ميرنا مشنتف وصغار التوحُّد... ما يُهمَل يستحقّ فرصة أخرى

التشكيلية اللبنانية تمنح النفايات حياة ولا تقيس الجمال بالكمال

بلمسة من اللون والخيال حصلت الأجسام المعدنية على حياة ثانية (الشرق الأوسط)
بلمسة من اللون والخيال حصلت الأجسام المعدنية على حياة ثانية (الشرق الأوسط)
TT

ميرنا مشنتف وصغار التوحُّد... ما يُهمَل يستحقّ فرصة أخرى

بلمسة من اللون والخيال حصلت الأجسام المعدنية على حياة ثانية (الشرق الأوسط)
بلمسة من اللون والخيال حصلت الأجسام المعدنية على حياة ثانية (الشرق الأوسط)

تعتادُ الفنانة التشكيلية اللبنانية ميرنا مشنتف استقبال الصغار في محترفها، أو زيارتهم في مدارسهم، لتُشاركهم شغف الفنّ الذي تُحبّه. كأنها تُنقّب في شقاوة الطفولة عن مواهب نائمة، لعلّها تستيقظ يوماً. غير أنّ هذه اللقاءات المتكرّرة لا تقتصر على بُعدها الفنّي، فتتجاوزه إلى غاية أعمق: التوعية البيئية وإحياء تقدير الطبيعة في النفوس الطريّة. فمنذ بداياتها، اختارت مشنتف أن تسلك في فنّها مساراً واضحاً: تحويل النفايات إلى أدوات تعبير، وجَمْع ما يُرمَى لمَنْحه فرصة جديدة. «نشر الوعي هو رسالتي الفنّية»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، مؤمنةً بأنَّ شخصاً واحداً، إذا تأثَّر، قد يصبح هو البذرة القابلة لتغيير العالم.

جمعت ميرنا مشنتف مع صغار التوحّد ما يُرمَى لمَنْحه فرصة جديدة (الشرق الأوسط)

في معرض استضافته منطقة الجمّيزة البيروتية، اصطفَّت أعمال فنّية صاغها ما هو مَنسيٌّ في الطبيعة: قِطَعٌ تحوَّلت من حالة إلى أخرى بأيدي 4 صغار مُصابين بالتوحُّد، استقبلتهم الفنانة في مُحترفها؛ وهناك، أطلقوا من دواخلهم ألواناً كانت تبحث عن مَخْرج. هو تعاون جمع بين ميرنا مشنتف، ومبادرة «كرياتيف كول»، و«بنك بيمو»، لإعادة تشكيل بقايا جِرار الغاز الفارغة التي انتهت وظيفتها، وتحويلها إلى أعمال فنّية تمتلئ بالحياة.

الصغار الـ4؛ آدم خطيب، وجواد مطر، وشربل خوري، وليون كارابوياجيان، حوَّلوا، تحت إشراف الفنانة واستضافتها طوال شهر، الصدأ الذي كان يلفّ جرّة الغاز، ولونها الباهت، وصورتها بكونها مادة انتهى زمنها، إلى شيء يستحقّ التأمل والاحتفاظ به. فبلمسة من اللون والخيال، حصلت هذه الأجسام المعدنية على حياة أخرى، لتنتقل من الهامش إلى المركز، من اللاجدوى إلى المعنى، ومن اللاعودة إلى البداية الثانية.

تُحوّل ميرنا مشنتف النفايات إلى أدوات تعبير (الشرق الأوسط)

ميرنا مشنتف لا ترى في النفايات نهاية، فهي «كنزٌ» ينتظر مَن يعي قيمته. تقول: «نحن والطبيعة والمحيط جسدٌ واحد. وجودنا موصول. أزرع في الأطفال حسَّ المسؤولية ليُتابعوا الطريق بأنفسهم. بالنسبة إليّ، لا إنجاز بلا قولٍ عميق. بدأنا من الصفر، جلبنا الجِرار القديمة، نظفّناها معاً، أزلنا صدأها، وطليناها بالأمل. حوَّلنا الحديد إلى رسم. هذه ليست نفايات، إنها نفاياتنا».

قِطَعٌ تحوَّلت من حالة إلى حالة بأيدي 4 صغار مُصابين بالتوحُّد (الشرق الأوسط)

وتُضيف أنَّ الرسالة كانت إنسانية أيضاً. فاختيار جِرار «مشوَّهة» هو دعوة لرؤية ما وراء الشكل، وتخطّي النظرة السريعة والأحكام الجاهزة. من خلال الرسم فوق أجسام غير «مثالية»، يفهم الأطفال أنَّ الجمال لا يُختزل بالمظهر، وأنَّ حقيقة الإنسان لا تصوغها القوالب الجاهزة؛ فهي تتجلّى فيما يُبديه من رحمة وعدالة وانفتاح على الآخر. أرادت القول إنَّ الكمال ليس شرط الجمال، والنقصان يمكن أن يكون نافذتنا إلى المعنى.

تتحدَّث عن «ذاكرة النفايات». فالأشياء التي نرميها كانت يوماً جزءاً من حياة شخص ما. صُمِّمت بيدٍ، وسكنت بيتاً، وانتقلت إلى آخرين. «الناس يرمون أشياءهم من دون وعي. لكن حين نمنحها فرصة ثانية، قد تُفاجئنا تماماً كما يفعل البشر. نُخطئ، نُخذَل، نُترَك... ثم تأتي فرصة أخرى تُغيّر كل شيء».

أعادت ميرنا مشنتف تشكيل بقايا جِرار الغاز الفارغة التي انتهت وظيفتها (الشرق الأوسط)

هكذا تعاملت مع المواد المُعاد تدويرها: هي احتمالات لم تكتمل وليست عبئاً. وهذه كانت المرّة الأولى التي تتعاون فيها مع صغار من طيف التوحّد، وقد استعدَّت لذلك بكلّ تفاصيله: بحثت، قرأت، وحرصت على أن يشعر كلّ صبي بالأمان والانتماء في محترفها الذي تحوّل إلى بيت لهم على مدى شهر كامل، يزورونه مرّتين أسبوعياً كأنهم يعودون إلى مكان يعرفونه ويحتضنهم.

تُفضّل مشنتف تجنُّب استعمال مصطلح «توحّد» لوصف الصغار الأربعة، وتقول بلغة أخرى: «طريقتهم في التفكير مختلفة، ومستواهم أعلى في الحسّ والشعور. نحن عالقون في أبعادنا الأرضية المحدودة، أما هم فأرواحهم ترفعهم إلى أعلى».

أطلق صغار التوحّد من دواخلهم ألواناً كانت تبحث عن مَخْرج (الشرق الأوسط)

عُرضت هذه الأعمال ضمن مهرجان «أيام بيروت الفنية»، ولاقت صدىً طيّباً لدى الزوّار. فميرنا مشنتف تحمل في داخلها هَمّ إنقاذ الحضارة من التآكل. منذ أن تفتَّح شغفها بالرسم، قرَّرت أن تمنحه بُعداً بيئياً، وأن تربطه بالقصص التي تُهمَل، لكنها تستحق محاولة أخرى.

تستعيد مشروعها السابق «نبض»، حيث تبنَّت براميل النفايات في بيروت، لتُذكّر الناس بأنّ النفايات، مهما كانت قاسية الرائحة أو الشكل، هي ثروة. «البرميل يستحقّ الشكر»، تقول. «فهو يحتفظ بنفاياتنا. علينا أن نُقدّر ذلك». سمَّت المشروع «نبض»؛ لأننا نتعامل مع المكبّات كأنها كيانات ميتة، لا نراها ولا نشعر بها، لكنها في الحقيقة تنبُض وتدعونا إلى التصرُّف بمسؤولية.

«بوغارنيا» تنمو فقط في منطقة الجزع كأنها رحم أنثى تحمل الحياة (ميرنا مشنتف)

وفي مشاريع أخرى، زرعت شجرة باسم «بوغارنيا»، تنمو فقط في منطقة الجزع، كأنها رحم أنثى تحمل الحياة. تقول إنّ التعامل الحسن مع النفايات قد يُثمر ولادة جديدة، تماماً كما تفعل الأنثى حين تحتضن جنينها.

أما مشروع «أوشون»، المُستوحى من إلهة المياه في الميثولوجيا الأفريقية، فكان عن خزّانات المياه على أسطح بيروت. أطلقت الاسم على أحد الخزّانات، وتخيّلته بلا عيون، كما تخيّلت بيروت امرأة. من هنا، جعلت «أوشون» تطلّ برمزها على المدينة من الأعالي، تُوزّع الماء بعدالة على الجميع. أرادت أن تقول إنَّ الماء حقٌّ مقدّس، ومَن يملكه يجب أن يوزّعه، لا أن يُحوّله إلى سلاح. فأنْ نَهِبَ الحياة أهمّ بكثير من انتزاعها.


مقالات ذات صلة

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.