«أحباب النيل»... رؤية رومانسية زاخرة بجماليات النهر

معرض الفنان المصري عادل مصطفى يضم 30 لوحة

رسالة بصرية للاستمتاع بالمشهد الحالم والعودة إلى الطبيعة (الشرق الأوسط)
رسالة بصرية للاستمتاع بالمشهد الحالم والعودة إلى الطبيعة (الشرق الأوسط)
TT

«أحباب النيل»... رؤية رومانسية زاخرة بجماليات النهر

رسالة بصرية للاستمتاع بالمشهد الحالم والعودة إلى الطبيعة (الشرق الأوسط)
رسالة بصرية للاستمتاع بالمشهد الحالم والعودة إلى الطبيعة (الشرق الأوسط)

شغل النيل المخيلة الإبداعية المصرية على مر العصور؛ فاستلهمه الشعراء والروائيون والتشكيليون في أعمالهم الفنية، بصور ورؤى مختلفة، لكنها ربما تتلاقى في كونه نهراً يتمتع بعلاقة إنسانية وثيقة الصلة بالبشر.

ومن خلال 30 لوحة ومجموعة من الأعمال الغرافيكية، يدمج التشكيلي المصري عادل مصطفى هذه العلاقة برؤية رومانسية حالمة، زاخرة بجماليات المكان، وفيض العاطفة، ورمزية الأسطورة.

فبينما تعكس اللوحات التي يضمها معرضه «أحباب النيل» المقام بغاليري «الزمالك» نبض الوجدان المصري تجاه ملحمة النيل، أو ملحمة الخضرة والنماء والإرواء، فإنها كذلك تجسد مشاعر الحب والعشق والجمال على ضفاف «النهر الخالد» في رمز إلى تداخله في مختلف تفاصيل الحياة في مصر.

حالة ليلية مبهجة في تلألؤ إضاءات المراكب (الشرق الأوسط)

الاحتفاء بالرومانسية يُعد سمة أساسية لأعمال الفنان عادل مصطفى، فبعد أن عاش المشاهدون معه لسنوات حالة عاطفية على شط مدينة الإسكندرية (شمال مصر) - حيث يقيم ويعمل بكلية الفنون الجميلة بها - ها هو ينتقل إلى حالة أخرى من الشاعرية على كورنيش نهر النيل.

وتنسج الأعمال مشاهد مؤثرة حول بكرية العاطفة وعذوبة الطبيعة بلغة بصرية هادئة، وكأنه يتحدى سطوة الحضارة الخرسانية المعاصرة، يقول مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: «الرومانسية مستمرة في لوحاتي تعبيراً عن الافتقاد للأبعاد العاطفية في المجتمع؛ حيث سطوة الآلة والميكنة والتكنولوجيا والماديات على الحياة، ولمواجهة هذه السطوة نحتاج إلى أشياء تعادلها، ولا يوجد أفضل من العاطفة والونس والألفة لتحقيق هذه المعادلة الصعبة».

المعرض يبرز نبض الوجدان المصري تجاه النيل (الشرق الأوسط)

لكن إذا دققت النظر، وتأملت طويلاً في اللوحات، فإنك ستكتشف أنها أكثر رومانسية من أعماله التي تتناول شط الإسكندرية؛ إذ يزداد على مسطحها أعداد العاشقين على كورنيش النهر، أو داخل المراكب، وتفصح نظراتهم المُحبة والشاردة عن مشاعر صادقة، احتضنتها لحظات إنسانية على النيل، الذي يبدو كمتنزه مفتوح «بلا ضريبة على الحب»، ويستشعر المتلقي أن الساعات تمر بين شخوص اللوحات، وكأنها دقائق معدودة برفقة الحبيب.

انعكاسات الأضواء والعناصر على صفحة النيل يحوله إلى مثير بصري للفنان (الشرق الأوسط)

ويؤكد مصطفى أن «تجسيد العاطفة في أعمال هذا المعرض أقوى مما سبق؛ ويرتبط ذلك بأن النيل أكثر رومانسية»، ويرى أن «البحر بطبيعته أكثر صخباً وحركة؛ حيث الماء المالح، والنوات، والمراكب والصيادون، والمصطافون، وباعة الشاطئ ببضاعتهم ذات الألوان الزاهية مثل البالونات وملابس السباحة، في حين أن النهر أكثر هدوءاً واستقراراً وثباتاً؛ ما ينعكس على طبيعة المشاعر عند الجلوس أمامه، لا سيما أنه لا يعرف العلاقات العابرة الموسمية».

ساهم في إبراز رومانسية النيل وأجواءه الدرامية اختيار عادل مصطفى «المونوكروم» أسلوباً تشكيلياً في معظم الأعمال؛ وهو أسلوب يعتمد اللون الواحد مع أطيافه من الفواتح والظلال الداكنة، فرأينا الرماديات بكثرة، ودرجات الأخضر بتنويعاته المختلفة، وكذلك تعدد درجات الأزرق: «النيل أكثر رصانة ودفئاً، وقد شعرت بأن (المونوكروم) يتيح مجموعة كبيرة من العواطف والنوايا والمعاني في أشكال مختلفة».

الفنان المصري عادل مصطفى (الشرق الأوسط)

وبالرغم من ذلك لم يقدم الفنان صوراً كاملة التفاصيل الدرامية، بحيث يصبح المتلقي على يقين من مصير مشاعر الشخوص، أو أيهما أكثر حباً للطرف الآخر، وغير ذلك، إنما يقدم الحلم فقط، ولكل متلقي حرية اختيار مسار هذا الحلم ومصيره؛ فما يعنيه مصطفى هو الفانتازيا أو تحقيق الدهشة التي يعتبرها «الفكرة الأصلية للفن» على حد قوله.

من اللافت احتفاء الفنان كذلك باللون الذهبي الذي يأخذك إلى العراقة والأناقة والحضارة المصرية القديمة، فضلاً عن اللون الفضي الذي يمنح زوايا اللوحات أحاسيس ودلالات مختلفة، إضافةً إلى دوره في إكسابها نوعاً من الألق والتلألؤ وسط الظلام؛ في إشارة إلى تأثير النيل على القاهرة التي لا تنام.

الرومانسية تسيطر على المعرض (الشرق الأوسط)

جانب كبير من جماليات اللوحات استمدها من تجسيد انعكاسات بعض المفردات والعناصر على مياه النهر الساكنة مثل الأشجار، والزهور، والنخيل، والمراكب وأضوائها، وهو ما لم يتحقق لمياه الإسكندرية؛ صاحبة التوتر والحركة المستمرة بفعل الأمواج الصغيرة، يقول: «مثلت انعكاسات النيل لي كتشكيلي رؤية بصرية خاصة وثيقة الصلة بالشكل وما وراء الشكل».

أثناء رسمه لوحات المعرض كان الفنان يستمع طوال الوقت إلى أغنية «شمس الأصيل» لـ«كوكب الشرق»، التي تتناول كلماتها نهر النيل؛ لذلك يعتبرها مصدر إلهام له: «أستمتع بصوت أم كلثوم وأدائها، ويستوقفني كيف أنها حين تغني مقطعاً ما وتستمر في إعادته عدة مرات، فإنها في كل مرة تمنح المقطع إحساساً مختلفاً».

تنسج الأعمال مشاهد مؤثرة حول عذوبة الطبيعة (الشرق الأوسط)

استلهاماً من هذا المفهوم، خاض مصطفى مجموعة من التجارب في تقنيات الطباعة الغائرة (زينك) والطباعة الحجرية (ليثوجراف)؛ لعمل شكل واحد، قام بالتنويع عليه، بواسطة لمسات وإضافات من الفنان، وذلك فيما يُعرف بـ«Artist prove».

حيث قدم نحو 50 عملاً من الأعمال الغرافيكية متعددة النسخ، وصلت إلى 17 نسخة من العمل الواحد، لكن لكل منها إحساس خاص لا يتكرر على حد وصفه، يوضح «في كل مرة أضع لمسات مختلفة سواء في خلفية العمل أو المقدمة أو ملابس الأشخاص».

وفي سياق التنوع أيضاً قدّم الفنان مساحات طولية وعرضية للوحاته التي جاءت بمقاسات مختلفة، تراوحت ما بين 20X20 سم إلى 2X3م: «هذا الأمر له علاقة كذلك باهتمامي بكتابة الشعر والغناء، فاللوحة التي أقدمها قد تكون قصيدة طويلة تزخر بأفكار كثيرة يتضافر بعضها مع بعض، أو تكون (رباعية) صغيرة تمثل ومضة عاطفية أو ذهنية سريعة».


مقالات ذات صلة

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

يوميات الشرق «دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز للدراويش المولوية، وما يمثلونه من طاقة روحية محملة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية» يُقام معرض «فن القاهرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.