«سنوات مع الباستيل» يحتفي بالهوية المصرية

معرض تشكيلي للفنان محمد غانم يضم 70 لوحة

معرض «سنوات مع الباستيل» يبرز تجربة محمد غانم مع الوسيط الفني
معرض «سنوات مع الباستيل» يبرز تجربة محمد غانم مع الوسيط الفني
TT

«سنوات مع الباستيل» يحتفي بالهوية المصرية

معرض «سنوات مع الباستيل» يبرز تجربة محمد غانم مع الوسيط الفني
معرض «سنوات مع الباستيل» يبرز تجربة محمد غانم مع الوسيط الفني

«سنوات مع الباستيل» للدكتور محمد غانم من المعارض النادرة المُخصصة لرسومات وألوان الباستيل لفنان مصري، وهو كذلك من المعارض القليلة للغاية المتخصصة في استخدام وسيط فني بعينه.

ويقدم الحدث المقام في غاليري «ضي» الزمالك نحو 70 لوحة، تمثل نظرة ثاقبة على هذا الوسيط الذي لا يشغل المساحة الملائمة له في المشهد التشكيلي المصري، وربما العالمي أيضاً.

ويكشف لنا تاريخ الفن عن أن القرن الثامن عشر يعدّ العصر الذهبي للباستيل، وعلى الرغم من أنه قد تراجع في زمن الثورة الفرنسية، فإنه شهد انتعاشاً بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، حيث اتسع نطاق ألوان الباستيل المتاحة بشكل كبير، من حيث درجات الألوان والملمس؛ ما فتح الباب أمام جميع أنواع التجارب والممارسات.

التشكيلي المصري محمد غانم

ويشكل الباستيل أهمية كبيرة في أعمال مجموعة من الفنانين المعروفين، منهم الفرنسيون أوغست رينوار، وهنري دي تولوز لوتريك، وأوديلون ريدون، وغوستاف مورو، والأميركية ماري كاسات، والسويسري بول كلي، كما يبرز اسم الفنان الراحل محمد صبري رائد الباستيل في مصر.

ويتكون الباستيل من أصباغ نقية، ويستقر معلقاً على حبيبات الورق، أو القماش، وتعدّ هشاشته والاهتزاز الناتج من استخدامه هما ما يخلقان جماله؛ فهو وسيط متعدد الأوجه، يشمل جميع التعديلات الممكنة، من التمويه الضبابي إلى التظليل المتقاطع الأكثر قوة.

معرض «سنوات مع الباستيل» يبرز تجربة محمد غانم مع الوسيط الفني

ومن خلال أعمال غانم ومع استرجاع سنواته مع الباستيل في أحدث معارضه الفردية تستطيع أن تستشعر إلى أي مدى تمثل هذه الخامة وسيطاً مثالياً لتسجيل الأحاسيس البصرية، وألوان الطبيعة المنعشة، وتأثيرات الضوء الخاطفة.

فبينما يستمتع المتلقي باحتفاء الفنان بالطبيعة والمناظر الخلابة، والحارة المصرية والشواطئ، يستوقفه في الوقت نفسه دور الباستيل في تحقيق تأثيرات بصرية مدهشة باللوحات.

وحول سنواته مع هذا الوسيط، يقول الدكتور محمد غانم لـ«الشرق الأوسط»: «سحرني الباستيل منذ بداية استخدامي له أثناء دراستي بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وفي بداية حياتي الفنية جربت مختلف الخامات بطبيعة الحال، ومنها القلم الرصاص، لكن كان دوماً أعود إلى الباستيل، إلى أن أصبح الوسيط الأساسي لدي».

سيدة على شاطئ البحر (الشرق الأوسط)

وأشار غانم إلى أنه التحق بقسم الغرافيك تخصص حفر ورسم لكي يتعلم الأصول الأكاديمية، ويكتسب المهارة اليدوية: «أتذكر جيداً أن أول عمل بتوقيعي في لوحة من الباستيل كان في 6 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1996 ثم توالت الأعمال، وتوالت المراحل الفنية في حياتي».

وخلال مختلف مراحله الفنية كان الباستيل مرافقاً له، وهو ما يكشف عنه المعرض؛ حيث تتنقل معه من البيئة الشعبية التي تأثر فيها بنشأته في حي شبرا بالقاهرة إلى شواطئ الإسكندرية (شمال مصر)، ونهر النيل في أسوان (جنوب مصر)، فضلاً عن البحيرات في مختلف أنحاء الوطن.

انشغل بتجسيد الصبا والجمال في عروس المولد (الشرق الأوسط)

وعن حياته يقول غانم: «ولدت ونشأت في شبرا بالقاهرة، ذلك الحي الأصيل الذي ما زلت أعيش فيه إلى الآن؛ حيث تمتد علاقتي به إلى 59 عاماً هي سنوات عمري، ومن هنا فإنني أهتم بتجسيد تفاصيل الحارة المصرية، على أصولها، وليس بشكل ظاهري دعائي أو سياحي ترويجي»، مضيفاً: «يشغلني الجانب الإنساني فيها؛ حيث أهتم بعلاقة البشر بالمكان، وبالمهمشين والفقراء خصوصاً، كما أقدم مشاهد صادقة وواقعية من الحياة اليومية بها».

من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

أما عن ولعه بالبحر والنيل، فيقول: «يجسدان مصر الخصبة، التي تزخر بالحياة والحضارة، حيث الحركة والعمل، والنماء؛ ولذلك أهتم برسم الصيادين والمراكب ولحظات غنية بالسعي وراء الرزق».

وبأسلوب معاصر قدم الفنان مجموعة لوحات لـ«عروسة المولد» التي خُصص لها قاعة كاملة في الغاليري، جاءت برؤية جديدة غير تقليدية: «أستطيع القول إنني تناولتها في لوحاتي بمنظور حداثي، يجسد الجمال والصبا، وكأنها شخصيات حقيقية (من لحم ودم)».

البحر وعشاقه... لوحة تجسّد مشهداً صيفياً في عروس المتوسط (الشرق الأوسط)

وجاء اهتمام الفنان بالعرائس امتداداً لعشقه لمصر، على حد تعبيره: «إنها رمز من رموز الفن في مصر؛ فهي أيقونة احتفالية مصرية خالصة، ليست مأخوذة أو متأثرة بأي فنون أو حضارات أخرى، نعم إنها ولدت في الدولة الفاطمية، لكن كان ذلك في مصر، وبإبداع مصري مجرد»، حسب غانم.

كما يضم المعرض مجموعة أعمال تجريدية؛ فقد بدأ غانم الاتجاه إلى هذا القالب عام 2016: «رغم اهتمامي بهذا الأسلوب العالمي مؤخراً، فإن مُشاهد أعمالي يلمح روح مصر فيه! إن اهتمامي بوطني في كل أعمالي حتى التجريدية إنما أراه نوعاً من الوفاء بالجميل».

لوحة من مجموعة «المدينة القديمة» للفنان محمد غانم (الشرق الأوسط)

وهكذا يكشف المعرض الممتد حتى 13 يوليو (تموز) كيف كان الباستيل مرافقاً للفنان خلال مختلف مراحله الفنية: «تمسكت به لأنني وجدت فيه روحانية ومرونة وطواعية وإحساس فريد بقدر لا يتوافر في أي وسيط آخر من وجهة نظري، فهو وسيلة مفضلة لدى كثير من الفنانين، يتيح لهم تنوعه إضفاء الحيوية على الموضوعات على السطح بطريقة معبرة، مع الحفاظ على الدقة».

لكن على الرغم من ذلك، فإن هذه الخامة المشحونة بالقوة الروحية والبصرية والدرامية للألوان قد تفتقد إلى الاهتمام الكافي بها، على سبيل المثال لم يعرف الكثيرون من عشاق الفن أن كلود مونيه رسم ما يصل إلى 108 لوحات باستيل، معظمها أعمال مكتملة.

عبَّر عن عروس المولد برؤية حديثة (الشرق الأوسط)

لكنها تعرضت لتهميش مماثل للوسيط نفسه في تاريخه، إلى أن ساهم معرض «مونيه المجهول» عام 2007 في تسليط الضوء عليها؛ فقد كان أول معرض مُخصص لرسومات وألوان الباستيل للفنان العالمي.

وحول هذا يقول غانم: «لا أستطيع القول إنه وسيط مُهمش، أو لم ينل المكانة التي يستحقها؛ فالأمر يتطلب دراسة، لكنني أرى بشكل عام أن استخدام وسيط ما دوماً يتعلق بالفنان نفسه، وإحساسه، وتعلقه، وارتياحه له».


مقالات ذات صلة

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)