بين الوطن والمنفى... نظرة داخل عالم الفنان السوري مروان

عبر معرض تقيمه دار «كريستيز» بلندن

معرض «مروان روح في المنفى» بدار «كريستيز» في لندن (الشرق الأوسط)
معرض «مروان روح في المنفى» بدار «كريستيز» في لندن (الشرق الأوسط)
TT

بين الوطن والمنفى... نظرة داخل عالم الفنان السوري مروان

معرض «مروان روح في المنفى» بدار «كريستيز» في لندن (الشرق الأوسط)
معرض «مروان روح في المنفى» بدار «كريستيز» في لندن (الشرق الأوسط)

في دار «كريستيز» بحي سانت جيمس الراقي بلندن، يُقام معرض يحتفي بأحد أهم الفنانين العرب في القرن العشرين، وهو مروان قصاب باشي، المعروف باسم مروان. المعرض يحتل كل صالات الدار، وحتى في الممرات تجد لوحات للفنان السوري الراحل، تسرد رحلته مع الفن التشكيلي، وتعرض عبر اللوحات الزيتية والإسكتشات والرسومات عالماً عاش فيه مروان في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الـ21. يحمل المعرض عنوان «مروان: روح في المنفى»، وربما العنوان وحده يكفي لنقل المعاني والأحاسيس التي يعكسها كل عمل أمامنا؛ حيث يندمج الوطن والمنفى.

لوحة للفنان مروان من المعرض (الشرق الأوسط)

في عالم مروان الوجوه هي المرايات التي يطلع منها الزائر على عوالم ثرية ومشاعر عميقة، بعضها يعكس الضياع والحزن والجروح المتتالية في الروح. يتجاوز مروان في تصويره الوجوه فن البورتريه التقليدي، بعض الوجوه أمامنا تبدو مثل خريطة تضاريس بشرية تطل منها عيون، قد نتبين عبر التضاريس ملامح شكلية للشخص صاحب الوجه، ولكن ذلك لا يبدو مهمّاً هنا، فكل وجه يحمل ما هو أكثر من الملامح المعتادة، وربما الوصف الأقرب هنا هو تعبير الفنان نفسه إذا قال إنه «يرسم الأرواح»، وعبر بيان المعرض عن الوجوه بوصفها «بوابات ميتافيزيقية للجوانب الكونية للحالة الإنسانية».

ما يلفت أيضاً في وجوه مروان طبقات الألوان المختلفة والتضاريس المتموجة، حتى قد يبدو أن اللوحة تعرض تضاريس أرضية ينبغي للناظر أن ينقب داخلها عن المعاني الدفينة.

يعرض المزاد 150 عملاً لمروان، تشمل لوحات ورسومات وأعمالاً على الورق وإصدارات، من متاحف ومؤسسات رائدة ومجموعات خاصة في أوروبا والشرق الأوسط، ليقدم بذلك مسحاً شاملاً لمسيرة الفنان الفنية التي امتدت لستة عقود.

معرض «مروان روح في المنفى» بدار «كريستيز» في لندن (الشرق الأوسط)

ينجح المعرض في تقديم سيرة كاملة لأعمال الفنان من «التشكيلية» المبكرة إلى المناظر الطبيعية وسلسلة الوجوه التي تتحول على يد الفنان لتصبح «مرآةً وأرضاً في آنٍ واحد»، وصولاً إلى سلسلة الدمى المتحركة. ومن ناحيته، وصف الدكتور رضا مومني، رئيس مجلس إدارة «كريستيز الشرق الأوسط وأفريقيا» المعرض بأنه «لحظة فارقة في تقدير إرث مروان».

مسيرة الفنان الراحل انطلقت من سوريا؛ حيث ولد عام 1934، ثم انتقل للحياة في ألمانيا في خمسينات القرن الماضي، ما جعل أعماله مرتعاً لعالمين، سوري وألماني، تركا أثرهما في فنه، وفي حياته.

وفي ندوة أقامتها الدار للحديث عن مروان وأعماله تحدّث كل من شيرين أتاسي مديرة مؤسسة «أتاسي» ومايكل هازنكلفر مؤسس «غاليري مايكل هازنكلفر» مع منسق المعرض الدكتور رضا مومني عن الفنان وعالميه السوري والألماني، وكان لكل من الضيفين إضاءات على جوانب شخصية وفنية للفنان الراحل.

من سلسلة «الدمى المتحركة» للفنان السوري مروان (الشرق الأوسط)

خلال الحوار وجّه د. مومني سؤالاً لشيرين أتاسي عن موقع مروان في التراث الفني السوري، وأجابت بقولها: «أعتقد أن النظر إلى الفنان ورحلة حياته أمر بالغ الأهمية لفهم موقعه، بالنسبة لمروان، فهو كان سورياً، ولكنه كان ألمانياً أيضاً».

وتُشير إلى أنه لفهم مروان بصفته فناناً يجب العودة لبداياته: «إذا أردنا النظر إليه بصفته سورياً، أعتقد أننا بحاجة إلى العودة إلى طفولته ومصدر ذكرياته، فهو ينحدر من عائلة برجوازية أرادت له أن يكون مهندساً، ثم طبيباً، لكنه رفض ذلك».

وتشير شيرين أتاسي إلى نقطة مهمة لفهم الفنان مروان، وهي المكان الذي نشأ فيه، «عاشت عائلته في الجزء القديم من دمشق، في منزل تقليدي جداً، مع فناء ونافورة وكروم عنب وما إلى ذلك. كان يتجوّل في شوارع دمشق التي ترتبط في ذكرياته بالنور. عندما انتهى به المطاف في برلين، كتب إلى أحد أصدقائه المقربين رسالة قال فيها: (لم أجد حماساً بعد تجاه أي شيء أنجزته. ألا توافقني الرأي بأن سنتين أو ثلاث سنوات ليست طويلة، وبصعوبة تكفي ليجد المرء ما يريده حقّاً؟ هنا، لا نوافذ، كتلك التي في زقاقنا في الوطن. لا عشب ينمو بين حجارة الشوارع. فهل عليّ حقّاً أن أستمر في رسم أحلامي على نوافذ سوريا؟ ومتاجرها وأزهارها؟)»، وتضيف شيرين أتاسي: «أعتقد أن أزْمة الوجود بين عالمين كانت معه منذ البداية».

لوحتان للفنان مروان من المعرض (الشرق الأوسط)

وتعرضت الندوة لعلاقات مروان مع الحركة الثقافية في العالم العربي، وصداقاته مع كبار المؤلفين والمفكرين الذين جمعتهم حوارات حول الأرض والهوية، وحوّل مروان تلك الصداقات إلى بورتريهات شخصية نجد عدداً منها في المعرض.

معرض «مروان: روح في المنفى» من 16 يوليو (تموز) إلى 22 أغسطس (آب).


مقالات ذات صلة

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

يوميات الشرق بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره ولا يمكن تخطيه فلوحاته تنظر للعالم عبر عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رنا بستاني تُكرّم بلدات الجنوب في معرض «اللون يتحدّى الصمت» (الشرق الأوسط)

معرض «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان الصامد

تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي اللبناني، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)

لغز لوحة رئيس خدم يُحيّر أحفاده بعد أكثر من 170 عاماً

يأمل أقارب رئيس خدم كان يعمل في قصر ريفي بمقاطعة جنوب يوركشاير، في كشف لغز فنان مجهول الهوية جسَّد ملامحه في لوحة قماشية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ديالا خضري أمام مجموعة من لوحات معرضها «اشتراك» (الشرق الأوسط)

معرض «اشتراك»... توصيلات المولّدات الكهربائية ندوب على وجه بيروت

تُحيك ديالا خضري لوحاتها بأكسسوارات وأدوات مختلفة، لتبدو كأنها نسخة طبق الأصل عن المشهد اليومي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من أعمال ظلال باسودان في معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 02:54

«طرق المعرفة»... فنانون سعوديون يعبرون من الجمال إلى البحث

يطرح المعرض رؤى فنية تنطلق من التساؤل والتجربة نحو البحث والاستكشاف وبناء المعنى.

فاطمة القحطاني (الرياض)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.