ماتيلدا فرج الله لـ«الشرق الأوسط»: علينا الاعتذار من أولادنا في حال أخطأنا تجاههم

في «اعترافات» تسير عكس التيار وتُقدّم مادة إعلامية مختلفة

ماتيلدا فرج الله في «اعترافات» تسير عكس التيار (صور الإعلامية)
ماتيلدا فرج الله في «اعترافات» تسير عكس التيار (صور الإعلامية)
TT

ماتيلدا فرج الله لـ«الشرق الأوسط»: علينا الاعتذار من أولادنا في حال أخطأنا تجاههم

ماتيلدا فرج الله في «اعترافات» تسير عكس التيار (صور الإعلامية)
ماتيلدا فرج الله في «اعترافات» تسير عكس التيار (صور الإعلامية)

تملك اللبنانية ماتيلدا فرج الله خبرة لا يُستهان بها في العمل الإعلامي، إذ راكمت على امتداد مسيرتها المهنية تجارب متنوّعة، بفضل مجموعة برامج تلفزيونية قدَّمتها على محطات محلّية وعربية، من بينها «عالمكشوف»، و«بتجرّد»، و«جريء جداً»، و«التاريخ يشهد»، وغيرها.

تعترف فرج الله بأنّ العمل الإعلامي خذلها، ما أسهم في تكسُّر أحلامها، إذ تشعر بخيبة مما آل إليه هذا القطاع اليوم. كما عانت التنقُّل المستمر بين مؤسّسات إعلامية من دون أن تستقر في صرح واحد، الأمر الذي أجبرها على مضاعفة جهودها للبحث عن بيئة مهنية سليمة.

ابتعادها عن الشاشة الصغيرة في السنوات الأخيرة دفعها إلى البحث عن فكرة جديدة تطلّ من خلالها. فلطالما اشتهرت بتقديم محتوى مختلف يليق بمسيرتها، ولم تشأ أن تكرّر نفسها أو أن تنخرط في موجة ما يُروَّج له اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا وُلدت فكرة برنامج رقمي بعنوان «اعترافات»، تشارك فيه ابنتها ليا حوارات صريحة بين الأم وابنتها، واستطاع أن يخطف انتباه المُشاهد العربي عبر عرض تبنّته شركة «ووركيننغ تايتل» الإماراتية.

تقول فرج الله لـ«الشرق الأوسط»: «طرقت أبواباً عدّة بحثاً عن جهة تتبنّى البرنامج، لكن لم يملك أحد الجرأة لاتخاذ هذا القرار. فالبرنامج يُعدّ الأول من نوعه في لبنان والعالم العربي، ويتناول علاقة الأم بابنتها من خلال نقاش صريح يتبادل فيه الطرفان المشاعر بكل شفافية».

تُطالب الأهل بالاعتذار من أولادهم عن أخطاء ارتكبوها تجاههم (صور الإعلامية)

اليوم، يحقّق «اعترافات» نسب مشاهدة مرتفعة، وولّدت الموضوعات التي يطرحها نقاشات بين الأهل وأولادهم. وتلقّت فرج الله سيلاً من التعليقات المتنوّعة، بين مشيد بفكرتها وناقد لها بحدّة، ما جعل من الصعب عليها إرضاء جميع متابعيها بمادّة إعلامية جديدة وجريئة. وبفضل مديرة الشركة المنتجة، سالي والي، استطاعت إيصال فكرتها إلى النور. وتضيف: «غالبية الإعلاميات يظهرن على الشاشة لتلميع صورتهن، أما أنا ففعلت العكس، وضعت أخطائي على الطاولة وناقشتها مع ابنتي ليا من زوايا متعدّدة. تجرّأت على مواجهة الجرح. وهو أمر نادر في هذا الوسط، إذ كسرت القاعدة وسلكت طريقاً شاقاً لكنه يوصل رسائل مباشرة إلى الأهل حول أهمية الحوار مع أولادهم».

وضعت ماتيلدا هذا الصراع الصامت الذي عاشته مع ابنتها تحت المجهر، وشرَّحت خفاياه، مُحللةً أثره فيهما، فكان بمثابة علاج نفسي كتبته لنفسها لتتحرّر منه.

تقول إنها عاشت طويلاً تحت صورة «الأم الضحية»، متأثرةً بأداء والدتها التي أمضت حياتها في انتظار أولادها وزوجها، دون أن تمتلك حياة خاصة بها. هذا الشعور بالتقصير تجاه والدتها دفع ماتيلدا إلى تبنّي نموذج مغاير، لتُظهر لأولادها صورة الأم القوية والصلبة: «نحن في النهاية انعكاس لتصرّفات أهلنا وصورتهم التي رسموها لنا».

يتألَّف «اعترافات» من 14 حلقة، وتقول فرج الله إنّ الحلقة الثامنة، وعنوانها «من شو منخاف»، ستجعل المجتمع بأكمله يشعر بأنها تتحدَّث بلسانه.

يتألف برنامج «اعترافات» الرقمي من 14 حلقة (صور الإعلامية)

في الحلقات الأربع التي بُثّت حتى الآن، نشهد لحظات مصارحة وعتاب، إذ تعترف الأم بأنها تشتاق إلى ابنتها التي بالكاد تجد وقتاً للإجابة على مكالمة منها؛ في حين تصارحها ليا بأنها في عمر الثامنة عانت أنانية والدتها، إذ كانت منشغلة بمهنتها الإعلامية وغافلة عن تفاصيل صغيرة كانت بحاجة إلى مَن يلتفت لها. كتمت مشاعرها ولم تستطع البوح بها حينها. وتُعلّق فرج الله: «ليا وأنا لا نُحضّر لمحتوى الحلقات. ندخل الاستوديو متفقتين فقط على العنوان، ونترك الحديث يأخذنا حيث يشاء. دموعي، عفويتي، وأحاسيسي كلها تخرج تلقائياً، مثل ردّ فعل على النقاش. فالتجربة الإنسانية الحقيقية لا بد أن تولد من رحم الواقع والحقيقة».

وتعترف بأنها فوجئت مرّات بكلام وجّهته ليا إليها خلال التصوير، إذ إنّ البرنامج بأكمله بعيد عن أي افتعال أو فبركة.

تُطالب الأهل بالاعتذار من أولادهم عن أخطاء ارتكبوها تجاههم (صور الإعلامية)

وعما إذا كانت تندم اليوم على تقصير تجاه ابنتها، تُجيب: «طبعاً، هناك تفاصيل كثيرة فاتتني. ولو عاد بي الزمن، لتنبّهت لها وتعاملت معها بوعي أكبر، ولكن من دون أن أتخلّى عن أحلامي. فأحلامي هي التي أوصلتني إلى هنا، وقدَّمتُ من خلالها لأولادي صورة الأم القوية».

وتعترف ليا، في إحدى الحلقات، بأنها حين كبرت، تفهَّمت مشاغل والدتها، وهي تقدّر قوتها التي انتقلت إليها بشكل غير مباشر. وتضيف: «أعتقد أنه إذا تزوجت، سأسير على طريقتها، لكنني سأتنبّه لتفاصيل صغيرة مع أولادي كانت قد أهملتها».

يتأثر المُتابع لحلقات «اعترافات» لاشعورياً بهذه المواجهات بين الأم وابنتها. يتعاطف مع الأم التي لم تتخلَّ عن أحلامها، وفي الوقت عينه يُقدّر شخصيات أولادها التي بنتها على مبادئ إنسانية. كما يُدهَش من جرأة الابنة التي تتحدَّث بلسان بنات جيلها، وتُكثّف جرعات العتاب لتوصيل حقيقة مشاعرها. هكذا تفتح الباب أمام جيل الشباب لمصارحة أهله وتقليص المسافات معهم قبل فوات الأوان.

وتقول فرج الله إنها لاحظت في الفترة الأخيرة تراجعاً في علاقتها مع ابنتها، إذ أصبحت تميل أكثر إلى السطحية. وتتابع: «لم أكن أُفصح لها عن ذلك، لكني شعرت ببُعدٍ بينها وبيني، فهي كبرت ولم تعد تحتاج إليّ. افتقدت تفاصيل صغيرة تحوّلت مع الوقت إلى شوق وحنين».

«أولادكم ليسوا لكم»، كما قال جبران خليل جبران. وماتيلدا تدرك هذه الحقيقة، لكنها أرادت أيضاً أن تُتيح لابنتها مساحة للتعبير. «إنها رسالة أُوجّهها إلى المجتمع العربي بأكمله. علينا أن نعتذر من أولادنا إن أخطأنا بحقهم. فهذا ليس ضعفاً، وإنما قوة تكسر الحواجز بيننا وبينهم. فالمصارحة ضرورية لبناء مجتمع سليم. أولادنا يختلفون تماماً عنّا. يتصرَّفون كأنهم أكثر ذكاء ومعرفة. علينا أن نستوعبهم ونواجههم في الوقت عينه. ولا يجب أن نتخلّى عن أنفسنا بوصفنا أمهات لننجح في تربيتهم».


مقالات ذات صلة

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

يوميات الشرق مي كساب (حسابها على فيسبوك)

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

عادت الفنانة المصرية مي كساب لدائرة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استوقف متابعين الرسومات المطبوعة على «تي شيرت» ارتدته خلال برنامج عبر الإنترنت

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)

من المنصات إلى الشاشة اللبنانية... مسلسلات تتصدَّر شبكة الخريف

تُحافظ المحطات على عرض أجزاء جديدة من مسلسلات تركية حقّقت نسب مشاهدة مرتفعة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية.

انتصار دردير (القاهرة)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
TT

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)

هو أوّل الطعام، وأساسُه، وأقلُّه تكلفةً. الخبزُ أكلُ الفقراء الذين إن لم يجدوا ما يقتاتون به، يكتفون برغيفٍ منه. لكن حتى الخبز يتنكّر أحياناً للبسطاء الذين جعلوا منه وجبتهم الأساسية. إنه زمن الـ«ساوردو» (sourdough) والـ«شيباتا» (ciabatta) والـ«بيغل» (bagel)، ومزيدٍ من الابتكارات التي أخذت الخبز من شكله الكلاسيكي وجعلت منه وجبة رفاهية، بعضُها معجونٌ بالذهب.

من إسبانيا إلى نيويورك، مروراً بلندن وباريس، تتعدّد أشكال الخُبز وترتفع أسعاره لتُجاور الـ2000 دولار مقابل الرغيف الواحد أحياناً. فما هي أغلى أنواع الخبز حول العالم، ولماذا قد يتجاوز ثمنُ رغيف راتبَ فرد؟

الابتكارات في أنواع الخبز وأشكاله تُعدّ بالآلاف حول العالم (بكسلز)

خبز مشغول بالذهب

في قريةٍ صغيرة جنوب إسبانيا، مخبزٌ لا يشبه سواه في العالم فمنه يخرج أغلى خبز على الإطلاق. ينتمي مُنتَج «بان بينيا» إلى فصيلة الساوردو، وهو مصنوعٌ من أجوَد أنواع الطحين والخميرة، إضافةً إلى الملح والمياه. إلّا أنّ ما يرفع سعره إلى 1800 دولار مقابل الرغيف الواحد (400 غرام)، هي كمية صغيرة من الذهب الصالح للطعام والخالي من النكهة، التي تدخل في صناعة العجينة وتزيينها على هيئة أوراق رقيقة.

ابتكر الخبّاز خوان مانويل مورينو خبزه المذهّب ذاك، لاجتذاب السيّاح الأثرياء الذين يزورون منتجعات منطقة كوستا ديل سول المجاورة لمخبزه الصغير في بلدة ألغاتوسين الإسبانية.

خبز الساوردو الإسباني المصنوع من الذهب وهو الأغلى عالمياً (إنستغرام)

الخبز الذي شغل نيويورك

قبل 7 سنوات على ولادة الساوردو الإسباني المذهّب، برزَ اسمُ الشيف كريغ ريد لابتكاره خبز البيغل المغطّى بأوراق الذهب القابل للأكل. كان المعدن الثمين حينها لا يزال أرخص سعراً، فاقتصر ثمن الرغيف منه على 1000 دولار. والبيغل الذي كان يُباع حصراً لنزلاء فندق «وستن» في نيويورك، كان يُحشى بجبنة كريميّة بالكمأة البيضاء من صنف «ألبا»، وهو من بين الأغلى، الممزوجة بجبنة ماسكاربوني، إضافةً إلى هلام نبيذ «الريسلينغ» المنكّه بتوت «الغوجي»، مع شرائح رقيقة من الكمأة البيضاء الإيطالية؛ الأمر الذي ضاعف من سعره.

أوراق الذهب تزيّن خبز البيغل وحشوة الجبنة والكمأة (موقع فندق وستن نيويورك)

خبز الزعفران بـ200 دولار

يوم زار سلطان بروناي اسكوتلندا عام 1997، قرّر المخبز المحلّي في مدينة أبردين أن يكّرمه بخبزٍ يحمل بعضاً من نكهة جذوره. إلى خلطة الطحين والحليب والزبدة والسكّر والخميرة والملح، أضاف المخبز كمية سخيّة من الزعفران مانحاً الرغيف لونه الأصفر. وبما أنّ الزعفران هو من أغلى الأعشاب ومطيّبات الطعام، صار الرغيف يُباع إلى العامّة مقابل 200 دولار. فلم تقتصر متعة تَناولِه على سلطان بروناي.

خبز الزعفران الإنجليزي (إنستغرام)

رغيف بالشمبانيا والذهب

ليس بعيداً من اسكوتلندا، ابتكرت ويلز خبزاً خاصاً بها يُباع الرغيف منه مقابل 100 دولار. أما ميزة هذا الخبز فتكمن في أنّ عجينتَه تُمزَج مع مشروب الشمبانيا الفاخر وليس مع الماء. أما اللمسة الختاميّة فتزيينٌ بأوراق الذهب القابل للأكل.

يُغيّر استخدام الشمبانيا كبديلٍ عن الماء طبيعة العجين، إذ يضفي عليه لمسةً خفيفةً تذكّر برائحة الخميرة وتوحي بأجواء الاحتفال، وهي سمةٌ يعجز الماء العادي عن توفيرها. أما رقائق الذهب فليس الهدف منها تعزيز النكهة، بقَدرِ ما أنها تضفي إلى الخبز طابعاً فاخراً مناسباً للاحتفالات الخاصة، وليس للاستهلاك اليومي.

الخبز الذي يُعجن بالشمبانيا كبديل عن الماء (فيسبوك)

خبز بخميرة معمّرة

أحدثُ ابتكارات الخبز الباهظ ضجّت به نيويورك في صيف 2026. تحوّل الساوردو المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي وإلى رمزٍ للرفاهية. يُباع هذا الخبز حصراً في مخبز الشيف مارتن آور في مانهاتن مقابل 60 دولاراً للرغيف الواحد، الذي يبلغ وزنه كيلوغراماً ونصف الكيلو.

أما ما يجعله باهظ الثمن فأوّلاً الدقيق النمساوي، الذي يُضاف إليه الماء والملح، وثانياً الخميرة المُستخدمة في صناعته والبالغة 57 عاماً. وتُترك العجينة 24 ساعة لتختمر قبل أن تُخبَز.

الخبز المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي الفاخر والخميرة المعمّرة (إنستغرام)

«رغيف الراعي»

الرغيف الأرخص ثمناً على هذه القائمة يُباع حصراً في منطقة كوتسوولدز وسط إنجلترا. يُعرف بـ«رغيف الراعي» ويبلغ ثمنه 28 دولاراً ووزنه 2 كيلوغرام.

ابتكره الخبّاز توم هربرت في الأساس لصالح فيلم وثائقي من إنتاج «بي بي سي» حول البحث عن الرغيف المثالي. ويتكوّن رغيف الراعي من دقيق «السبلت» العضوي المعجون بمياه الينابيع من منطقة كوتسوولدز وملح البحر من منطقة كورنوال، إضافةً إلى خميرة طبيعية يتراوح عمرها ما بين 55 و64 عاماً، على أن تستمر عملية تخميره يومين.

رغيف الراعي المصنوع من مكوّنات عضويّة وبطريقة تقليدية (فيسبوك)

رغيف دالي أكلَه كلب بيكاسو

من خارج المنافسة وقائمة الخبز الأغلى سعراً، تبرز منحوتة الفنان الإسباني سلفادور دالي. وهي تجسّد الجزء العلوي من جسم امرأة تحمل فوق رأسها رغيف خبز حقيقي وعليه محبرة، كما تتدلّى الذرة من عنقها. ومن المعروف عن دالي وسائر الرسّامين العباقرة أنهم استلهموا الكثير من لوحاتهم من رغيف الخبز.

ووفق «مؤسسة دالي»، فإنّ كلب الرسّام بابلو بيكاسو التهمَ رغيف الخبز بعد عرض المنحوتة في باريس عام 1933.

منحوتة «تمثال نصفي لامرأة» لسلفادور دالي (موقع متحف الفن الحديث في نيويورك)

كيف يتحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة؟

في تركيبته وتعريفه، الخبز سلعة رخيصة الثمن؛ فهو يُصنع من الدقيق والماء والخميرة والملح، ويُنتج بسرعة وعلى نطاق واسع بهدف إطعام أكبر عدد ممكن من الناس. في المقابل، يتعمّد الخبز الفاخر كسر كل تلك القواعد، إذ يعتمد غالباً على أنواع الدقيق التراثية أو المتخصصة بدلاً من الأنواع التجارية المتاحة، كما يرتكز على عملية التخمير الطبيعي البطيء بدلاً من أساليب التخمير التجاري السريع.

تلعب عوامل عدّة دوراً في تحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة (بكسلز)

تُعزى الأسعار الخياليّة لبعض أرغفة الخبز حول العالم إلى عوامل عدّة:

* مكوّنات نادرة أو فاخرة مثل رقائق الذهب والفضّة والزعفران والكمأة، ما يرفع التكلفة بشكل كبير.

* اليد العاملة الماهرة: تُعَدّ صناعة الخبز الفاخر حرفة لا يتقنها سوى خبّازين ماهرين مستخدمين تقنيات تقليدية وأساليب دقيقة.

* محدودية التوفر: يُنتج العديد من هذه الأنواع بكميات محدودة، ما يعزز طابعها الحصري وجاذبيتها.

* الإبداع الفني في الطهي: لا تُعد بعض أنواع الخبز مجرد مواد غذائية فحسب، بل أعمال فنية في عالم الطهي، فترتفع أسعارها نظراً لجاذبيتها الجمالية وللوقت الذي يستغرقه تحضيرها.


دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.