مهرجان عمّان السينمائي يختتم دورته السادسة بتوزيع الجوائز على مستحقّيها

الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان عمّان السينمائي يختتم دورته السادسة بتوزيع الجوائز على مستحقّيها

الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)
الفائزون في مهرجان عمّان السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته أمس (إدارة المهرجان)

بعد 9 أيامٍ حافلة بالأنشطة السينمائية، من عروض أفلام، مروراً بالندوات واللقاءات الحوارية وليس انتهاءً بمنصة تسويق المشروعات السينمائية، اختتم مهرجان عمّان السينمائي الدولي فعاليات دورته السادسة في العاصمة الأردنية.

من «مركز الحسين الثقافي»، حيث كان الافتتاح في 2 يوليو (تموز)، ذكّرت مديرة المهرجان ندى دوماني بهويته: «هو مهرجان متجذّر في محيطه، لكنه منفتح على العالم، وهذا ما نطمح أن يستمرّ». وما الأفلام الفائزة بجوائز «السوسنة السوداء» سوى انعكاس لتلك الهوية، وللشعار الذي رفعه المهرجان هذا العام «عالم خارج النص».

رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي ومديرته ندى دوماني برفقة فريق العمل في ختام الفعاليات (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام الروائية العربية

بحضور الأمير علي بن الحسين وزوجته الأميرة ريم علي، رئيسة المهرجان، توزّعت الجوائز على الفئات المتنافسة؛ من أفلام روائية طويلة، إلى أفلام قصيرة ووثائقية. مع العلم بأن 62 فيلماً من 23 دولة شاركت في هذه النسخة من المهرجان.

عن فئة الأفلام الروائية الطويلة، فاز «الذراري الحمر» من تونس للمخرج لطفي عاشور بـ«السوسنة السوداء». يتناول الفيلم المقتبس عن قصة حقيقية، انعكاس الإرهاب والعنف على الطفولة المهمّشة. وقد حصل الممثل الرئيسي في الفيلم الطفل علي الهلالي على تنويه خاص عن دوره. وقد تقاسمَ هذا التنويه مناصفةً مع الممثل الشاب عزّام أحمد عن دوره الرئيسي الأول في فيلم «أناشيد آدم».

المخرج التونسي لطفي عاشور متسلماً جائزة أفضل فيلم لـ«الذراري الحمر» (إدارة المهرجان)

وعن فئة الأفلام الروائية، فحاز الفيلم الفلسطيني «إلى عالم مجهول» للمخرج مهدي فليفل جائزتَي لجنة التحكيم والجمهور. ويتناول الفيلم رحلة هروب صديقَين فلسطينيَّين إلى أوروبا؛ بحثاً عن حياة أفضل، حيث يجدان نفسيهما في مواجهة تحديات وصعوبات كثيرة.

حصل الفيلم الفلسطيني «إلى عالم مجهول» على جائزتَي لجنة التحكيم والجمهور (موقع المهرجان)

أما الفيلم الأردني «سمسم»، الذي شكّل إحدى مفاجآت المهرجان، بما أنه من صناعة مواهب شابة في تجربتهم السينمائية الأولى، فقد نال تنويهاً خاصاً لأفضل كاتبة سيناريو في تجربة أولى. وسط تصفيق الجمهور، صعدت كاتبة الفيلم تمارا عويس، والمخرجة سندس السميرات إلى المسرح لتسلُّم الجائزة. وعن الفيلم ذاته، نالت الممثلة الصاعدة سجى كيلاني تنويهاً خاصاً لأفضل أداء بدور رئيسي للمرة الأولى.

ويعالج الفيلم، عبر قصة منبثقة من المجتمع الأردني، قضية الطلاق وانعكاساتها على المرأة في حياتها العائلية والمهنية. كما يتطرّق بجرأة إلى توق الأنثى إلى الحرية، بعيداً عن القيود التي يفرضها المجتمع الذكوري.

تنويه خاص لأفضل سيناريو للفيلم الأردني «سمسم» (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام الوثائقية العربية

بالانتقال إلى الأفلام الوثائقية، اختارت لجنة التحكيم «احكيلهم عنّا» للمخرجة الأردنية رند بيروتي، وقد نال الفيلم كذلك جائزة الجمهور في المهرجان. ويوثّق العمل حكاية 7 فتيات من أصول عربية وكردية وغجريّة، يقمن بشقّ طريقهنّ إلى مرحلة النضج في الريف الألماني. بحثاً عن طرق لتخطي التمييز والضغوط العائلية، تعرض تلك المراهقات مشاكلهن وأحلامهن الجامحة أمام الكاميرا.

جائزتا الجمهور ولجنة التحكيم للفيلم الوثائقي الأردني «احكيلهم عنّا» (موقع المهرجان)

ومن بين الأفلام الوثائقية التي لاقت استحساناً كبيراً في مهرجان عمّان السينمائي، «أبو زعبل 89» للمخرج المصري بسام مرتضى. يوثّق الفيلم لحكاية مرتضى الشخصية مع والده الذي اعتُقل لأسباب سياسية في سجن أبو زعبل، ثم غادر إلى النمسا بعد خروجه، تاركاً بسام ووالدته مع مجموعة من أشرطة الكاسيت والرسائل التي تروي ذكريات العائلة.

حصل «أبو زعبل 89» على تنويه خاص من لجنة التحكيم، كما نال جائزة «فيبريسي (Fipresci)»، التي يقدّمها «الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية».

المخرج المصري بسام مرتضى وتنويه خاص لفيلمه الوثائقي «أبو زعبل 89» (إدارة المهرجان)

أما جائزة «السوسنة السوداء» لأفضل فيلم وثائقي، فقد ذهبت مناصفةً إلى «أمك، أمي» من المغرب، و«نحن في الداخل» للمخرجة اللبنانية فرح قاسم.

ويتناول كلٌ من العملَين قصصاً شخصية، حيث يوثّق الفيلم المغربي لعلاقة المخرجة سميرة المزغباتي مع والدتها. بينما تعود فرح إلى طرابلس بعد سنوات من الغياب، أملاً في إعادة التواصل مع والدها عبر اللغة الوحيدة التي يؤمن بها، أي الشعر.

المخرجة المغربية سميرة المزغباتي وجائزة «السوسنة السوداء» عن أفضل وثائقي (إدارة المهرجان)

جوائز الأفلام العربية القصيرة

للأفلام العربية القصيرة حصّتها كذلك في مهرجان عمّان السينمائي، وقد نال «السوسنة السوداء» فيلم «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، وهو إنتاج مصري - سوري مشترك. أما جائزة لجنة التحكيم فحصل عليها الفيلم اللبناني «آخر أيام الصيفية» للمخرج بيار مزنّر. وقد ذهب التنويه الخاص إلى فيلم «مانجو» من مصر للمخرجة رندة علي. أما جائزة الجمهور لأفضل فيلم قصير فذهبت إلى «ونعم» للمخرج مساعد القديفي من الكويت.

جوائز الأفلام غير العربية

وفي خطوة جديدة في هذه الدورة من المهرجان، استُحدثت جوائز للأفلام غير العربية التي دخلت المنافسة للمرة الأولى. منح أعضاء لجنة التحكيم أصواتهم للفيلم السويسري «كلب قيد المحاكمة (Dog on Trial)»، بينما حصل على جائزة «السوسنة السوداء» الفيلم الأميركي «لمسة مألوفة (Familiar Touch)»، أما جائزة الجمهور لأفضل فيلم غير عربي فقد نالها فيلم الرسوم المتحركة التشيكي «حكايات من حديقة سحرية (Tales from the Magic Garden)».

على مدى 9 أيام، حاول «مهرجان عمّان السينمائي الدولي - أول فيلم» أن يتلاقى مع شعاره ويروّض عالماً خرج عن نصّه وعن طَوره. لم يكتفِ بعرض أفلامٍ ذات محتوى إنسانيّ عالٍ، بل خلق مساحاتٍ للتشبيك واللقاء والبساطة بين صنّاع الأفلام والمهتمّين بالشأن السينمائي من العالم العربي والعالم، من دون تكلّفٍ ولا بهرجة.

قبل أن تختمَ المهرجان واعدةً بتجديد اللقاء العام المقبل، تستذكر ندى دوماني عبارةً قالها أحد الضيوف ولم تسقط سهواً في أذنها: «This is a festival with a heart (هذا مهرجانٌ ذو قلب)».


مقالات ذات صلة

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

الفيلم يقدّم رحلة امرأة عالقة داخل نظام عمل ضاغط، تحاول الموازنة بين متطلبات متناقضة، في عالم لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف أو الاختيار.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقُّف مشروعات عدّة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم الافتتاح «قبلة كهربائية» (ملف «كان»)

مهرجان «كان» يكشف عن دورته الجديدة ويؤكد: السينما للبشر لا للذكاء الاصطناعي

لن يسمح مهرجان «كان» للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)

«إشعار بالموت»... بطولة سينمائية أولى وأخيرة لبهاء الخطيب

يسجل الفيلم السينمائي المصري «إشعار بالموت» البطولة الأولى والأخيرة لبطله الممثل الشاب بهاء الخطيب الذي تُوفي في أغسطس الماضي.

أحمد عدلي (القاهرة )

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
TT

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول «أتفهم استياءكم»، الذي عُرض ضمن قسم «البانوراما» في «مهرجان برلين السينمائي»، يذهب المخرج الألماني كيليان أرماندو فريدريش إلى منطقة شديدة الحساسية، عبر عالم شركات التنظيف بكل ما يحمله من تناقضات أخلاقية وضغوط نفسية وعلاقات قوة خفية. غير أن الفيلم، كما يؤكد مخرجه لـ«الشرق الأوسط»، ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة ظلّت ترافقه لأكثر من عقد.

يقول فريدريش إن البذرة الأولى تعود إلى سنوات ما بعد المدرسة، حين عمل لفترة في قطاع التنظيف قبل دخوله الجامعة. ولم يكن قد نشأ في هذا الوسط، لكنه اصطدم سريعاً بتعقيداته. ويتذكر كيف كانوا ينظفون مسابح ومكاتب، وحتى مصنع شوكولاته، وكيف لفتت انتباهه شخصية «مديرة الموقع» التي كان يعمل تحت إدارتها.

ويضيف أنها كانت شخصية تتحرك بين عوالم متعددة: العمال، والإدارة، والزبائن، والجداول الزمنية الصارمة. وخلال هذه التجربة القصيرة، تحوّلت بمرور السنوات إلى سؤال ملحّ: ما طبيعة هذا النظام الذي يقوم أساساً على خفض الأسعار إلى أقصى حد، حتى لو كان الثمن هو الإنسان نفسه؟ موضحاً أن نشأته في منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا، عُرفت تاريخياً بصناعات الفحم والصلب، أثّرت أيضاً في نظرته.

كما أوضح أنه عاش طفولته في ظل خطاب «الأيام الخوالي الجميلة»، بعد أن أغلقت تلك الصناعات أبوابها. ومن هنا بدأ اهتمامه بكيفية تحوّل الاقتصادات الصناعية إلى اقتصادات خدمية، وبالثمن الاجتماعي لهذا التحول.

وأكد المخرج الألماني أن الفيلم لا يسعى إلى تحويل هذا السياق إلى محاضرة سياسية، بل إلى جعله محسوساً عبر تجربة شخصية محددة، لافتاً إلى أن بطلة العمل امرأة في الـ59، تعمل مديرة موقع في شركة تنظيف، وتجد نفسها عالقة بين مطالب متناقضة: إرضاء الزبائن، وتنفيذ أوامر الإدارة، وحماية فريقها.

المخرج الألماني كيليان فريدريش (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حين يهدد متعهد قوي بسحب دعمه ما لم تمنحه مزيداً من ساعات العمل، تضطر إلى مواجهة خيار قاسٍ: التضحية بأحد موظفيها. وهذه اللحظة الدرامية، كما يقول فريدريش، ليست سوى ذروة سلسلة من «ردود الفعل» اليومية التي يولدها نظام عمل ضاغط لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف.

ويشير إلى أن السيناريو بدأ يتشكل قبل أكثر من 10 سنوات، بالتعاون مع مديرة موقع كان يعرفها عن قرب. وكانا يخططان لكتابة الفيلم معاً، قبل أن تُقدم على الانتحار بشكل مفاجئ. ويؤكد أن هذه الحادثة تركته في صدمة عميقة، ودفعته إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته الصراعات الأخلاقية اليومية في تدهور حالتها النفسية.

ويقول المخرج الألماني إن «هذه الخسارة جعلت المشروع أكثر إلحاحاً، ليس بوصفه تكريماً شخصياً فحسب، بل بوصفه محاولة لفهم بنية عمل تفرض على الإنسان أن (يفهم الجميع) من دون أن يُسمح له بأن يُفهَم». ويضيف أن كثيرين في هذا القطاع يجدون أنفسهم في مشكلات نفسية نتيجة العزلة وضغط الوقت.

وكان اختيار العمل مع ممثلين غير محترفين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية. إذ تؤدي الدور الرئيسي سابين تالاو، التي عملت في القطاع لمدة 15 عاماً. وقد تعرّف إليها عبر منتديات إلكترونية خاصة بالعاملين في التنظيف، بعد بحث ميداني طويل شمل مرافقة مديري مواقع في أيام عملهم وتوثيق أحاديثهم.

ويقول كيليان أرماندو فريدريش إن سابين أُعجبت فوراً بفكرة الفيلم، لأن الشخصية عكست كثيراً من تجربتها الخاصة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن نسخة منها، مشيراً إلى أنه عمل على دفعها لمواجهة جراح شخصية، مع التخلّي عن ابتسامتها، وهو ما استدعى تدريباً تمثيلياً مكثفاً، لأن المطلوب كان نقل إحساس بالاختناق والركض اللاهث، لا تقديم صورة امرأة متفائلة.

عمل المخرج في مجال التنظيف شجعه على خوض التجربة (الشركة المنتجة)

على المستوى البصري، اختار فريدريش الاقتراب الجسدي الشديد من البطلة؛ فالكاميرا المحمولة باليد تلازمها، وتكاد تلتقط أنفاسها. ويشرح أن هذا القرب ليس بحثاً عن إثارة بصرية، بل محاولة لرفض المسافة التلصصية. فهو يريد للمشاهد أن يُلقى داخل التجربة، لا أن يراقبها. لذلك تقرر منذ البداية تصوير كل مشهد في لقطة واحدة، مع تقليل التلاعب بالزمن داخل المشهد، حتى يُعاش الضغط كما هو.

ويشير المخرج الألماني إلى أن اسم الفيلم «أتفهم استياءكم» عبارة مهنية باردة، تُعد شكلاً من أشكال «التعاطف الدفاعي» الذي يسمح بالحفاظ على مسافة آمنة، لافتاً إلى أن «البطلة مطالبة بأن تفهم الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنخرط عاطفياً بالكامل، لأن التعاطف الحقيقي قد يعني ضرورة تغيير الشروط القائمة، وهو أمر يتجاوز قدرتها الفردية». ومن هنا ينشأ سلوكها المتناقض؛ فهي ليست بطلة مثالية ولا شريرة صريحة، بل امرأة تحاول النجاة داخل نظام قبلت به، وتبحث عن هامش صغير للفعل.

ويرفض فريدريش وضع شخصيته في موقع أخلاقي ثابت، مؤكداً أنه تعمد إدراج مواقف تكشف وجوهاً متعددة لها، بحيث تتحرك بين المسؤولية والضغط والتواطؤ. ويضيف: «ألسنا جميعاً نحاول، بطريقتنا، أن نتدبر أمورنا داخل ظروف مفروضة علينا؟»، عاداً أن قوة الشخصية تكمن في هشاشتها وقدرتها على الاحتمال، لا في بطولة صاخبة.


أميركي يبلغ 102 عاماً ولا يزال يعمل في صناعة الفخار

حين نحبّ ما نفعل... لا نتوقَّف (إنستغرام)
حين نحبّ ما نفعل... لا نتوقَّف (إنستغرام)
TT

أميركي يبلغ 102 عاماً ولا يزال يعمل في صناعة الفخار

حين نحبّ ما نفعل... لا نتوقَّف (إنستغرام)
حين نحبّ ما نفعل... لا نتوقَّف (إنستغرام)

من المثير للدهشة أن يرى المرء رجلاً مثل جورج ستراوسمان من قرية غريت نيك في نيويورك بهذا النشاط، وهو يبلغ مائة وعامين. وصرَّح ستراوسمان: «أشعرُ بأنني بحال جيدة». ولا يزال يعمل 4 أيام في الأسبوع في أعمال عائلته في مجال البناء. ورغم أنّ ذلك أمر مذهل، فإنّ هذه ليست القصة التي نرويها. عوضاً عن ذلك، جاءت «سي بي إس نيوز» إلى غريت نيك بسبب ما يفعله ستراوسمان خلال يوم عطلته الأسبوعية.

كان ستراوسمان، طوال السنوات الـ10 الماضية، يشارك في صفّ لتعلُّم صناعة الأواني الفخارية، وقال: «لطالما عملت بيدي، وكان هذا ممتعاً، وتتضمَّن إجادته تحدّياً أيضاً». وهو تحدٍّ يقول عنه روزالي دورنستاين، معلّمه في برنامج التعليم المجتمعي بمدرسة «غريت نيك فري يونيون» في المنطقة، إنه نجح فيه تماماً. وأضاف دورنستاين: «المذهل أنه لا يزال، وهو في عمر المائة واثنين، يريد أن يتطوَّر ويُحسّن أداءه».

بالنسبة إلى ستراوسمان، ومثل كثير من الفنانين الآخرين على اختلاف مستوياتهم المهارية، أصبح الإبداع التزاماً روحياً، وسعياً نحو معنى أعمق وجمال أكبر. إنه يُمثّل رحلة سعي لا نهاية لها.

وتقول نانسي، زوجة ستراوسمان، إن زوجها يجلب معه إلى المنزل كلّ أسبوع قطعة جديدة لا تُعجبه. واليوم، توجد مئات القطع المرفوضة في خزائن خشبية وداخل صناديق من الورق المقوَّى. وتشهد كلّ قطعة منها على إصراره الذي لا يفتر وتفاؤله الذي لا ينتهي.

وقال ستراوسمان: «ربما، يوماً ما، سأكون ماهراً بدرجة كافية تجعلني أشعر بالرضا. لا أزال غير راضٍ عن مستوى ما أفعله».

دائماً ما يبحث الجميع عن سرّ الحياة الطويلة السعيدة، لكن في حالة ستراوسمان، على الأقل، تبدو الإجابة واضحة: «لا يمكن مغادرة الأرض حتى تنتهي من عملك». ويقول إنه عندما يبدع أخيراً شيئاً يعتقد أنه جميل، فسوف «يكون شعوراً رائعاً».


«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)
حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)
TT

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)
حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح في أمستردام. واكتشفت بريانا أولسون، وهي أم لثلاثة أبناء، منذ نحو سنتين ونصف السنة إصابتها بمرض التصلُّب الجانبي الضموري، وهو الشكل الأكثر شيوعاً لمرض العصبون الحركي، الذي يؤدّي إلى ضعف العضلات ويؤثّر بمرور الوقت على التحدُّث والبلع والتنفُّس، ولا يوجد علاج معروف له.

ومع ذلك، تمكن الباحثون، باستخدام مستشعرات لقياس النشاط الكهربائي المنقول من دماغها، من تحويل إشاراتها الحركية إلى شخصية «أفاتار» رقمية. وقالت بريانا في مقابلة مع محطة «بي بي سي نيوز» إنها كانت تشعر بـ«البهجة» و«السحر» عند رؤية نفسها تعتلي خشبة المسرح مرّة أخرى بشكل افتراضي. وتقيم بريانا في مدينة تاكوما بولاية واشنطن، وتتدرَّب على فنّ رقص الباليه والرقص المعاصر ورقص الجاز منذ طفولتها.

ويؤثّر مرض العصبون الحركي على الأعصاب الموجودة في الدماغ والعمود الفقري، اللذين يسيطران على حركة العضلات. ومع ضعف العضلات وتصلُّبها بمرور الوقت، يمكن أن يؤثّر المرض في السير والتحدُّث وتناول الطعام والتنفُّس. وقالت: «لم أحلم بأنني قد أتمكَّن من الرقص على خشبة المسرح مرّة أخرى. لقد كانت لحظة جميلة ولا تُنسى، سأتذكرها لباقي سنوات حياتي».

ووُصف الأداء، الذي شهده مسرح المكتبة المركزية في أمستردام في ديسمبر (كانون الأول)، وقتها بأنه «الأول من نوعه». وقد شهد استخدام بريانا لسماعة جهاز تخطيط كهربية الدماغ، من ابتكار «دنتسو لاب»، وهي شركة تكنولوجيا يابانية، بالتعاون مع شركة «إن تي تي» للبيانات، لرصد نشاط دماغها وإشارات حركة محدّدة مرتبطة بتصوُّر حركات رقص معيّنة.

وتترجم واجهة موجات الدماغ تلك الإشارات إلى تعليمات حاسوبية، ثم تتيح لها تحديد أي من تلك الحركات تريد لشخصية «أفاتار»، ضمن بيئة واقع مختلط، أن تؤدّيها في الوقت الفعلي. ويُعد هذا جزءاً من توجُّه أوسع يستكشف فيه العلماء حلولاً تكنولوجية لمساعدة المصابين بتدهور في القدرات البدنية أو الذهنية على الاستمتاع بهواياتهم والمشاركة في البيئات المادية.

بدوره، قال نولاند أربو، أول إنسان زُرعت له شريحة دماغ من خلال شركة «نيورالينك» المملوكة لإيلون ماسك، لـ«بي بي سي» سابقاً إن الجهاز أتاح له لعب الألعاب الإلكترونية مرّة أخرى. وعلى الجانب الآخر، قالت إيفون جونسون (58 عاماً) مؤخراً إنّ أدوات الصوت المدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدتها في استعادة جزء من هويتها. وقالت بريانا إنه بعد استكشاف حلول تمكّنها من تحديد حركات «أفاتار» راقص، تعتقد أن هذه التكنولوجيا «تحمل فرصاً لذوي الإعاقات».

طريقة جديدة للتعبير

وصرَّحت بريانا لـ«بي بي سي» بأنها تعرّفت خلال المشروع على تكنولوجيا «فريدة»، لكنها «تتضمَّن تحدّياً». وقالت: «عليك عزل عضلاتك والضوضاء من حولك، والتركيز على جانبك الداخلي». ومع ذلك، ورغم التحدّيات، قالت إنّ التجربة ساعدت في إعادة ترسيخ الشعور بالتعبير والاتصال الذي تآكل بسبب حالتها الصحية. وأوضحت: «إنها طريقة جديدة للتعبير. إن التمكُّن من الحركة بطريقة جديدة ومختلفة أمر محرِّر».

ويُعد المشروع، الذي يُسمى «موجات الإرادة»، جزءاً من مبادرة أكبر تستهدف استكشاف كيف يمكن للابتكار والتكنولوجيا أن تساعد المصابين بأمراض تسبب تدهوراً في القدرات، مثل التصلُّب الجانبي الضموري، على استعادة القدرة الشخصية على التعبير والهوية والمشاركة.

وصرّح مسؤول الإبداع في شركة «دنتسو لاب»، ناوكي تاناكا، لـ«بي بي سي»: «هناك كثير من الوسائل التكنولوجية والبحوث المرتبطة بموجات الدماغ حول العالم، لكن معظمها مُكلف جداً وغير متاح للجميع». وأضاف: «لهذا السبب تحديداً أطلقنا مشروع (موجات الإرادة) لتطوير واجهة جديدة لموجات الدماغ».

وقالت ماريكو ناكامورا من شركة «إن تي تي» إنها تعتقد بإمكانية تطوير هذه التكنولوجيا لتناسب أجهزة أخرى، مثل الكراسي المتحرّكة أو أجهزة التحكُّم عن بعد.

كذلك تريد بريانا أن تترك أثراً في العالم؛ إذ صرَّحت لـ«بي بي سي» بأنها ترغب في مساعدة الآخرين المصابين بالمرض نفسه ومنحهم «أملاً». وقالت إن تجربتها أوضحت لها مدى قوة العقل، مضيفة: «يمكننا القيام بأكثر مما نعتقد أننا قادرون على فعله».