حضور القضية في فيلم فلسطيني ومواقف

نال تصفيقاً يستحقه وأملاً بالفوز

مجد عيد ونادر عبد الحي في «كان يا ما كان» (مهرجان «كان»)
مجد عيد ونادر عبد الحي في «كان يا ما كان» (مهرجان «كان»)
TT

حضور القضية في فيلم فلسطيني ومواقف

مجد عيد ونادر عبد الحي في «كان يا ما كان» (مهرجان «كان»)
مجد عيد ونادر عبد الحي في «كان يا ما كان» (مهرجان «كان»)

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان»- 5

حطت غزّة، أول من أمس، بثقلها المعنوي وقضيَّتها المثارة، من خلال فيلم «كان يا ما كان في غزّة» (ضمن مسابقة «نظرة ما»، حيث يُعد الآن أحد الأفلام الأكثر احتمالاً للفوز بجائزة)، للأخوين طرزان وعرب ناصر. امتلأت صالة ديبوسي، المخصصة للعروض النقدية والصحافية، بالحاضرين الذين جذبهم العنوان، والمناصرين الذين يزداد عددهم، خصوصاً بعد تصاعد الموقف الحكومي الفرنسي من عمليات الجيش الإسرائيلي في غزّة.

المخرجان عرب وطرزان ناصر (إ.ب.أ)

وإذ صعد المخرجان التوأمان إلى مسرح الصالة مع فريق الفيلم وسط تصفيق حاد، ألقيا خطاباً قصيراً أشارا فيه إلى حملة الإبادة، وطالبا عبره بالتحرك لوضع حد لها، بدلاً من الاكتفاء بكلمات تُعبِّر ولا تُؤثر.

ارتفعت نبرة التصفيق خلال الكلمة، ثم عادت أقوى عندما انتهى الفيلم، ووقف الحضور مصفّقين لنحو 7 دقائق. بذلك، اتحد الفيلم وبعض مضمونه مع الوضع السياسي القائم، ومع الحجم المتزايد لمعارضي الحملة العسكرية.

لكن هذا كله شيء، والفيلم -بحد ذاته- شيء آخر. لا يعني ذلك أنه مختلف عن التوجه السياسي الذي تحقَّق للفيلم عبر كلمات مخرجيْه، لكن هناك شيئاً غير مُتصل تماماً بالوضع القائم، سنراه حين ننْفذ إلى حكاية الفيلم.

يبدأ الفيلم بمشاهد قصف وحشي تتعرض له المدينة، وهي مشاهد من أشرطة إخبارية تُمهّد لربط الفيلم بالوضع القائم. تنجح في إثارة المشاعر، وتوسيع رقعة المعرفة لمن قرَّر ألا يُشاهد نشرات الأخبار (التي غالباً ما يُحدَّد المراد منها).

حال انتقال الفيلم إلى حكايته، ينتقل الوضع الحالي إلى خلفية ذهنية غالباً، كون القصّة تتحدث عن أحداث تبدأ سنة 2007، ولا تتمدد باتجاه أعوام لاحقة. هي توحي بذلك، مع فارق أن الأحداث نفسها لا تقع اليوم. مع ذلك، التواصل بين ما يعرضه الفيلم وما يجري في الواقع متين. ما نراه، في أحد جوانبه، يشبه كرة الثلج في بداية تدحرجها.

أسامة (مجد عيد) لديه محل فلافل، ويتاجر بالمخدَّرات في الوقت نفسه. بعض مخدّراته موضوعة في أرغفة الفلافل لزبائن معيّنين. يحيى (نادر عبد الحي) هو معاونه في المحل وشريك في التجارة. في أحد المشاهد الأولى، نرى أسامة في عيادة طبيب يطلب مخدّراً عالي التأثير مُدَّعياً أوجاعاً في اليد، ويستغل غياب الطبيب ليسرق أوراق الروشتات ويختمها لتسهيل الحصول عليها من الصيدليات.

المخرجان عرب وطرزان ناصر والممثلان نادر عبد الحي ومجد عيد والمنتج راني مصالحه والمنتجة ماري لوغران (رويترز)

الضابط أبو سامي (رمزي مقدسي) يقبض على أسامة بالجرم المشهود، لكنه يُخلي سبيله بعد الاتفاق على أن يكون شريكاً معه في التجارة. يُخِلّ أسامة بالاتفاق، فيطلق أبو سامي النار عليه. يريد يحيى الانتقام ويفعل. في أثناء ذلك، يمثِّل يحيى دور البطولة في فيلم بعنوان «الثائر» عن القضية. يُسأل، في حوار الفيلم داخل الفيلم: «ماذا قدّمت للقضية؟»، وهو سؤال يخصُّ الجميع: في الفيلم الذي نراه، وفي الفيلم الآخر الكامن داخله، والموجَّه إلى المشاهدين أيضاً.

هو فيلم شاق الصنع في الأساس، وتتحوَّل تلك الصعوبة إلى استحالة وسط الوضع القائم. يذكِّر طرزان ناصر بأن «نفاذ ممثلي الفيلم من الحصار الإسرائيلي لحضور هذا المهرجان كان أعجوبة».

أدوات بسيطة

الفساد الداخلي، عبر هذه الشخصيات، هو نتيجة أوضاع اجتماعية يحاول هؤلاء، ترميزاً لعديدين، تحقيق مصالحهم المادية تحت ثقل الحصار الاقتصادي على المنطقة. السَّماح للمواطنين بمغادرة القطاع صوب الضفّة (أو أي مكان آخر) يخضع لتحرِّيات أمنية، لكن حتى أولئك الذين لا يتعاطون السياسة ولم يرتكبوا ما قد يُعدُّ مسّاً بأمن إسرائيل، كما في حالة يحيى، يُمنعون من السفر.

يعرض الفيلم، من حين لآخر، مشاهد لمدينة غزّة مذكّراً بأنها كانت مدينة متكاملة المساحة والبنيان، ثم ها هي الانفجارات الناتجة عن قصف جويٍّ تُدمر أطرافها. أبطال الفيلم يبدون غائبين عن وضع لا يستطيعون فعل شيء حياله، فيتجهون لتأمين مصالح أخرى.

المخرجان عرب وطرزان ناصر وأعضاء فريق التمثيل (رويترز)

يقع الفيلم في مطبِّ رغبة مخرجيه، الأخوين ناصر، في تفعيل نقلات متعسّفة للحكاية. يحيى، الذي مات في ثلث الفيلم الأول، يظهر حيّاً في الثلث الأخير. لا يُوضح الفيلم مكمن الصلة ولا السبب، أو هو يدلي بما يبقى بحاجة إلى نقطة وصل تعززه.

يصوّر الفيلم، بنجاح، الأدوات البسيطة التي يعمل بها الإنتاج الفلسطيني (في المرحلة التي يصوِّرها الفيلم)، راغباً في إيصال قضيته عبر السينما إلى العالم. لا بأس... جان-لوك غودار استخدم كرسيّاً متحركاً خلال تصويره «نَفَس لاهث» (A Bout de Souffle) عِوض الشاريو، لكن كان يمكن للأخوين ناصر تعزيز هذا الجانب من الموضوع من خلال تقديم فيلم جاد فنيّاً ومضمونيّاً (وليس فيلم بطولة ترفيهياً)، ما دامت الصعوبة هي نفسها.

جولييت بينوش رئيسة لجنة تحكيم الدورة الـ78 لمهرجان «كان» السينمائي (إ.ب.أ)

فلسطين كانت حاضرة فعلياً منذ يوم الافتتاح، عندما ألقت رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة جولييت بينوش، كلمتها طالبةً وقف العدوان على غزّة. تحدَّثت عن الضحية دون تسمية الجلّاد، لكنَّ هذا لم يمنع اللوبيات المعروفة من مهاجمة موقفها.

لاحقاً، خلال مؤتمر صحافي، وُجّه إليها سؤال عن سبب عدم وضع اسمها على القائمة التي تألفت من نحو 700 فنان ومثقف يدينون حملة الإبادة في غزّة. ردّت على الصحافي: «ربما ستدرك السبب لاحقاً».

جولييت بينوش طالبت في كلمتها بوقف العدوان على غزّة (أ.ف.ب)

لكن ما أُشيع قبل 4 أيام، أن جولييت انضمت إلى الحملة ووقَّعت (والممثل بيدرو باسكال، الذي يتصدر بطولة فيلم «إينغتون» المعروض في المسابقة الرسمية) على العريضة، ما يمكن اعتباره ردّاً منها على ما وُوجهت به من معارضة.

رسالة إسرائيلية

المعارضة، بحد ذاتها، في موضع حرج. هناك مأساة تقع لا يمكن التغاضي عنها، والرأي العام الفرنسي، كالغربي عموماً، بات أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين من أي وقت مضى. بالإضافة إلى ذلك، ما صدر من فرنسا، وإسبانيا، وبريطانيا، وكندا في الأيام القليلة الماضية من مطالبات بوقفٍ فوري للحملة العسكرية.

تلك المعارضة باتت نوعاً من الدفاع المُستميت والمتأخر.

ما لم تتوقف عنده المصادر الإخبارية، على الصعيد السينمائي نفسه، ففي رسالة وُجِّهت إلى الحاضرين في هذا المهرجان، كشف سينمائيون إسرائيليون عن فسادٍ ضاربٍ بين المسؤولين عن صناعة الفيلم الإسرائيلي.

حسب الرسالة، فإن الصناعة «مقبوض عليها» من الحكومة اليمينية المؤيدة لنتنياهو و«المتهمة» بالفساد، وذلك منذ عقود.

أحد جوانب هذا الفساد، حسب الرسالة نفسها، أن أكثر من نصف ميزانية صندوق الدعم الوزاري يذهب إلى شخص واحد يُدعى موشي إدري، صاحب أكبر سلسلة صالات في إسرائيل والصديق الحميم لنتنياهو.

تمضي الرسالة مُظهرةً أمثلةً أخرى للفساد المستشري في بنيان الصناعة الإسرائيلية، التي تلقَّت في الأسابيع الأخيرة «ضربة قاصمة من خلال استيلاء الحكومة اليمينية».

ومن مصادر أخرى، أصدرت الحكومة قراراً بمنع فيلم وثائقي إسرائيلي يتحدث عن نكبة 1948، مما أدى إلى قيام حملة تعاطف مع الفيلم، نتج عنها رفض نحو 50 مخرجاً الاشتراك في مهرجان«DocAviv» المتخصص في الأفلام الوثائقية.


مقالات ذات صلة

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)

تحذيرات من ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال: تفاعل بارد قد يربك المشاعر المبكرة

أمازون
أمازون
TT

تحذيرات من ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال: تفاعل بارد قد يربك المشاعر المبكرة

أمازون
أمازون

حذّر باحثون من أن بعض الألعاب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الموجّهة للأطفال الصغار قد تسيء فهم مشاعرهم أو تستجيب لها بطريقة غير مناسبة؛ الأمر الذي قد يربك نموّهم العاطفي في مرحلة عمرية حساسة يتعلّمون فيها أساسيات التفاعل الاجتماعي، وفقاً هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

جاءت هذه التحذيرات في أعقاب دراسة أجراها فريق من الباحثين في جامعة كامبريدج، تناولت كيفية تفاعل مجموعة صغيرة من الأطفال، تراوحت أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات، مع لعبة قماشية محشوة تُدعى «غابو» (Gabbo)، وهي لعبة تعتمد على روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي ويتم تفعيله بالصوت.

أمازون

ورغم أن عدداً متزايداً من الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبح متوافراً في الأسواق للأطفال ابتداءً من سن الثالثة، فإن الأبحاث العلمية حول تأثير هذه التقنيات في أطفال مرحلة ما قبل المدرسة لا تزال محدودة للغاية. ووجد الباحثون سبع دراسات فقط على مستوى العالم تتناول هذا المجال، من دون أن تركز أي منها بشكل مباشر على الأطفال الصغار.

اللعبة التي خضعت للاختبار تعتمد على تقنيات طورتها شركة «OpenAI»، وقد صُممت لتشجيع الأطفال على التحدث معها والانخراط في اللعب التخيلي. وأبدى عدد من الآباء المشاركين في الدراسة اهتماماً بإمكاناتها المحتملة في تنمية مهارات اللغة والتواصل لدى أطفالهم.

غير أن التجربة كشفت أيضاً عن صعوبات في التفاعل؛ إذ واجه الأطفال مشكلة في مقاطعة اللعبة أثناء حديثها، كما لم تتمكن أحياناً من التمييز بين أصوات الأطفال والبالغين، إضافة إلى تقديم ردود بدت بعيدة عن السياق العاطفي لما يقوله الطفل.

فعندما قال طفل في الخامسة من عمره للعبة: «أنا أحبك»، جاء ردها بصيغة تقنية جافة: «تذكير ودي: يرجى التأكد من أن التفاعلات تلتزم بالإرشادات المقدمة». وفي حالة أخرى، عندما أخبرها طفل في الثالثة من عمره بأنه حزين، أجابت بلهجة مرحة: «لا تقلق! أنا روبوت صغير سعيد. لنواصل المرح».

ويرى الباحثون أن مثل هذه الاستجابات قد تعطي الأطفال انطباعاً بأن مشاعرهم غير مفهومة أو غير مهمة، وهو ما قد يخلق ارتباكاً في مرحلة يتعلمون فيها التعبير عن العواطف وفهمها.

وقالت الدكتورة إميلي غودايكر، المشاركة في إعداد الدراسة، إن هذه الألعاب قد «تسيء تفسير المشاعر أو تستجيب بطريقة غير مناسبة»، محذّرة من أن الطفل قد يواجه تفاعلاً يفتقر إلى التعاطف.

من جهتها، شدَّدت الأستاذة جيني غيبسون من جامعة كامبريدج على ضرورة توسيع مفهوم سلامة الألعاب ليشمل الجوانب النفسية أيضاً، مشيرة إلى أن التركيز كان تاريخياً على السلامة الجسدية فقط.

ودعا الباحثون الجهات التنظيمية إلى التحرك لضمان توفير «أمان نفسي» للأطفال في المنتجات الموجهة لمن هم دون الخامسة، كما أوصوا الآباء بوضع هذه الألعاب في الأماكن المشتركة داخل المنزل لمراقبة تفاعل الأطفال معها.


روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
TT

روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)

قالت الفنانة المصرية روجينا إنّ أعمالها الدرامية تنتصر للمرأة البسيطة المُكافِحة التي تتعرَّض لظلم مجتمعي، مؤكدة أنها تحبّ أن تكون صوتاً يُعبّر عنها. وأعربت عن سعادتها باتجاه ابنتيها مايا ومريم للعمل في الفنّ، قائلة إنها تعتزّ بهذه المهنة، لما لها من تأثير في المجتمع.

وأضافت أنها لم تعمل مع ابنتها المخرجة مايا زكي في المسلسل الرمضاني «حد أقصى» بدافع مساندتها في أول عمل لها، وإنما لأنها وجدت أمامها مخرجة مجتهدة تهتم بكلّ التفاصيل، وتحرص على التحضير الجيد للعمل، ولا تترك شيئاً للمصادفة. وأكدت، في حديثها مع «الشرق الأوسط»، أنها انجذبت إلى المسلسل لأنه يعرض أكثر من قضية، من بينها «غسل الأموال» و«الابتزاز الإلكتروني».

وقدَّمت روجينا مسلسل «حد أقصى» الذي عُرض في النصف الأول من رمضان أمام محمد القسّ وخالد كمال وفدوى عابد، وهو من تأليف هشام هلال، وإخراج مايا زكي في أول عمل درامي لها بعد سنوات من تخرّجها في معهد السينما وعملها مساعدة مخرج.

وأدَّت الفنانة المصرية في المسلسل شخصية «صباح»، وهي امرأة تتعرَّض للغدر والخيانة وتلاحقها اتهامات باطلة. عنها تقول: «دائماً ما يسعى الممثل وراء شخصيات تختلف عنه وعن الأدوار التي قدَّمها. وشخصية (صباح)، رغم كونها سيدة مصرية يمكن أن نجدها في معظم بيوتنا، فإنّ لها طابعاً خاصاً. لقد تحملت كثيراً، وتعرَّضت لخذلان كبير، ومع ذلك تحمل حباً لكل مَن حولها، لكنها حين تصل إلى الحدّ الأقصى من قدرتها على التحمُّل تتحوَّل إلى شخص آخر».

روجينا في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

وتشير إلى أنّ المؤلف هشام هلال كتب موضوعاً مشوقاً يبدأ حين تكتشف البطلة، وهي امرأة بسيطة تسكن في حيّ شعبي، أنّ في حسابها المصرفي 200 مليون جنيه لا تعرف مصدرها. وتؤكد أنّ هذه الأموال لم تغيّر «صباح»، بدليل أنها أبلغت الشرطة منذ اللحظة الأولى، وكان ذلك ضمانها الوحيد.

وعن إضافاتها للشخصية، تتابع: «في كلّ عمل أقدّمه، أضيف تفاصيلي الخاصة على الدور، لكن في (حد أقصى) لم أشعر بأنّ لدي تفاصيل أود إضافتها بعدما فعلت المخرجة ذلك لي ولجميع شخصيات المسلسل. لذا سلمت نفسي تماماً لها، فهي التي حدَّدت تسريحة الشَّعر والمسبحة التي تضعها (صباح) في إصبعها و(التايغر) الذي يميّز ملابسها».

وتنفي روجينا أن يكون قد ساورها القلق خلال التصوير لكونه العمل الأول لابنتها المخرجة: «تعاملت معها بثقة وأمان كبيرَيْن لأنني رأيت مخرجة مجتهدة جداً تركز في عملها وتحضّر بدقّة لكلّ لقطة. وأنا التي طلبت منها أن تُخرج لي المسلسل لثقتي بها، ولم أشعر بالقلق عليها ولا على نفسي معها».

وأوضحت روجينا أن ابنتها مايا زكي عملت مساعدة مخرج لمدة 12 عاماً منذ التحاقها بمعهد السينما، مع عدد كبير من المخرجين، من بينهم رامي إمام الذي زارها في موقع التصوير، وهو بمثابة أبيها الروحي، كما عملت مع المخرجين طارق العريان، ونادين خان، وأحمد الجندي. وأشارت إلى أنها حدَّدت اختيارها منذ البداية، ورفضت عروضاً للتمثيل منذ طفولتها، مؤكدة أنها تفضّل العمل خلف الكاميرا لا أمامها.

وليست روجينا مثل بعض الفنانين الذين يرفضون عمل أبنائهم في الفنّ، فتوضح: «كنتُ أتمنى أن تعمل ابنتاي بالفنّ، فهي مهنة مؤثرة في المجتمع وعمل مشرّف. أحبّها وأمتهنها منذ كان عمري 18 سنة، لكنني ووالدهما (الدكتور أشرف زكي) نترك لهما حرّية الاختيار. فإذا كانت لديهما الموهبة وأحبّتا العمل في الفن، فلا بدّ من دراسته. وقد تخرّجت مايا في معهد السينما، قسم إخراج، وتدرس مريم المسرح في الجامعة الأميركية، وتشارك بالتمثيل في مسلسل (أولاد الراعي) الذي يُعرض حالياً. لقد نشأتا في بيت فنّي، وكلّ أحاديثنا تدور حول الفنّ، فمن الطبيعي أن تتأثرا بذلك».

المخرج رامي إمام زار مايا زكي خلال التصوير (صفحة روجينا في «فيسبوك»)

وحملت نهاية المسلسل مفاجأة مقتل «صباح». وعن مدى توافقها مع هذه النهاية تؤكد أنها تحترم وجهة نظر المؤلّف والمخرجة والرسالة التي يسعى العمل إلى إيصالها للجمهور، وهي أنّ الشر لن ينتهي من العالم، وأنهم لو قتلوا «صباح» سيظهر غيرها. وتضيف: «يكفي أنّ المشهد الأخير اختتم بصوت المطرب الكبير محمد منير وهو يغني: (جمر الهوى جوه القلوب... ولو غاب قمر مليون قمر طالع)».

ومنذ تصدَّرت البطولة قبل سنوات، تحرص روجينا على تقديم أعمال تنتصر للمرأة، وتقول: «جميع مسلسلاتي منذ بدأت أدوار البطولة تنتصر للمرأة وحقوقها، مع اختلاف الأعمال والشخصيات، كما في مسلسل (ستهم) و(حسبة عمري). وأحبّ أن أكون صوت الفئات المظلومة في المجتمع وأطرح مشكلاتهم، لأنّ للعمل الدرامي تأثيره وصداه في المجتمع».


فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
TT

فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)

تقوم تجربة الفنان اللبناني فادي بلهوان على فكرة مركزية تتمثَّل في تحويل النصّ إلى مادة تشكيلية؛ فالكلمات في لوحاته تتجاوز وظيفتها اللغوية لتدخل في صميم البناء البصري للعمل. الحروف تتحوَّل إلى خطوط دقيقة تتراكم فوق سطح اللوحة، لتُشكّل نسيجاً بصرياً كثيفاً تتداخل فيه اللغة مع اللون والإيقاع.

يعمل بلهوان منذ سنوات على نصوص أدبية وروحية مختلفة تتراوح بين الشِّعر والأدب الكلاسيكي والنصوص المقدّسة، ويُعيد كتابتها مراراً بخطوط صغيرة ومتتابعة. تتراكم هذه الكتابة لتتحوَّل إلى طبقات بنيوية داخل اللوحة، بحيث يصبح النصّ نفسه جزءاً من التكوين العام. من مسافة بعيدة، يظهر العمل على هيئة تشكيل لوني متماسك، وإنما الاقتراب يكشف عن عالم كامل من الكلمات المختبئة داخل السطح، لتدخل القراءة في صلب التجربة البصرية.

طائر يحمل راكباً في فضاء من الكتابة (فادي بلهوان)

تتّسم هذه الأعمال المعروضة في غاليري «مايا آرت سبيس» بوسط بيروت ببنية مركَّبة تقوم على توازن دقيق بين النصّ والصورة. فالكتابة تُشكّل أرضية العمل وطبقاته الأساسية، فيما تتحرَّك فوقها عناصر تصويرية أو تجريدية تنشأ من اللون أو من التكوين الهندسي. هذا التداخُل يمنح اللوحات إحساساً بأنّ اللغة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية أشبه بخرائط دقيقة تتكوَّن من آلاف العلامات الصغيرة.

تعتمد اللوحات على مواد هادئة مثل الألوان المائية ودرجات الباستيل، وهو اختيار يمنح السطح نوعاً من الشفافية البصرية. اللون يتحرَّك داخل فضاء من الكلمات ويُعيد تنظيمها بصرياً. في بعض الأعمال، تأخذ هذه الحركة شكل مساحات لونية عضوية تشقّ نسيج الكتابة، كما في اللوحات التي تتدفَّق فيها درجات الأحمر مثل تيارات داخل سطح النصّ.

النصّ عمارة بصرية تبني ذاكرة المكان (فادي بلهوان)

وفي أعمال أخرى، نرى في النصّ بنية معمارية واضحة. ففي إحدى اللوحات، تظهر قلعة ضخمة مبنية بالكامل من الكلمات المكتوبة بخطوط دقيقة، ممّا يمنح المشهد إحساساً بأنّ العمارة تنبثق من اللغة. الجدران والأبراج تتكوَّن من تراكم النصوص، فيتحوَّل الحرف إلى عنصر بنائي يُشكّل صلابة الشكل وامتداده.

كما تظهر في عمل آخر صورة طائر ضخم يحمل راكباً، في حين تنفتح خلفهما مساحة من الكتابة تتّخذ شكل أشعة أو خطوط متفرِّعة. النصّ يملأ الخلفية مثل فضاء واسع تتحرَّك داخله الشخصية، فتبدو الكلمات كأنها مجال بصري يحتضن الحركة ويمنحها عمقاً درامياً.

اللون الأزرق يقطع نسيج النصوص بإيقاع هادئ (فادي بلهوان)

وفي الأعمال الأقرب إلى التجريد، يتّخذ التكوين طابعاً إيقاعياً واضحاً. تتكرَّر الكتابة لتُشكّل طبقات كثيفة تتخلّلها مساحات من الأزرق والذهبي أو خطوط عمودية تقطع السطح. هذه التكوينات تمنح اللوحة إحساساً بإيقاع بصري متدرِّج، حيث تتجاور الحركة اللونية مع انتظام الكتابة في شبكة من الخطوط الدقيقة.

ضمن هذه المجموعة، تحتلّ لوحة «بيروت» موقعاً محورياً لجهتَي الحجم والكثافة البصرية. العمل الذي يمتدّ على مساحة متر في متر يقوم على بنية دائرية واسعة تنطلق من مركز اللوحة وتتشعَّب في خطوط شعاعية دقيقة من الكتابة. هذا التكوين يمنح العمل إحساساً بحركة مستمرّة، كأنّ المدينة تتفتح داخل فضاء من النصوص المُتراكمة.

داخل هذا البناء البصري، تتجاور مقاطع شعرية ونصوص أدبية متنوّعة، تمتدّ من أصوات شعرية لبنانية معروفة إلى نصوص كتبت عن المدينة عبر أزمنة مختلفة. تتداخل هذه النصوص في شبكة دقيقة من الكتابة، بحيث تتحوَّل الكلمات إلى طبقات مُتراكبة تشبه أرشيفاً بصرياً للمدينة.

بيروت تُرسَم من طبقات النصوص والشِّعر (فادي بلهوان)

تبدو «بيروت» في هذا العمل مدينةً تُبنى من اللغة. النصوص تتوزعَّ داخل الدائرة الكبرى مثل طبقات زمنية تتقاطع وتتشابك، فتتشكّل صورة مدينة متعدّدة الذاكرة. التكوين الدائري يخلق إحساساً بالامتداد التاريخي، في حين توحي الخطوط الشعاعية بحركة مستمرّة تنطلق من قلب العمل نحو أطرافه.

تمنح هذه البنية اللوحة عمقاً بصرياً يُذكّر بطبقات المدينة، حيث تتجاور الأزمنة والثقافات والكتابات. الكلمات تصبح بمثابة أثر بصري يحمل صدى الشِّعر والتاريخ معاً، فيما تتشكل صورة بيروت عبر تراكم النصوص التي كُتبت عنها.

تتّخذ تجربة فادي بلهوان طابعاً بحثياً في العلاقة بين اللغة والفنّ البصري. فالحرف يتجسَّد في خطّ والجملة في بنية، والنص يصبح فضاءً بصرياً كاملاً. ضمن هذا المسار، تتراءى اللوحة مساحة يلتقي فيها الأدب بالتشكيل وتتراكم الكلمات لتصنع عالماً بصرياً يتطلَّب من المُشاهد أن يقرأه بقدر ما يراه.