صميمه، وهو أحد أكثر الصور شهرة في تاريخ الموسيقى، ورمز لرؤية الفرقة الطليعية في الفن والصوت والتجريب. كما ستتميز مجموعة مختارة من العملات بتأثير طيف قوس قزح، مما يبعث الحياة في التصميم الشهير بالألوان الكاملة.

وذكر موقع دار سك العملة الملكية أنّ الغلاف الأيقوني، الذي يُصوّر طيف المنشور، كان من تصميم ستورم ثورجيرسون من استوديو «هيبنوسيس»، ورسمه جورج هاردي. وقد حقّق ألبوم «الجانب المظلم من القمر» مبيعات تجاوزت 50 مليون نسخة حول العالم.

وتنضمّ فرقة «بينك فلويد» بذلك إلى قائمة استثنائية من رموز الموسيقى البريطانية الذين احتفت بهم دار سك العملة الملكية من خلال سلسلة «أساطير الموسيقى»، التي ضمَّت ديفيد باوي، وجورج مايكل، وشيرلي باسي، وبول مكارتني، وفريدي ميركوري. وقد قدَّمت هذه السلسلة نحو نصف مليون عملة لهواة الجمع وعشاق الموسيقى في 108 دول حول العالم.

وقالت مديرة العملات التذكارية في دار سك العملة الملكية، ريبيكا مورغان: «تُعد فرقة (بينك فلويد) واحدة من تلك الفرق النادرة حقاً التي تجاوزت موسيقاها وصورها الأجيال، وبمجرد رؤيتك لهذه العملة ستعرف تماماً من تحتفي به. يمكن لعشاق الفرقة حول العالم تمييز المنشور الأيقوني على الفور، وقد بذل هنري غراي جهداً رائعاً في بثّ الحياة فيه بالبراعة والتفاصيل التي تستحقها هذه الفرقة».

وأضافت: «إن تأثيرهم في الموسيقى والفنّ والثقافة لا يُقدّر بثمن، ونحن فخورون بأن تلعب دار سك العملة الملكية دورها في الحفاظ على هذا الإرث إلى الأبد».

إلى جانب العملة المعدنية، ستقدّم دار سك العملة الملكية لعشاق «بينك فلويد» فرصة شراء «ريشة عازف» حصرية، متوفرة بأعداد محدودة ومصنوعة من الذهب والفضة والكروم الداكن.

والقطعة من تصميم المصمِّم في دار سك العملة الملكية، دانيال ثورن، ويمكن التعرف إليها فوراً بوصفها رمزاً لفرقة «بينك فلويد» من خلال ارتباطها الوثيق بألبومهم الشهير «الجانب المظلم من القمر».

وتحتلّ ريشة الغيتار مكانة خاصة في قصة الفرقة، ولا يوجد ما يجسّد ذلك أفضل من «الصولو» الأسطوري لديفيد غيلمور في أغنية «تايم»، وهي إحدى أكثر اللحظات احتفاءً في الألبوم، ومن بين الأشهر في تاريخ الروك، ممّا يجعل «الريشة» تكريماً ملائماً لإرث «بينك فلويد» الموسيقي المستدام.

وتأسَّست فرقة «بينك فلويد» في لندن عام 1965 على أيدي سيد باريت، وروجر ووترز، ونيك ميسون، وريتشارد رايت، مع انضمام ديفيد غيلمور عام 1968. ومضت الفرقة لتحدّد معالم موسيقى «الروك التقدّمي» وتنتج بعضاً من أشهر الألبومات في تاريخ الموسيقى.

وقد أسهمت ألبومات «الجانب المظلم من القمر» (1973)، و«ليتك كنت هنا» (1975)، و«حيوانات» (1977)، و«الجدار» (1979)، مجتمعة، في ترسيخ مكانتهم واحدةً من أكثر الفرق ابتكاراً وتأثيراً في التاريخ. وبعد مرور أكثر من 5 عقود، لا تزال موسيقاهم تأسر أجيالاً جديدة من المعجبين حول العالم.