تنشغل مؤسسات وجمعيات عديدة في لبنان اليوم بالصحة النفسية لمختلف شرائح المجتمع. من بينها من ينظّم صفوفاً خاصة بالأطفال، يرسمون فيها ويستمعون إلى الموسيقى للتزود بطاقة إيجابية؛ وآخرون يقدمون جلسات علاج عبر خشبة المسرح للرجال والنساء، تنعكس على مرتاديها راحة نفسية.
أما أحدث الصفوف العلاجية من خلال الفن، فقد برزت مؤخراً عبر تنظيم جلسات موسيقى وغناء مخصصة للنساء فقط، ومعظمهن ربّات منازل، أو جدّات، وأمهات يعانين من القلق وهموم أخرى.
ويُعدّ مركز «ميوزك تيرابي باي ريم» من بين المراكز التي تهتم بتزويد النساء بفسحة أمل من خلال الموسيقى.
تقف وراء هذه الفكرة وتطوّرها ريم أتات، وقد باتت اليوم تجذب النساء من عمر 35 إلى 65 عاماً، فتنظّم لهن جلسات غناء يرددن فيها أغنيات زكي ناصيف، وفيروز، وصباح، ووداد، وغيرهم. فالعنوان العريض الذي تنطلق منه هذه الجلسات هو «الأغنيات القديمة»، وهي بمثابة غذاء للروح يُسهم في تجديد طاقة النساء.
تعلّق ريم لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «راودتني الفكرة العام الماضي أثناء حرب لبنان الأخيرة. عشنا وقتها أياماً عصيبة نتج عنها حالات إحباط وكآبة. ومع انتهاء تلك الحرب قررت الانتفاض على أحزاني باستخدام الموسيقى والغناء، وحين لمست تحسناً في صحتي النفسية، عزمت على توسيع الفكرة لتشمل نساء أخريات».

وبالفعل، بدأت ريم منذ فبراير (شباط) الماضي بتنظيم جلسات غناء، وهي عبارة عن صفٍّ مدته نحو 90 دقيقة، يُضاف إليه وقت للاستراحة وتناول القهوة والمقبلات.
تتجمّع النساء في هذا الصف حاملات كراسات تحتوي على كلمات الأغنيات التي يعزفها أحد الموسيقيين. وما إن تعطي ريم إشارة البدء، حتى يبدأ الفنان بعزف أغنيات لبنانية ملوّنة بأخرى شعبية من مصر. وتوضح ريم أتات في سياق حديثها: «نستمع إلى أغنيات لعمالقة الفن الراحلين، من بينهم وردة، وعبد الحليم، وأم كلثوم. غير أن القسم الأكبر من الجلسة مخصّص للأغنيات اللبنانية القديمة».
تُخرج المشاركات في هذه الجلسات كلّ التشنجات ومشاعر القلق التي يحملنها نتيجة ضغوط حياتية يواجهنها. وتعلّق ريم: «بعضهن يشعرن بالفراغ العائلي بعد فقدان زوج أو ابن، وبعضهن يقصدن هذه الصفوف للاستمتاع بوقت خاص بهن، بعيداً عن روتين يومي مملّ في منازلهن».
تحافظ ريم على خصوصية هذه الجلسات، إذ يُمنع دخول غير المسجّلين فيها، إذ ترى أنه من الضروري ألّا تواجه النساء ما يُعكّر صفو جلستهن أو يُضعف حماسهن.
وتشير ريم إلى أن نساء من دول عربية مختلفة يَفِدن للانضمام إلى هذه الجلسات، وتتابع: «قريباً جداً سنعمل على تنظيم جلسات خاصة بالأغنية الخليجية».
من جهتها، تشير المعالِجة النفسية الدكتورة سهير الهاشم إلى أن هذا النوع من العلاجات يشق طريقه بقوة في الفترة الأخيرة، ويجد فيه الملتحقون أسلوباً حديثاً للشفاء والتمتع بصحة نفسية جيدة. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الهدف من هذه الجلسات هو تخفيف التوتر والتعبير عن المشاعر بطريقة مختلفة، والغناء كغيره من الفنون يُسهم في ذلك، كما أنه يزوّد صاحبه بطاقة إيجابية. ولا بدّ من الإشارة إلى أنه ليس بديلاً عن الطب النفسي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية صعبة».
وتتابع: «هذا النوع من العلاج يختلف من شخص إلى آخر، حسب المشكلة التي يعاني منها، وهو شبيه بالعلاج المسرحي وغيره من أنواع العلاج بالفن. ويُدار من قبل مختصّين، لا مجرد هواة. كما أن هذه الجلسات تولّد تواصلاً بين أفراد المجموعة، وتُسهم في إفراز هرمونات السعادة. فالإنسان يتواصل مع جسده ونفسه وصوته من خلال الغناء، كما أن وجود أشخاص داعمين من حوله يُبعد عنه شبح الوحدة».












