السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

فيلمان عن فتاتين مفقودتين في المغرب والعراق

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
TT

السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان»- 4

تستأثر «السجادة الحمراء» باهتمام كبير. هي محطُّ تمنيات واهتمامات عدد كبير من الحاضرين... ربما أغلبهم.

وفي حين أَصعد الدرجات نفسها غير مهتمٍّ بالسجادة وأيّ لون هي، مسارعاً الخطى لدخول الصالة واحتلال مقعدي المفضل (H16)، هناك مئات الحاضرين الذين لا يمكن لهم تفويت الفرصة، خصوصاً إذا ما كانوا إما من صنف النجوم أو من صنف الساعين للنجومية. معظم الإناث اللواتي يصعدن هذه السلالم المبهرة يتوقَّفن أمام الكاميرات المصطفّة على الجانبين. تغمز، تبتسم، ترفع كتفها بدلال وتميل برأسها فوقه. الملابس مختلفة الألوان، لكن غالبيّتها من النوع الكاشف، إما من فوق أو من تحت. حال منحها «بوزات» للصف الأول من المصوّرين، تستدير للصف الثاني وتعاود تشغيل النمرة.

التقاط الصور على السجادة الحمراء في «كان» (أ.ب)

الطموح هو أن صورها في المجلات ستسترعي انتباه مخرج أو منتج فيتصل بها، لكن ذلك كان سائداً قبل عقود وهنَّ يعلمن ذلك، لكنها فرصة ذهبية قد لا تتكرّر.

هنّ لسن الوحيدات في هذا الطموح. هناك فريق هندي من مخرج ومنتجين وممثلين وممثلات، وصل إلى السلم «غراند لوميير» (الصالة الرئيسية للمهرجان) وتجمّد في أرضه. رفع أفراد الفريق أيديهم ملوّحين للمصوّرين الواقفين تحت أشعة شمس لاهبة بستراتهم وحمولتهم من الكاميرات. التُقطت الصور، ومعظم المصورين لم يعرفوا من هؤلاء. التصوير انتهى، لكن الفريق بقي واقفاً في مكانه.

هذا ليس كل شيء. بعد نحو ربع ساعة، سار الفريق إلى أعلى السلم ومن ثَمَّ استدار مجدداً وأخذ يبتسم ويُلوِّح لثلاث دقائق أخرى، قبل أن يأتي رجل من قسم الاستقبال ويطلب منهم دخول الصالة.

أيام حافلة

يتكرَّر هذا المشهد يومياً مرّتين على الأقل، لكن الأفلام تُعرض لنحو 20 ساعة في اليوم، وبحضور كثيف موزَّع ما بين عروض المسابقة الرسمية، وعروض تظاهرة «نظرة ما»، وعروض تظاهرة «نصف شهر المخرجين» و«أسبوع النقاد»، وبرامج وعروض للكلاسيكيات وسواها. يجد المرء نفسه (إذا لم يكن من عشَّاق السجادة الحمراء) وهو ينتقل من صالة إلى أخرى، محتفظاً ببطاقات الأفلام الممنوحة له حتى لا ينسى الأفلام التي شاهدها في ذلك اليوم. وهناك كثير من الأفلام للمشاهدة من كل المستويات. هناك قمم ومرتفعات ووديان بين هذه الأفلام، والجميع يبقى في البال أو على الورق من يومٍ ليوم.

لقطة من فيلم «صراط» (مهرجان «كان»)

الحال أن الأيام التسعة التي مرَّت منذ انطلاق الدورة الـ78 في 13 من الشهر الحالي، حفلت بالأعمال التي تستحق كل دقيقة لاكتشافها، بصرف النظر عن مستوياتها. هناك تحف عدَّة هذا العام تنضح بالجدِّية والتجديد. مهمّة فناً كما مهمَّة مضموناً. وربما في أعلى القائمة «صراط» (Sirât)، فيلم إسباني الإنتاج للمخرج أوليفر لاكس، من الصعب وصفه بسبب كونه متعدد المفاجآت ومتميّزاً برؤية فنية صارخة. يقع على بُعد سنوات ضوئية من أيِّ شيء آخر معروض هنا.

يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تُركّب في صحراء مغربية. بعد قليل، يبدأ تشغيلها: موسيقى هادرة من «نوتة» متكرّرة على غرار ما هو منتشر هذه الأيام. موسيقى ضاجَّة (وضعها كانغدينغ راي)، وما يُبهر ليس الصوت ولا الرقص بحد ذاته، بل عدد الراقصين الضخم (من الجنسين) وهم يمارسون ذلك التجانس الفوضوي مع الموسيقى. تنتقل الكاميرا بينهم. تصوِّرهم في تشنجهم وفوضاهم. بين هؤلاء رجل اسمه لوي (سيرغي لوبيز) يسير مع ابنه الصغير حاملاً صورة ابنته التي اختفت منذ 8 أشهر. سمِع أنها في المغرب، وقد انضمّت إلى هذه الجموع التي تقيم حفلاتها في عمق الصحارى.

البحث عن طريق

فجأة، يصل الجيش ويفرّق الجمع، لكن بعض الحافلات تفلت من القافلة التي أبعدها الجيش عن الموقع. اثنتان منها تقلّان 6 أشخاص، وخلفهما ذلك «الباص» الصغير الذي يقوده لوي، وبجانبه ابنه، بعدما دلَّه أحدهم على وجود حفل آخر في منطقة صحراوية أخرى.

من «صراط»: أب يبحث عن ابنته (مهرجان «كان»)

ما يحدث بعد النصف ساعة الأولى عصيٌّ على الترجمة إلى كلمات من دون أن يفقد جزءاً من بصريته. الأحداث نفسها غير متوقَّعة: عبورٌ في صحراء، ووديان، فتسلق جبال، ومن ثم اجتياز أنهار، والدخول في حقل ألغام. وفي كل موقع، شيء ما يحدث على نحو صادم ومباغت. لا حاجة للقول إن القافلة تفقد وجهتها، وتجد نفسها معزولة وسط تلك الرقعة الشاسعة من الأرض. وسرعان ما تتكرَّر صور تراجيدية غير متوقَّعة. في بدايات الفيلم، تتوقف الأحداث دقيقةً كاملة نسمع خلالها (وبشكل مباشر) آيات من القرآن الكريم، كانت ملهماً للمخرج في اختيار عنوان فيلمه، إذ إن كلمة «صراط» تشير إلى خط الوصول الروحي بين الأرض والسماء.

المخرج أوليفر لاكس (رويترز)

وعلى الرغم من وضوح الإشارة، لا يبدو أن الفيلم منشغل بتصنيف شخصياته أو بتحديد اتجاهاتها. معظمها شخصيات أجنبية (سيرغي لوبيز هو الممثل المحترف الوحيد، لكن الآخرين يقدّمون أداءً رائعاً أيضاً). يعرض الفيلم مصائرهم ويترك للمُشاهد أن يتأمل، إن أراد، مسيرتهم الأبدية بعد ذلك.

كعكة عيد الميلاد

هناك رحلة أخرى في فيلم عراقي-أميركي بعنوان «كعكة الرئيس»، وهو الفيلم الأول لمخرجه حسن هادي الذي ألقى كلمة طويلة خلال العرض الافتتاحي في تظاهرة «نصف شهر المخرجين»، شكر فيها كل الذين عملوا معه فرداً فرداً. 10 دقائق من التعداد (وبجوارها نحو 7 دقائق من الترجمة إلى الفرنسية) مما دفعني إلى التساؤل: ما الذي سيتلوه إذا ما حدث وفاز بجائزة ما؟ يتولَّى هذا الفيلم سرد حكاية متأخرة عن وقتها، تقع في عام 1990 قبيل انهيار حكم الرئيس الراحل صدَّام حسين، وتدور حول الفتاة الصغيرة لميا (تؤديها جيداً بنين أحمد نايف) التي يطلب مدرِّسها منها تحضير كعكة بمناسبة عيد ميلاد الرئيس. تتعامل لميا مع المهمة بجديَّة، وتمضي مع جدَّتها (وحيدة خريبات) إلى المدينة حيث من المفترض أن تجمع مكوِّنات الكعكة، لكن جدّتها تحاول التخلص منها («باتت عبئاً لا أستطيع تحمّله»، كما تقول) بإيداعها في عهدة صاحبة مطعم. تفرُّ لميا، وتلتقي بزميل المدرسة سعيد (سجد محمد قاسم)، الذي يسرق محافظ النقود ويعطيها لوالده المتسوّل لقاء نسبة.

المخرج العراقي حسن هادي (أ.ف.ب)

معاً (هي والديك الذي تحمله لميا طوال الوقت)، سيشكِّلان ثنائياً تتابعهما الأحداث، في حين تنطلق الجدّة للبحث عنها وتدخل قسم الشرطة للغاية. تصرخ في الضباط غير آبهة بمحاولات تهدئتها وإقناعها بأن عليها أن تقدِّم محضراً عن اختفاء حفيدتها. هذا بالطبع دون أن ننسى أنها قبل لحظات كانت تودُّ التخلص منها. يسير المخرج بفيلمه بطاقة مقبولة، ويُحسب له تلقائية تمثيل الفتاة خصوصاً. بيد أن السرد من مشهد إلى آخر ينطوي على بدائيّات التنفيذ. هناك حكاية بلا أسلوب فنيٍّ مؤازر، مما يجعل الفيلم خالياً من الضرورة. وفي حين يريد المخرج وصم الفترة منتقداً أوضاعاً عديدة، يفتقد إلى التوقُّف عن دفع الأحداث بلا معالجة فنية مدروسة. هناك اعتماد على الصَّخب في الحوار المتبادل بين الشخصيات.

جدة تبحث عن حفيدتها في عهد صدَّام حسين (مهرجان «كان»)

ربما هذا هو الواقع في الحياة العامة، لكن الفن لا يجب أن يُضحَّى به لا للواقع ولا لسواه. إلى ذلك، هناك رصفٌ من المصادفات التي تَعبُر الفيلم كلما أُريد لها. صدّام حسين في الفيلم رمزاً لفترة حكمه، والرغبة في انتقاد تلك الفترة لا تأخذ بعين الاعتبار أن الحكاية في الواقع قد تقع اليوم أو بعد غد، بالشخصيات نفسها أو من دونها.


مقالات ذات صلة

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» ليوسف شاهين.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق  أحد الأفلام المشاركة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» في دورته الاستثنائية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

تنظيم النسخة الـ12 من «قمرة السينمائي» بقطر افتراضياً بفعل الحرب

أعلنت «مؤسسة الدوحة للأفلام» عن تنظيم النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» افتراضياً بفعل الحرب، والتطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

برحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة.

فيفيان حداد (بيروت)

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.