السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

فيلمان عن فتاتين مفقودتين في المغرب والعراق

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
TT

السجادة الحمراء... قوّة جذب غريبة

مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)
مؤتمر صحافي لفريق عمل فيلم «صراط» (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان»- 4

تستأثر «السجادة الحمراء» باهتمام كبير. هي محطُّ تمنيات واهتمامات عدد كبير من الحاضرين... ربما أغلبهم.

وفي حين أَصعد الدرجات نفسها غير مهتمٍّ بالسجادة وأيّ لون هي، مسارعاً الخطى لدخول الصالة واحتلال مقعدي المفضل (H16)، هناك مئات الحاضرين الذين لا يمكن لهم تفويت الفرصة، خصوصاً إذا ما كانوا إما من صنف النجوم أو من صنف الساعين للنجومية. معظم الإناث اللواتي يصعدن هذه السلالم المبهرة يتوقَّفن أمام الكاميرات المصطفّة على الجانبين. تغمز، تبتسم، ترفع كتفها بدلال وتميل برأسها فوقه. الملابس مختلفة الألوان، لكن غالبيّتها من النوع الكاشف، إما من فوق أو من تحت. حال منحها «بوزات» للصف الأول من المصوّرين، تستدير للصف الثاني وتعاود تشغيل النمرة.

التقاط الصور على السجادة الحمراء في «كان» (أ.ب)

الطموح هو أن صورها في المجلات ستسترعي انتباه مخرج أو منتج فيتصل بها، لكن ذلك كان سائداً قبل عقود وهنَّ يعلمن ذلك، لكنها فرصة ذهبية قد لا تتكرّر.

هنّ لسن الوحيدات في هذا الطموح. هناك فريق هندي من مخرج ومنتجين وممثلين وممثلات، وصل إلى السلم «غراند لوميير» (الصالة الرئيسية للمهرجان) وتجمّد في أرضه. رفع أفراد الفريق أيديهم ملوّحين للمصوّرين الواقفين تحت أشعة شمس لاهبة بستراتهم وحمولتهم من الكاميرات. التُقطت الصور، ومعظم المصورين لم يعرفوا من هؤلاء. التصوير انتهى، لكن الفريق بقي واقفاً في مكانه.

هذا ليس كل شيء. بعد نحو ربع ساعة، سار الفريق إلى أعلى السلم ومن ثَمَّ استدار مجدداً وأخذ يبتسم ويُلوِّح لثلاث دقائق أخرى، قبل أن يأتي رجل من قسم الاستقبال ويطلب منهم دخول الصالة.

أيام حافلة

يتكرَّر هذا المشهد يومياً مرّتين على الأقل، لكن الأفلام تُعرض لنحو 20 ساعة في اليوم، وبحضور كثيف موزَّع ما بين عروض المسابقة الرسمية، وعروض تظاهرة «نظرة ما»، وعروض تظاهرة «نصف شهر المخرجين» و«أسبوع النقاد»، وبرامج وعروض للكلاسيكيات وسواها. يجد المرء نفسه (إذا لم يكن من عشَّاق السجادة الحمراء) وهو ينتقل من صالة إلى أخرى، محتفظاً ببطاقات الأفلام الممنوحة له حتى لا ينسى الأفلام التي شاهدها في ذلك اليوم. وهناك كثير من الأفلام للمشاهدة من كل المستويات. هناك قمم ومرتفعات ووديان بين هذه الأفلام، والجميع يبقى في البال أو على الورق من يومٍ ليوم.

لقطة من فيلم «صراط» (مهرجان «كان»)

الحال أن الأيام التسعة التي مرَّت منذ انطلاق الدورة الـ78 في 13 من الشهر الحالي، حفلت بالأعمال التي تستحق كل دقيقة لاكتشافها، بصرف النظر عن مستوياتها. هناك تحف عدَّة هذا العام تنضح بالجدِّية والتجديد. مهمّة فناً كما مهمَّة مضموناً. وربما في أعلى القائمة «صراط» (Sirât)، فيلم إسباني الإنتاج للمخرج أوليفر لاكس، من الصعب وصفه بسبب كونه متعدد المفاجآت ومتميّزاً برؤية فنية صارخة. يقع على بُعد سنوات ضوئية من أيِّ شيء آخر معروض هنا.

يبدأ الفيلم بمكبرات صوت ضخمة تُركّب في صحراء مغربية. بعد قليل، يبدأ تشغيلها: موسيقى هادرة من «نوتة» متكرّرة على غرار ما هو منتشر هذه الأيام. موسيقى ضاجَّة (وضعها كانغدينغ راي)، وما يُبهر ليس الصوت ولا الرقص بحد ذاته، بل عدد الراقصين الضخم (من الجنسين) وهم يمارسون ذلك التجانس الفوضوي مع الموسيقى. تنتقل الكاميرا بينهم. تصوِّرهم في تشنجهم وفوضاهم. بين هؤلاء رجل اسمه لوي (سيرغي لوبيز) يسير مع ابنه الصغير حاملاً صورة ابنته التي اختفت منذ 8 أشهر. سمِع أنها في المغرب، وقد انضمّت إلى هذه الجموع التي تقيم حفلاتها في عمق الصحارى.

البحث عن طريق

فجأة، يصل الجيش ويفرّق الجمع، لكن بعض الحافلات تفلت من القافلة التي أبعدها الجيش عن الموقع. اثنتان منها تقلّان 6 أشخاص، وخلفهما ذلك «الباص» الصغير الذي يقوده لوي، وبجانبه ابنه، بعدما دلَّه أحدهم على وجود حفل آخر في منطقة صحراوية أخرى.

من «صراط»: أب يبحث عن ابنته (مهرجان «كان»)

ما يحدث بعد النصف ساعة الأولى عصيٌّ على الترجمة إلى كلمات من دون أن يفقد جزءاً من بصريته. الأحداث نفسها غير متوقَّعة: عبورٌ في صحراء، ووديان، فتسلق جبال، ومن ثم اجتياز أنهار، والدخول في حقل ألغام. وفي كل موقع، شيء ما يحدث على نحو صادم ومباغت. لا حاجة للقول إن القافلة تفقد وجهتها، وتجد نفسها معزولة وسط تلك الرقعة الشاسعة من الأرض. وسرعان ما تتكرَّر صور تراجيدية غير متوقَّعة. في بدايات الفيلم، تتوقف الأحداث دقيقةً كاملة نسمع خلالها (وبشكل مباشر) آيات من القرآن الكريم، كانت ملهماً للمخرج في اختيار عنوان فيلمه، إذ إن كلمة «صراط» تشير إلى خط الوصول الروحي بين الأرض والسماء.

المخرج أوليفر لاكس (رويترز)

وعلى الرغم من وضوح الإشارة، لا يبدو أن الفيلم منشغل بتصنيف شخصياته أو بتحديد اتجاهاتها. معظمها شخصيات أجنبية (سيرغي لوبيز هو الممثل المحترف الوحيد، لكن الآخرين يقدّمون أداءً رائعاً أيضاً). يعرض الفيلم مصائرهم ويترك للمُشاهد أن يتأمل، إن أراد، مسيرتهم الأبدية بعد ذلك.

كعكة عيد الميلاد

هناك رحلة أخرى في فيلم عراقي-أميركي بعنوان «كعكة الرئيس»، وهو الفيلم الأول لمخرجه حسن هادي الذي ألقى كلمة طويلة خلال العرض الافتتاحي في تظاهرة «نصف شهر المخرجين»، شكر فيها كل الذين عملوا معه فرداً فرداً. 10 دقائق من التعداد (وبجوارها نحو 7 دقائق من الترجمة إلى الفرنسية) مما دفعني إلى التساؤل: ما الذي سيتلوه إذا ما حدث وفاز بجائزة ما؟ يتولَّى هذا الفيلم سرد حكاية متأخرة عن وقتها، تقع في عام 1990 قبيل انهيار حكم الرئيس الراحل صدَّام حسين، وتدور حول الفتاة الصغيرة لميا (تؤديها جيداً بنين أحمد نايف) التي يطلب مدرِّسها منها تحضير كعكة بمناسبة عيد ميلاد الرئيس. تتعامل لميا مع المهمة بجديَّة، وتمضي مع جدَّتها (وحيدة خريبات) إلى المدينة حيث من المفترض أن تجمع مكوِّنات الكعكة، لكن جدّتها تحاول التخلص منها («باتت عبئاً لا أستطيع تحمّله»، كما تقول) بإيداعها في عهدة صاحبة مطعم. تفرُّ لميا، وتلتقي بزميل المدرسة سعيد (سجد محمد قاسم)، الذي يسرق محافظ النقود ويعطيها لوالده المتسوّل لقاء نسبة.

المخرج العراقي حسن هادي (أ.ف.ب)

معاً (هي والديك الذي تحمله لميا طوال الوقت)، سيشكِّلان ثنائياً تتابعهما الأحداث، في حين تنطلق الجدّة للبحث عنها وتدخل قسم الشرطة للغاية. تصرخ في الضباط غير آبهة بمحاولات تهدئتها وإقناعها بأن عليها أن تقدِّم محضراً عن اختفاء حفيدتها. هذا بالطبع دون أن ننسى أنها قبل لحظات كانت تودُّ التخلص منها. يسير المخرج بفيلمه بطاقة مقبولة، ويُحسب له تلقائية تمثيل الفتاة خصوصاً. بيد أن السرد من مشهد إلى آخر ينطوي على بدائيّات التنفيذ. هناك حكاية بلا أسلوب فنيٍّ مؤازر، مما يجعل الفيلم خالياً من الضرورة. وفي حين يريد المخرج وصم الفترة منتقداً أوضاعاً عديدة، يفتقد إلى التوقُّف عن دفع الأحداث بلا معالجة فنية مدروسة. هناك اعتماد على الصَّخب في الحوار المتبادل بين الشخصيات.

جدة تبحث عن حفيدتها في عهد صدَّام حسين (مهرجان «كان»)

ربما هذا هو الواقع في الحياة العامة، لكن الفن لا يجب أن يُضحَّى به لا للواقع ولا لسواه. إلى ذلك، هناك رصفٌ من المصادفات التي تَعبُر الفيلم كلما أُريد لها. صدّام حسين في الفيلم رمزاً لفترة حكمه، والرغبة في انتقاد تلك الفترة لا تأخذ بعين الاعتبار أن الحكاية في الواقع قد تقع اليوم أو بعد غد، بالشخصيات نفسها أو من دونها.


مقالات ذات صلة

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

يوميات الشرق ميسا جلّاد تُحيي حفل ختام المهرجان (نادي لكلّ الناس)

«مهرجان الفيلم العربي»... 6 أيام من العروض والندوات السينمائية

منذ تأسيسه عام 1998، يعمل «نادي لكلّ الناس» على أرشفة الأعمال السينمائية والموسيقية، وترميمها وتحويلها إلى نسخ رقمية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.


أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.