مصر: الغلاء يجعل من «العزومات العائلية» عبئاً و«هماً ثقيلاً»

المسلسلات الدرامية وأفلام السينما المصرية جسدت العزومات العائلية (مشهد من فيلم «الحفيد» على «يوتيوب»)
المسلسلات الدرامية وأفلام السينما المصرية جسدت العزومات العائلية (مشهد من فيلم «الحفيد» على «يوتيوب»)
TT

مصر: الغلاء يجعل من «العزومات العائلية» عبئاً و«هماً ثقيلاً»

المسلسلات الدرامية وأفلام السينما المصرية جسدت العزومات العائلية (مشهد من فيلم «الحفيد» على «يوتيوب»)
المسلسلات الدرامية وأفلام السينما المصرية جسدت العزومات العائلية (مشهد من فيلم «الحفيد» على «يوتيوب»)

اعتادت آية عوض (36 عاماً) أن تجتمع بشقيقاتها السبع كل يوم جمعة في منزل العائلة بمنطقة الجيزة، بعدما باعدت بينهن المسافات، حيث تقطن في مدينة 6 أكتوبر (جنوب القاهرة)، فيما يسكن الباقون مناطق أخرى متفرقة. في هذا اليوم تعدّ الأم أصنافاً متنوعةً من الطعام تلبي أذواق بناتها وأحفادها المختلفة، ومن مائدة الطعام تمتد جلسات السمر. كان ذلك قبل نحو 3 أعوام، قبل أن تتبدل الأحوال بفعل الغلاء.

تنعكس الأزمة الاقتصادية في مصر منذ عام 2016 على أسعار السلع والخدمات، حتى قفزت نسبة التضخم على أساس سنوي في يونيو (حزيران) من عام 2023 إلى 41 في المائة، فيما سجلت نسبته الشهر الماضي 14.9 في المائة، دون أن تؤدي النسبة إلى تراجع في الأسعار.

تقول آية لـ«الشرق الأوسط»: «ميزانية والديّ بسيطة، تعتمد على المعاش، ولأن عددنا كبير، كانت هذه التجمعات تفوق قدرتهما». بدأت آية كلامها لـ«الشرق الأوسط» موضحة أنها كانت تلاحظ كيف تقل أصناف الطعام على المائدة، فتكتفي الأم بصنفٍ واحدٍ يحبه الجميع مع اللحوم، وبعد فترة تقل اللحوم وتختفي أحياناً.

حاولت الشقيقات التخفيف عن حمل لقائهن على والديهما، دون أن يقطعن العادة، فاقترحن أن تشتري كل واحدة لأبنائها طعاماً جاهزاً، بحجة عدم تضييع الوقت في الطبخ وادخاره للحديث، وتعلق آية: «كان ذلك حلاً لكنه ليس جذرياً، فانتقل إلينا عبء شراء الطعام، ومن النادر أن نجتمع كلنا مثل السابق؛ كل مرة تعتذر من لا تتحمل ميزانيتها عبء شرائه».

العزومة هم ثقيل

أما هويدا عبد المعبود (54 عاماً)، فتنتظر يوم الجمعة بلهفة، حتى ترى نجلها الأكبر وحفيدها خلال زيارتهما الاعتيادية، حتى وإن كانت هذه الزيارة تكلفها تقليل جودة الطعام طيلة 4 أيام قبل «العزومة»، إذ تقول لـ«الشرق الأوسط»: «ندخر إعداد اللحم والطعام المميز ليوم الجمعة خلال زيارة نجلي، وباقي الأيام نأكل أي شيء، سواء طعاماً دون لحوم أو أكلاً سريع التحضير غير مكلف».

أظهرت دراسة تراجع استهلاك أسر مصرية للحوم (الشرق الأوسط)

ووفق دراسة أجراها معهد السياسات الغذائية الدولي (IFPRI) عام 2022 على 6 آلاف أسرة فقيرة وشبه فقيرة في مصر، لقياس تأثيرات ارتفاع الأسعار على النمط الغذائي، اتضح أن 85 في المائة من هذه الأسر قلصت استهلاك اللحوم، و75 في المائة منها خفّضت استهلاك الدجاج والبيض منذ مارس (آذار) 2022 بسبب ارتفاع الأسعار.

تقطن هويدا منطقة العمرانية الشعبية (في محافظة الجيزة)، ويقتصر دخل عائلتها على معاش زوجها، وبعض المدخرات، موضحةً أن «عبء العزومات يزداد كل يوم عن سابقه بسبب ارتفاع الأسعار، خصوصاً لو كان المدعوون ليسوا من المقربين ممن لا تتحرج معهم من إعداد أنواع محدودة»؛ توضح: «بعض العزومات تتطلب التنوع في الأصناف، وهذا هم ثقيل».

«الأزمة الاقتصادية تضرب قلب الحياة الاجتماعية المصرية، والمتمثلة في المائدة بما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية عميقة»، وفق الباحث الإنثربولوجي، وليد محمود، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عزومات الطعام ليست مجرد تناول وجبة، بل نسيج اجتماعي معقد يحمل معاني الكرم والضيافة والتواصل الاجتماعي».

وأضاف: «في الماضي كانت العزومات تُقام في المناسبات الدينية والاجتماعية لتعبّر عن مكانة الأسرة، لكن التضخم الحالي يعيد تشكيل العادة، فتجد الأسر نفسها مضطرةً لتقليل عدد العزومات، وتغيير نوعية الطعام المقدم، وتقليل عدد المدعوين، في تغيير يحمل تداعيات اجتماعية ونفسية عميقة».

عزومة لأسرة مصرية توازن بين لمة العائلة والتوفير (الشرق الأوسط)

حيل للتعايش

تبحث الأسر المصرية عن حيلٍ للتعامل مع عبء الأسعار، دون الحرمان من «بهجة التجمعات»، فالبعض لجأ إلى إعداد وجبات تتداخل في تكوينها اللحوم مع الخضروات مثل «الطاجن»، وتقسيم اللحوم أو الدواجن لقطع أصغر، فتبدو الكميةُ أكبر.

آخرون ابتكروا طرقاً أفضل لتعويض الأسرة صاحبة العزومة عما أنفقته خلالها، الذي قد يكلفها طعام باقي الشهر، واحدة من هؤلاء رحاب إدريس (34 عاماً) مسؤولة كتابة محتوى في إحدى شركات «السوشيال ميديا» تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الآن أي عزومة لأسرة مكونة من 3 أفراد فقط تتكلف نحو 1000 جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً) وهو مبلغ (ثقيل) على أي ميزانية، لذا لا نتحرج أنا ودوائري الصغيرة التي أتبادل معها العزومات في استبدال المواد الغذائية أو الملابس أو الأحذية بالحلويات أو الفواكه التي كنا نحضرها في السابق».

وتوضح أن «المعاناة المشتركة من الأسعار تجعلنا نحاول تخفيف آثارها على بعضنا البعض»، مشيرةً إلى أن ذلك يأتي جنباً إلى جنب مع «تقليل العزومات بشكل عام واختلاف أشكالها؛ فقبل سنوات كانت عزومةً لعيد ميلاد أو فرح تعني ضمنياً فقرة للطعام، الآن نكتفي بالحلوى».

زيادات مستمرة في الأسعار بأسواق مصرية (الشرق الأوسط)

ويُبدي الباحث الإنثربولوجي قلقاً من أن تؤدي الأزمة الاقتصادية على المدى البعيد إلى «تفكك تدريجي في النسيج المجتمعي»، قائلاً إن «العزومات كانت تلعب دوراً حيوياً في تقوية العلاقات وبناء الشبكات الاجتماعية. وتراجع هذه العادة قد يؤدي إلى تفكك تدريجي في النسيج الاجتماعي، حيث تقل فرص التواصل المباشر بين العائلات، وزيادة الشعور بالعزلة الاجتماعية، خصوصاً بين كبار السن الذين يعتمدون على هذه التجمعات للحصول على الدعم الاجتماعي والنفسي».

ولفت إلى تغير ملحوظ في «سلم القيم الاجتماعية»، «حيث تصبح القيم المادية أكثر أهمية من القيم الاجتماعية التقليدية، فقيم مثل الكرم والضيافة، تتراجع لصالح التوفير والادخار».

لكن آية، التي حُرمت من تجمع عائلتها الكرنفالي كل جمعة، تقاوم حتى لا تفقد وهج عزومات أخرى محدودة في منزلها، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إنها تعتمد على «حصالة» نجليها الصغيرين في ذلك.

تخصص الأم، وهي ربة منزل، كل شهر مبلغاً من الميزانية في الحصالة، لشراء حاجات أبنائها، وخلال العزومات كلما نقصت ميزانيتها، اقترضت أموالاً من الحصالة وتعدّه ديناً عليها أن ترده فيما بعد، وفق تعبيرها. ومع ذلك لا تُخفي قلقها من ألا تصمد حيلتها البسيطة أمام القفزات المتتالية في الأسعار.


مقالات ذات صلة

النائبات «الجميلات» يثرن جدلاً جندرياً في مصر

يوميات الشرق النائبة ريهام أبو الحسن خلال استلام كارنيه عضوية المجلس (حسابها على فيسبوك)

النائبات «الجميلات» يثرن جدلاً جندرياً في مصر

أثارت تعليقات «سوشيالية» حول «جمال النائبات» في مجلس النواب (البرلمان) المصري جدلاً جندرياً في مصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حظي خبر بيع السيارة بتفاعل «سوشيالي» (حساب المعرض على فيسبوك)

إعلان لبيع سيارة الشيخ الشعراوي يجدد حديث «مقتنيات المشاهير»

جدد إعلان لبيع سيارة امتلكها الشيخ محمد متولي الشعراوي الحديث عن مصير «مقتنيات المشاهير» بعد رحيلهم.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء، الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)

مراد وهبة «فيلسوف التنوير» يصل إلى نهاية الرحلة

بعد رحلة حافلة بالعطاء الفكري والفلسفي والنقدي المؤثر رحل، صباح الخميس، «فيلسوف التنوير المصري» الدكتور مراد وهبة عن عمر ناهز مائة عام.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق وزارة الصحة شنت حملات ضد مراكز علاجية مخالفة (يوتيوب)

مصر: حملات رقابية مكثفة على مراكز «مخالفة» لعلاج الإدمان

كثفت وزارة الصحة المصرية حملاتها ضد مراكز مخالفة لعلاج الإدمان بعد أيام من واقعتي الهروب الجماعي من أحد المراكز العلاجية

محمد الكفراوي (القاهرة )

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».