«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

الجناح الأول للسعودية في ترينالي ميلانو للعمارة

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء
TT

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

«مغرس: مزرعة تجريبية» هو اسم عرض الجناح السعودي الأول في ترينالي ميلانو للتصميم والعمارة المنعقد حالياً، ربما يكون من أكثر المعارض المتكاملة؛ سواء في موضوعها أو في فريق العمل أو في الرسالة التي تصل للمشاهد عبر عناصر العمل المختلفة، كل منها، بدءاً من التصميم إلى المقاطع الصوتية أو التركيبات الفنية والرسوم المصاحبة، كل منها يتحدث عن الفكرة الرئيسة، وينوع على النغمة الأساسية للعرض، وهي استكشاف التقاطعات والصلات الوثيقة التي تجمع بين البيئة والثقافة والذاكرة في الأحساء.

ممتع جداً التجول في هذه المساحة المترعة بالأفكار والتأملات والتعبيرات الفنية، نشعر بروح الجماعة والمجتمع الحساوي فأهل الواحة حاضرون هنا عبر قصصهم ورائحة ترابهم وسعف النخيل المتمثل في الأبسطة والمنسوجات البسيطة.

لولوة المانع وسارة العمران (ناصر الناصر)

تقابلنا مع المشرفتَيْن على المعرض لولوة المانع وسارة العمران للحديث عن فكرة العرض وأقسامه.

تختار سارة العمران البداية بتفسير معنى كلمة «مغرس»، وهي وحدة قياس محلية تقليدية تشير إلى مِساحة الأرض التي تحيط بها أربع نخلات كان مزارعو الأحساء يحسبون بها قياسات الأرض في الماضي. وأمامنا في الجناح مماثلة فنية لشكل المغرس، وهي مِساحة مغطاة بالتراب تحددها أربعة تشكيلات فنية على هيئة النخل مغطاة بقطع المرايا.

جانب من العرض (إنستغرام)

ما الذي يجعل من هذه القطعة جذابة للنظر؟ عوامل كثيرة في الحقيقة، بعضها جمالي بحت يتمثل في التشكيل الفني للتربة بمرتفعات ومنخفضات، النخلات الأربع تتكون من قطع المرايا التي ثبتت عليها صور مختلفة مأخوذة من ورش العمل التي ق قام بها الفريق مع أهالي الواحة. المساحة أيضاً بها تكوين يرمز للآبار المائية ثم هناك ركن رابع به ما يشبه قطع مصنوعة من سعف النخل وشتلات تمر ذهبية اللون تغطيها قطع من الخصف المجدول. يكتمل المشهد الرمزي بسجادة حمراء في أحد الأطراف وشريط صوتي متنوع ما بين الأحاديث والأهازيج.

على الحوائط حول التركيب البديع، هناك إطارات مختلفة تحمل معلومات وخرائط وصور وتخطيطات معمارية، إضافة إلى زوايا مخصصة للحديث عن ثلاث شخصيات من الأحساء، وهي: مزارع أرز وحرفي وبائع في سوق شعبية.

مدلولات «مغرس»

كل هذه الخطوط تلتقي في المدلول العام لكلمة «مغرس»، وليس فقط في المعنى، توضح لنا سارة العمران أكثر: «نتحدث هنا عن مغرس المزرعة التجريبية، وهي مساحة مجتمعية قمنا بتأسيسها أنا ولولوة، العام الماضي، لجذب الممارسين من مختلف الخلفيات، فلدينا الفنانون والمعماريون ومجتمع مدينة الأحساء، نتأمل في بيئة الواحة والحياة فيها، ونحاول عبر مشروعنا اختبار نموذج جديد لمساحة فنية ومجتمعية تطمح لإقامة حوار عن التغيرات التي تشهدها مدينة الأحساء وتخيل مستقبل واحتمالات جديدة».

ورشة عمل: جولة بين أزقة ومزارع قرية قديمة (مغرس)

تأخذ لولوة المانع الحديث عن أهمية المزرعة التجريبية في الأحساء، وتشير إلى التغيرات البيئية والمجتمعية التي طرأت في المائة عام الماضية بفعل التوسع الحضري والتحديث وتغير البنية التحتية: «وجدنا أنه من المهم أن نخصص وقتاً لفهم ما يحدث، ونجري هذه الحوارات مع الممارسين الآخرين وأفراد المجتمع المحلي، بل حتى مع المجتمع العالمي هنا في ميلانو». تضيف المانع: «رأينا أنه من المهم حقاً دراسة المناطق الريفية في البلاد، وخاصةً تلك التي تشبه الأحساء، التي تزخر بتاريخ عريق وتراث غني».

تلتقط العمران الخيط، وتتحدث عن التغيرات البيئية في واحة الأحساء والمسجلة على قائمة «اليونيسكو»، بوصفها أكبر واحة في العالم، وتضيف: «أصبحت التغييرات جليةً جداً منذ نحو 30 أو 40 عاماً. لكن ما يهمنا، هو كيف ارتبطت الثقافة، سواءً كانت أساطير، أو قصصاً، أو أغاني أو وصفات طعام أو حرفاً يدوية، بسياق بيئي معين، وهو الماء الموجود في هذه الواحة. عندما يجف هذا الماء، ماذا يحدث للأشياء الأخرى المتشابكة مع هذه البيئة؟ كيف نحافظ على ثقافة مستوحاة من تلك البيئة؟ وماذا يحدث عندما ينفصل هذان العنصران، أو الرابط بينهما؟ هذا ما يركز عليه الفنانون والبحث».

محصول التمر في الأحساء (أليخاندرو ستين)

بالعودة إلى عنوان العرض أو لكلمة «مغرس»، تشير المانع إلى ارتباطها بصفتها وحدة قياس غير معمول بها الآن بالكثير من الممارسات الماضية في الأحساء، «إنها أحد الأمور التي كشفت عنها الأبحاث، من تقويمات الأشهر، ووحدات القياس، والممارسات التي كانت سائدة، وطرق توزيع المياه في الماضي، وأنظمة نقل المياه من مزرعة إلى أخرى، التي تلاشت تدريجياً مع مرور الزمن، مع بداية الحداثة والتحضر».

فريق العمل

لتكوين صورة أكثر وضوحاً عن التغيرات المختلفة التي طرأت على الأحساء، قامت العمران والمانع بتكوين فريق متعدد المهارات للعمل على المشروع، «ركزنا في جزء كبير من البحث على الاستفادة من السرديات الشفهية والأغاني والأساطير والقصص. قمنا أيضاً بإجراء كثير من المقابلات مع المزارعين والحرفيين والمؤرخين والمهندسين المعماريين والبنائين، لفهم بعض هذه الأسئلة من وجهة نظرهم، مثل: ما تجربتهم مع التغيير في البيئة؟ وكيف يرتبط ذلك بالثقافة بأشكالها المختلفة؟»، استعان الفريق أيضاً بأرشيفات لشركات أجنبية عملت في المنطقة في فترة الستينات والسبعينات وأيضاً بأرشيف شركة «أرامكو».

حول قطعة العرض الأساسية في المعرض، نلاحظ وجود الأطر المختلفة على الجدران، هنا توجد المعلومات والرسوم الهندسية، وأيضاً الصور التي تبرز واحة الأحساء قديماً ونخلها وقراها. تشير المعلومات أيضاً إلى مجاري الماء والآبار التي كانت موجودة في الأحساء وجف ماؤها بفعل التغير المناخي، هنا أيضاً نرى تخطيطاً لشبكة الري نفّذها عالم أنثروبولوجيا كان يعمل في شركة «أرامكو» في الأربعينات والخمسينات. «تظهر الرسوم كيف كانت القنوات تُركّب فوق بعضها البعض، وتُظهر تحوّلها إلى قنوات خرسانية جف ماؤها في النهاية».

يبدو العرض مثل قطعة النسيج المتشابكة، تتكون من عشرات الخيوط المنفصلة، ولكنها تجتمع لتكون صورة متكاملة لعالم متغير.

من الخيوط المختلفة، اختارت العمران والمانع تقديم ثلاث قصص عن حرفيين يعملون في الأحساء، منهم مُزارع الأرز الأحمر الذي تشتهر به المدينة.

الشخصية الثاني هي البائع في السوق الشعبية الأسبوعية التي كانت جزءاً من القرى والنسيج الحضري في الواحة، وأخيراً آخر حرفيي صناعة «المداد»، وهي فُرُش تصنع من نبات الأسل.

مشاركات فنية

يعرض «مغرس» ثلاثة أعمال ضمن الجناح السعودي،؛ الأول للمصمّمة المعمارية لين عجلان، ويتكوَّن من مخلفات ثانوية لعملية الزراعة، ويدرس توسُّع الزراعة الأحادية، وتأثير الأسمدة الاصطناعية على البيئة المحلية. أما العمل الثاني، فهو فيلم متعدد الوسائط للفنان البصري محمد الفرج من الأحساء، يُعيد فيه تخيُّل حكاية شعبية محلية عن أحد معالم القرية. والعمل الثالث هو مادة صوتية لمؤسسة «صوت وصورة»، يتمحور حول تسجيلات وحوارات متعلقة بالتاريخ الشفهي والذاكرة الصوتية للنساء بوصفها تمثِّل أحد مظاهر المعرفة البيئية.

الفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

محمد الفرج وقصة طليعة

في ركن من العرض، نرى تحت شكل النخلة عرضاً للفيديو منعكساً على الأرضية، مكوناً ما يشبه الماء الجاري، الانعكاسات هي جزء من فيديو للفنان محمد الفرج، يستعين بمفردات إضافية، فنجد مجسمات لضفدع وهياكل أسماك وأيضاً قطع الطين الموجود عليه طبعات أقدام وأيادٍ أخذها من الحقول الزراعية في المدينة. الفرج ينقلنا إلى الأحساء عبر العمل، نتخيل آبارها ونخيلها وتراثها الشفوي عبر قصة تناقلت الأجيال.

يقول لنا الفرج خلال حوار قصير إنه تحمس للمشاركة في الجناح، بناء على طلب من العمران والمانع: «رأيت في الأمر فرصة حلوة للعمل المشترك مع الفريق والفنانتَين لين العجلان وتارا الدغيثر».

يتعلق عمل الفرج بعالم الري والآبار في الأحساء، وعن «القصص والكائنات الموجودة هناك». يستخدم فيلم فيديو صوّره سابقاً في قنوات مائية في الواحة: «جاءتني فكرة أن أقدم فيلماً تتحدث من خلاله الكائنات مثل الضفدع والنخلة، ويحمل أيضاً صوت الفلاح، يروون كلهم قصة خيالية تراجيدية، ولكنهم يجدون فيها الجانب الإيجابي».

الفيلم يعتمد على قصة عن فتاة غرقت في إحدى قنوات الري، وعثر عليها لاحقاً عند نخلة صغيرة أطلق عليها السكان اسم الفتاة، وهو طليعة: «النخلة لا تزال موجودة حتى الآن، وتثمر كل عام. يعجبني الخيال الذي ينسجه أهل القرى». بشكل ما، يرى الفرج أن الإيجابية التي صبغت قصة «طليعة» أيضاً يمكن من خلالها رؤية جفاف قنوات الصرف حالياً والأمل في عودتها مرة أخرى.

يعلق على أن رواة القصة من الكائنات في الواحة: «الكائنات شاهدة أيضاً على ما يحدث في العالم، الطبيعة بها جانب ساحر، فهي دائماً تعود، وتتعافى، حتى الحِرَف التي تندثر، هناك من يعيدها مرة أخرى للحياة، وهو ما نراه يحدث في حرفة المداد في الأحساء فهي في طريقها للاندثار هنا، ولكن هناك مجهودات لإحيائها في أماكن أخرى».


مقالات ذات صلة

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشاهد طبيعية خلابة رسمها الفنانون في جبل الطير (قوميسير الملتقى)

«جبل الطير»... ملتقى فني لإحياء مسار العائلة المقدسة في مصر

بالتزامن مع الاحتفالات المصرية بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة»، انطلقت الدورة الأولى لملتقى «جبل الطير الدولي للفنون» بمشاركة 40 فناناً.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.