كنوز مخفية في باريس

متاحف لم يسمع بها حتى الكثير من أهل مدينة النور

كنوز مخفية في باريس
TT

كنوز مخفية في باريس

كنوز مخفية في باريس

باريس مدينة المتاحف، حيث يوجد فيها ما يقرب من 150 متحفاً حسب إحصاءٍ غير رسمي. إلى جانب المتاحف الكبرى المملوكة للدولة - مثل متحف اللوفر ومتحف أورسيه وفرساي (إذا ما اعتبرنا القصر متحفاً) - هناك متاحف مجانية تابعة للمدينة (من بينها متحف القصر الصغير ومتحف كارنافاليه)، ومتاحف مخصصة لفنان واحد (أوغست رودان، وبابلو بيكاسو)، وكاتب واحد (أونوريه دي بالزاك، وجورج ساند)، وموضوع واحد (العطور، وأوراق اللعب)، وحتى نشاط واحد (التزوير، والتدخين). لكن بعض المجموعات الأكثر إثارة للاهتمام قد تكون تلك التي لم تسمع بها من قبل، والمخبأة في أماكن سرية. إليك ثلاثة متاحف لم يسمع بها حتى الكثير من أهل باريس.

يوجد في باريس ما يقرب من 150 متحفاً (نيويورك تايمز)

قاعة الاستشارة للمطبوعات والرسومات في متحف اللوفر

في أقصى نهاية متحف اللوفر المترامي الأطراف، يوجد جناح صغير حميمي لا يزوره الكثيرون: غرفة الاستشارة التابعة لقسم الفنون التصويرية، التي يحرس مدخلها أسدان حجريان، وتطل على حديقة كاروسيل المجاورة لحديقة التويلري. هناك يمكنك مشاهدة أعمال بعض أشهر الفنانين في العالم عن قرب، خارج إطاراتها، للمدة التي تريدها. لا يُعلن متحف اللوفر عن كيفية زيارة غرفة الاستشارة. يضم القسم ما يقرب من ربع مليون رسم، ورسومات بالباستيل، ومنمنمات، ومطبوعات، ولوحات محفورة، وكتب نادرة، وتوقيعات، ونقوش خشبية، وأحجار حجرية، ومخطوطات، معظمها لم ير النور قط.

تتطلب زيارة هذه القاعة المثابرة. يجب عليك تقديم طلب باللغة الفرنسية، من خلال موقع متحف اللوفر على الإنترنت، للحصول على موعد مع ذكر اسم ورقم ما يصل إلى 10 حافظات من الكتالوج الإلكتروني للمتحف. ثم تنتظر قبولاً كتابياً، يُرسل عادة في غضون أيام قليلة. يمكنك إحضار دفتر ملاحظات أو كمبيوتر محمول أو كاميرا أو هاتف محمول، ولكن يجب تخزين المتعلقات الأخرى في خزانة. سيتم تزويدك بقلم رصاص من دون ممحاة. إذا كنت ترغب في فحص ألبومات نادرة أو منمنمات على الخشب، فسوف يزودونك بقفازات مطاطية. تبدو غرفة الاستشارة أشبه بمكتبة فخمة أكثر من كونها معرضاً. تروي أربعة نقوش بارزة مقوسة ومنحوتة في الجدران، قصة انتصار فلورا، إلهة الزهور والحدائق والخصوبة في العصر الروماني القديم. كذلك تحتفي لوحة بيضاوية على السقف من تصميم ألكسندر كابانيل بمهرجان فلورا الانتصاري في الربيع. يتدفق الضوء من خلال نوافذ زجاجية ملونة بارتفاع 10 أقدام تطل على نهر السين. تجلس على طاولة مغطاة بالجلد مضاءة بمصباح بغطاء زجاجي أخضر. يخرج أحد الموظفين أحد الصناديق السوداء التي يتم حفظها في خزائن مغلقة تصطف على جوانب الغرفة، ويفتحها ليكشف عن رسومات غير مؤطرة مغطاة بورق مقوى ثقيل، ويُخرج لك الرسم الذي اخترته، ويضعه على حامل على الطاولة. ذات يوم، طلبت رؤية بعض أعمال أوجين ديلاكروا. اخترت 10 رسومات وأعمال تخطيطية بالألوان المائية والقلم والحبر، وعُرضت عليّ عدة أعمال، بما في ذلك لوحة ديلاكروا «فناء في طنجة»، التي تظهر سلماً وخيمة. وعرضت لوحة أخرى ست نساء ذوات عضلات مفتولة؛ وكانت تظهر على الورقة بعض البقع البنية والصفراء التي تسببت فيها جراثيم العفن منذ زمن بعيد.

قاعة الاستشارة للمطبوعات والرسومات في متحف اللوفر (نيويورك تايمز)

شاهدتُ، خلال زيارة أخرى، مجلداً جلدياً يحتوي على نقوش ألبريشت دورر عن آلام وموت المسيح. كان الكتاب موضوعاً على قطعة لباد حمراء، ووسادة بيضاء تدعم ظهره. همس لي أحد مسؤولي متحف اللوفر قائلاً: «ليس عليك أن تكون مؤرخاً فنياً أو أستاذاً لتأتي إلى هنا. ما عليك سوى أن تكون عاشقاً جاداً للفن. إننا نرحب بالجميع من جميع أنحاء العالم!».

متحف دينيري

في 59 شارع فوش، الذي يُعدّ أحد أعرق شوارع باريس التاريخية، يقع قصر نيوكلاسيكي من القرن التاسع عشر، بقي على حاله إلى حد كبير لمدة 150 عاماً. تُصدر أرضيات الباركيه المجرية أزيزاً واضحاً؛ ويجب فتح النوافذ الهشة بحذر؛ ونادراً ما يتم تشغيل التدفئة خلال فصل الشتاء. القصر مكتظ بأكثر من 8000 قطعة صينية ويابانية من مجموعة كليمانس دينيري، وهي جامعة شديدة التوق للفنون الآسيوية. يُدار متحف دينيري بواسطة متحف غيميه المملوك للدولة منذ عام 1908، وقد أعيد فتحه بصورة متقطعة منذ عام 2011 لمجموعات صغيرة لبضع ساعات في الأسبوع. ولأجل الزيارة، لا بد من التسجيل عبر الإنترنت.

متحف دينيري القصر مكتظ بأكثر من 8000 قطعة صينية ويابانية (نيويورك تايمز)

ولدت دينيري عام 1823 في عائلة ثرية، وكانت تتمتع بروح حرة. أثناء انفصالها القانوني عن زوجها الأول، أصبحت عقيلة أدولف فيليب دينيري، وهو كاتب مسرحي وروائي، ثم تزوجته في النهاية. لم تطأ قدمي كليمانس دينيري أرض آسيا على الإطلاق. بدلاً من ذلك، حصلت على مقتنياتها من خلال عشرات التجار في فرنسا. مع اتساع مجموعتها، استخدمت أموالها الخاصة في بناء القصر بالقرب من غابة بولون. وأصبح القصر صالوناً مهماً في باريس، حيث كان الممثلون والكتاب والسياسيون والفنانون يأتون بعربات تجرها الخيول للقاء بها ومشاهدة مجموعتها. قالت المؤرخة الفنية والمرشدة فيرونيك كرومبي: «كانت تجمع كل ما تريده، كل ما يعجبها. لم تتظاهر قط بأنها خبيرة». لم تُنجب دينيري أطفالاً، فأوصت بمنزلها ومجموعتها الفنية لصالح الدولة الفرنسية لتكون متحفاً عاماً، شريطة أن تبقى كل القطع كما هي. ولم تبقَ لها أي صورة.

قطع آسيوية في متحف دينيري (نيويورك تايمز)

بفضل ترميم جزئي جرى قبل بضع سنوات، تتألق «خزانة التحف» الفخمة في الطابق الثاني كما كان الحال في أيام «لا بيل إيبوك». تضم ثلاث صالات عرض، ذات أسقف مرتفعة وأعمدة رخامية وثريات كريستالية، خزائن مليئة بمختلف القطع: صناديق مطلية بالورنيش، وخزف مطلي بالمينا، وأحجار كريمة منحوتة، ومخلوقات صينية خيالية تُعرف باسم «كيميرا»، وأقنعة مستوحاة من مسرح «نوه» (وهو شكل من أشكال الرقص الدرامي الياباني التقليدي). يحتوي أحد المعارض على ما يُعتقد أنه أكبر عرض عام في العالم لفن النتسوكي الياباني: نحو 2500 ثقل زخرفي مصغر منحوت من مواد مثل العاج والخشب والبورسلين، يُعلق تقليدياً على أحزمة الكيمونو. تقول يانيك لينتز، مديرة متحف غيميه، للصحافيين خلال زيارة: «سوف يتكلف ترميم المبنى 15 مليون يورو، وهو مبلغ لا نملكه بالطبع». وهي تعمل بنشاط على جمع التبرعات، وتقول إنها تحلم بمتحف مرمم مع مقهى خاص به.

متحف المعادن التابع لمدرسة باريس للمناجم

متحف في كلية هندسة: منذ عام 1794، صارت مجموعة المعادن جزءاً من جامعة الهندسة والتعدين النخبوية، مناجم باريس، أو (مدرسة باريس للمناجم) بالقرب من حديقة لوكسمبورغ. لم تتغير واجهات العرض المصنوعة من خشب البلوط المجري في صالتها الكبرى منذ منتصف القرن التاسع عشر. يعرض المتحف أكثر من 1200 نوع من المعادن، ما يجعله رابع أكبر مجموعة من نوعها على العالم. تملأ الصخور والنيازك والخامات والأحجار الكريمة بألوان قوس قزح مختلف الغرف. تقول المديرة إيلويس غايو: «حتى متحف سميثسونيان لا يعرض عدداً من أنواع المعادن يضاهي ما نعرضه». لأكثر من قرنين من الزمان، جاب المتحف العالم بحثاً عن الكنوز. تم شراؤها وتبادلها والتبرع بها، على الرغم من أن بعضها تمت مصادرته من مجموعات العائلات المالكة والنبلاء ورجال الدين خلال الثورة الفرنسية. يضم المتحف الآن أكثر من 100 ألف قطعة؛ 5000 قطعة منها فقط معروضة؛ والباقي مكدس في الخزائن والأدراج.

تملأ الصخور والنيازك والخامات والأحجار الكريمة بألوان قوس قزح مختلف غرف متحف المعادن (نيويورك تايمز)

تقول السيدة غايو: «متحفنا معروف أكثر لدى هواة جمع المعادن والجيولوجيين والمتخصصين في المعادن من جميع أنحاء العالم أكثر من السياح». وبالنسبة لها، فإن الموناليزا في المجموعة هي ريوليت بركاني من المكسيك به عقيدات زرقاء وحمراء وخضراء من حجر الأوبال الثمين. بالنسبة للفرنسيين، فقد يكون النجم الأكثر بروزاً هو بلورة الكوبريت القادوسية الكبيرة المغطاة بالمالاكيت من منجم تشيسي-لي-مين في مقاطعة رون. ومن القطع النادرة الأخرى ماسة ثمانية الأضلاع كبيرة مرصعة في صخرة بركانية من جنوب أفريقيا. هناك أيضاً عينات من المريخ والقمر، ومعادن فلورية تتوهج تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية، وأحجار أوبال براقة باللون الوردي والأخضر والأحمر والأزرق والأرجواني. يُعرض ستون نيزكاً، بما في ذلك الكوندريت أليندي الشهير، الذي يحتوي على بعض أقدم الجزيئات في النظام الشمسي؛ وشظية وزنها 500 رطل من نيزك كانيون ديابلو الذي سقط قبل نحو 50 ألف عام فيما يُعرف الآن بولاية أريزونا.

جواهر التاج الفرنسي في متحف المعادن (نيويورك تايمز)

وسوف يكتشف عشاق المجوهرات مجموعة مختارة من نحو 1200 حجر كريم مقطوع (200 منها معروضة)، بما في ذلك بعض الأحجار التي كانت في يوم من الأيام جزءاً من جواهر التاج الفرنسي: أحجار توباز وردية غير مثبتة تُعرف باسم «الياقوت البرازيلي»، وأحجار جمشت لمجوهرات الإمبراطورة ماري لويز، فضلاً عن 45 زمردة صغيرة زينت تاج تتويج الإمبراطور نابليون الثالث. يقول أحد كتيبات المتحف: «يروي المتحف قصصاً عن الاستكشافات العظيمة والاكتشافات والاختراعات والصراعات. دع نفسك تنغمس فيما تحكيه تلك الأحجار».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».