«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

الجناح الأول للسعودية في ترينالي ميلانو للعمارة

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء
TT

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

«مغرس»... تقاطعات البيئة والثقافة والذاكرة في مدينة الأحساء

«مغرس: مزرعة تجريبية» هو اسم عرض الجناح السعودي الأول في ترينالي ميلانو للتصميم والعمارة المنعقد حالياً، ربما يكون من أكثر المعارض المتكاملة؛ سواء في موضوعها أو في فريق العمل أو في الرسالة التي تصل للمشاهد عبر عناصر العمل المختلفة، كل منها، بدءاً من التصميم إلى المقاطع الصوتية أو التركيبات الفنية والرسوم المصاحبة، كل منها يتحدث عن الفكرة الرئيسة، وينوع على النغمة الأساسية للعرض، وهي استكشاف التقاطعات والصلات الوثيقة التي تجمع بين البيئة والثقافة والذاكرة في الأحساء.

ممتع جداً التجول في هذه المساحة المترعة بالأفكار والتأملات والتعبيرات الفنية، نشعر بروح الجماعة والمجتمع الحساوي فأهل الواحة حاضرون هنا عبر قصصهم ورائحة ترابهم وسعف النخيل المتمثل في الأبسطة والمنسوجات البسيطة.

لولوة المانع وسارة العمران (ناصر الناصر)

تقابلنا مع المشرفتَيْن على المعرض لولوة المانع وسارة العمران للحديث عن فكرة العرض وأقسامه.

تختار سارة العمران البداية بتفسير معنى كلمة «مغرس»، وهي وحدة قياس محلية تقليدية تشير إلى مِساحة الأرض التي تحيط بها أربع نخلات كان مزارعو الأحساء يحسبون بها قياسات الأرض في الماضي. وأمامنا في الجناح مماثلة فنية لشكل المغرس، وهي مِساحة مغطاة بالتراب تحددها أربعة تشكيلات فنية على هيئة النخل مغطاة بقطع المرايا.

جانب من العرض (إنستغرام)

ما الذي يجعل من هذه القطعة جذابة للنظر؟ عوامل كثيرة في الحقيقة، بعضها جمالي بحت يتمثل في التشكيل الفني للتربة بمرتفعات ومنخفضات، النخلات الأربع تتكون من قطع المرايا التي ثبتت عليها صور مختلفة مأخوذة من ورش العمل التي ق قام بها الفريق مع أهالي الواحة. المساحة أيضاً بها تكوين يرمز للآبار المائية ثم هناك ركن رابع به ما يشبه قطع مصنوعة من سعف النخل وشتلات تمر ذهبية اللون تغطيها قطع من الخصف المجدول. يكتمل المشهد الرمزي بسجادة حمراء في أحد الأطراف وشريط صوتي متنوع ما بين الأحاديث والأهازيج.

على الحوائط حول التركيب البديع، هناك إطارات مختلفة تحمل معلومات وخرائط وصور وتخطيطات معمارية، إضافة إلى زوايا مخصصة للحديث عن ثلاث شخصيات من الأحساء، وهي: مزارع أرز وحرفي وبائع في سوق شعبية.

مدلولات «مغرس»

كل هذه الخطوط تلتقي في المدلول العام لكلمة «مغرس»، وليس فقط في المعنى، توضح لنا سارة العمران أكثر: «نتحدث هنا عن مغرس المزرعة التجريبية، وهي مساحة مجتمعية قمنا بتأسيسها أنا ولولوة، العام الماضي، لجذب الممارسين من مختلف الخلفيات، فلدينا الفنانون والمعماريون ومجتمع مدينة الأحساء، نتأمل في بيئة الواحة والحياة فيها، ونحاول عبر مشروعنا اختبار نموذج جديد لمساحة فنية ومجتمعية تطمح لإقامة حوار عن التغيرات التي تشهدها مدينة الأحساء وتخيل مستقبل واحتمالات جديدة».

ورشة عمل: جولة بين أزقة ومزارع قرية قديمة (مغرس)

تأخذ لولوة المانع الحديث عن أهمية المزرعة التجريبية في الأحساء، وتشير إلى التغيرات البيئية والمجتمعية التي طرأت في المائة عام الماضية بفعل التوسع الحضري والتحديث وتغير البنية التحتية: «وجدنا أنه من المهم أن نخصص وقتاً لفهم ما يحدث، ونجري هذه الحوارات مع الممارسين الآخرين وأفراد المجتمع المحلي، بل حتى مع المجتمع العالمي هنا في ميلانو». تضيف المانع: «رأينا أنه من المهم حقاً دراسة المناطق الريفية في البلاد، وخاصةً تلك التي تشبه الأحساء، التي تزخر بتاريخ عريق وتراث غني».

تلتقط العمران الخيط، وتتحدث عن التغيرات البيئية في واحة الأحساء والمسجلة على قائمة «اليونيسكو»، بوصفها أكبر واحة في العالم، وتضيف: «أصبحت التغييرات جليةً جداً منذ نحو 30 أو 40 عاماً. لكن ما يهمنا، هو كيف ارتبطت الثقافة، سواءً كانت أساطير، أو قصصاً، أو أغاني أو وصفات طعام أو حرفاً يدوية، بسياق بيئي معين، وهو الماء الموجود في هذه الواحة. عندما يجف هذا الماء، ماذا يحدث للأشياء الأخرى المتشابكة مع هذه البيئة؟ كيف نحافظ على ثقافة مستوحاة من تلك البيئة؟ وماذا يحدث عندما ينفصل هذان العنصران، أو الرابط بينهما؟ هذا ما يركز عليه الفنانون والبحث».

محصول التمر في الأحساء (أليخاندرو ستين)

بالعودة إلى عنوان العرض أو لكلمة «مغرس»، تشير المانع إلى ارتباطها بصفتها وحدة قياس غير معمول بها الآن بالكثير من الممارسات الماضية في الأحساء، «إنها أحد الأمور التي كشفت عنها الأبحاث، من تقويمات الأشهر، ووحدات القياس، والممارسات التي كانت سائدة، وطرق توزيع المياه في الماضي، وأنظمة نقل المياه من مزرعة إلى أخرى، التي تلاشت تدريجياً مع مرور الزمن، مع بداية الحداثة والتحضر».

فريق العمل

لتكوين صورة أكثر وضوحاً عن التغيرات المختلفة التي طرأت على الأحساء، قامت العمران والمانع بتكوين فريق متعدد المهارات للعمل على المشروع، «ركزنا في جزء كبير من البحث على الاستفادة من السرديات الشفهية والأغاني والأساطير والقصص. قمنا أيضاً بإجراء كثير من المقابلات مع المزارعين والحرفيين والمؤرخين والمهندسين المعماريين والبنائين، لفهم بعض هذه الأسئلة من وجهة نظرهم، مثل: ما تجربتهم مع التغيير في البيئة؟ وكيف يرتبط ذلك بالثقافة بأشكالها المختلفة؟»، استعان الفريق أيضاً بأرشيفات لشركات أجنبية عملت في المنطقة في فترة الستينات والسبعينات وأيضاً بأرشيف شركة «أرامكو».

حول قطعة العرض الأساسية في المعرض، نلاحظ وجود الأطر المختلفة على الجدران، هنا توجد المعلومات والرسوم الهندسية، وأيضاً الصور التي تبرز واحة الأحساء قديماً ونخلها وقراها. تشير المعلومات أيضاً إلى مجاري الماء والآبار التي كانت موجودة في الأحساء وجف ماؤها بفعل التغير المناخي، هنا أيضاً نرى تخطيطاً لشبكة الري نفّذها عالم أنثروبولوجيا كان يعمل في شركة «أرامكو» في الأربعينات والخمسينات. «تظهر الرسوم كيف كانت القنوات تُركّب فوق بعضها البعض، وتُظهر تحوّلها إلى قنوات خرسانية جف ماؤها في النهاية».

يبدو العرض مثل قطعة النسيج المتشابكة، تتكون من عشرات الخيوط المنفصلة، ولكنها تجتمع لتكون صورة متكاملة لعالم متغير.

من الخيوط المختلفة، اختارت العمران والمانع تقديم ثلاث قصص عن حرفيين يعملون في الأحساء، منهم مُزارع الأرز الأحمر الذي تشتهر به المدينة.

الشخصية الثاني هي البائع في السوق الشعبية الأسبوعية التي كانت جزءاً من القرى والنسيج الحضري في الواحة، وأخيراً آخر حرفيي صناعة «المداد»، وهي فُرُش تصنع من نبات الأسل.

مشاركات فنية

يعرض «مغرس» ثلاثة أعمال ضمن الجناح السعودي،؛ الأول للمصمّمة المعمارية لين عجلان، ويتكوَّن من مخلفات ثانوية لعملية الزراعة، ويدرس توسُّع الزراعة الأحادية، وتأثير الأسمدة الاصطناعية على البيئة المحلية. أما العمل الثاني، فهو فيلم متعدد الوسائط للفنان البصري محمد الفرج من الأحساء، يُعيد فيه تخيُّل حكاية شعبية محلية عن أحد معالم القرية. والعمل الثالث هو مادة صوتية لمؤسسة «صوت وصورة»، يتمحور حول تسجيلات وحوارات متعلقة بالتاريخ الشفهي والذاكرة الصوتية للنساء بوصفها تمثِّل أحد مظاهر المعرفة البيئية.

الفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

محمد الفرج وقصة طليعة

في ركن من العرض، نرى تحت شكل النخلة عرضاً للفيديو منعكساً على الأرضية، مكوناً ما يشبه الماء الجاري، الانعكاسات هي جزء من فيديو للفنان محمد الفرج، يستعين بمفردات إضافية، فنجد مجسمات لضفدع وهياكل أسماك وأيضاً قطع الطين الموجود عليه طبعات أقدام وأيادٍ أخذها من الحقول الزراعية في المدينة. الفرج ينقلنا إلى الأحساء عبر العمل، نتخيل آبارها ونخيلها وتراثها الشفوي عبر قصة تناقلت الأجيال.

يقول لنا الفرج خلال حوار قصير إنه تحمس للمشاركة في الجناح، بناء على طلب من العمران والمانع: «رأيت في الأمر فرصة حلوة للعمل المشترك مع الفريق والفنانتَين لين العجلان وتارا الدغيثر».

يتعلق عمل الفرج بعالم الري والآبار في الأحساء، وعن «القصص والكائنات الموجودة هناك». يستخدم فيلم فيديو صوّره سابقاً في قنوات مائية في الواحة: «جاءتني فكرة أن أقدم فيلماً تتحدث من خلاله الكائنات مثل الضفدع والنخلة، ويحمل أيضاً صوت الفلاح، يروون كلهم قصة خيالية تراجيدية، ولكنهم يجدون فيها الجانب الإيجابي».

الفيلم يعتمد على قصة عن فتاة غرقت في إحدى قنوات الري، وعثر عليها لاحقاً عند نخلة صغيرة أطلق عليها السكان اسم الفتاة، وهو طليعة: «النخلة لا تزال موجودة حتى الآن، وتثمر كل عام. يعجبني الخيال الذي ينسجه أهل القرى». بشكل ما، يرى الفرج أن الإيجابية التي صبغت قصة «طليعة» أيضاً يمكن من خلالها رؤية جفاف قنوات الصرف حالياً والأمل في عودتها مرة أخرى.

يعلق على أن رواة القصة من الكائنات في الواحة: «الكائنات شاهدة أيضاً على ما يحدث في العالم، الطبيعة بها جانب ساحر، فهي دائماً تعود، وتتعافى، حتى الحِرَف التي تندثر، هناك من يعيدها مرة أخرى للحياة، وهو ما نراه يحدث في حرفة المداد في الأحساء فهي في طريقها للاندثار هنا، ولكن هناك مجهودات لإحيائها في أماكن أخرى».


مقالات ذات صلة

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشاهد طبيعية خلابة رسمها الفنانون في جبل الطير (قوميسير الملتقى)

«جبل الطير»... ملتقى فني لإحياء مسار العائلة المقدسة في مصر

بالتزامن مع الاحتفالات المصرية بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة»، انطلقت الدورة الأولى لملتقى «جبل الطير الدولي للفنون» بمشاركة 40 فناناً.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ساحة الأوبرا تضم العديد من التماثيل والأعمال الفنية (الشرق الأوسط)

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

تحت عنوان «كنوز مقتنيات الأوبرا التشكيلية» نظمت دار الأوبرا المصرية معرضاً فنياً تضمن أعمالاً لرواد الفن التشكيلي المصري في التصوير والنحت والغرافيك والخزف.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض اعتمدت على الخط وهندسة الألوان (الشرق الأوسط)

هندسة الألوان وفلسفة الخطوط في معرض فني بالقاهرة

تتجلى فلسفة الخطوط والعلاقات الهندسية التي تربط الألوان وتصنع تناغماً بينها في معرض «حيث يستقر الخط» للفنانة المصرية مهري خليل.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
TT

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

كرم مهرجان رمالمو للسينما العربية» بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر ليكون أول مكرم سعودي في تاريخ المهرجان السينمائي العربي الأبرز بالدول الإسكندنافية، وسط حضور عربي بارز واحتفاء بمسيرة المخرج الرائد.

واحتضنت قاعة «رويال» في مدينة مالمو حفل افتتاح المهرجان بحضور رئيسة بلدية مالمو كاترين شيرنفيلدت يامه التي أكدت أن المهرجان أصبح نقطة التقاء للسينما العربية في أوروبا ليس فقط بسبب الاستمرارية ولكن بجودة الأعمال التي يقدمها المهرجان.

وأضافت أن السينما قادرة علي العبور من دون جوازات سفر أو قيود لنقل العديد من التجارب والحقائق، لافتة إلي أننا بحاجة مهمة للحوار والاستماع وهو ما يقوم به المهرجان.

ووصف رئيس المهرجان، محمد قبلاوي، خلال الحفل رائد السينما السعودية بـ«الضيف المميز» الذي تعكس أفلامه واقع الإنسان وتمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، مؤكداً أن السينما ليست مجرد ترفيه بل وسيلة لبناء الفهم وجسور التواصل بين الناس والثقافات.

وأضاف في كلمته أن المهرجان سيقدم أفلاماً مختلفة وأصواتاً جديدة وقصصاً فريدة من العالم العربي معرباً عن أمله بعدم الاكتفاء بالمشاهدة فقط ولكن أيضاً بالتعرف على بعضنا البعض من خلال السينما.

وعرض المهرجان فيلماً قصيراً عن مسيرة المحيسن الفنية واهتمامه بصناعة السينما منذ صغره مع عرض لقطات مختلفة من مسيرته في مواقع التصوير ومن لقاءاته الإعلامية المختلفة.

وخلال كلمته عقب استلام التكريم تحدث المحيسن عن بداياته السينمائية في المملكة بعد دراسته للفن في لندن، مستعيدا ذكريات تأسيس أول ستوديو في المملكة وتقديم فيلمه راغتيال مدينة».

ومن المقرر أن تشهد فعاليات المهرجان «ماستر كلاس» للمخرج السعودي يتحدث فيه عن مسيرته السينمائية الطويلة بالإضافة إلى عرض فيلمه اغتيال مدينة ضمن برنامج الاحتفاء بمشواره الفني الطويل.

رائد السينما السعودية عبد لله المحيسن مع محمد قبلاوي (إدارة المهرجان)

وأكد الناقد المصري محمد عاطف أن تكريم المحيسن في المهرجان «مهم ومستحق باعتباره واحداً من الرواد الذين أسسوا لحضور حقيقي للسينما الخليجية، ولم يكن مجرد صانع أفلام بل مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها وعلى مدار سنوات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المحيسن لعب دوراً بارزاً من خلال شركته التي كانت من بين الجهات الأهم في تقديم كلاسيكيات سينمائية، كما أسهمت في إعادة اكتشاف مواهب منها مواهب مصرية عبر تقديم تجارب مغايرة ومختلفة عما كان سائداً»، مشيرًا إلى أن أولى التجارب في الموسيقى التصويرية للموسيقار عمار الشريعي كانت من خلال التعاون بينه وبين المحيسن الأمر الذي يعكس قدرة المخرج السعودي على اكتشاف الطاقات الجديدة.

وأشار إلى أن وصفه بالرائد لا يأتي فقط لكونه من الأوائل، بل لأنه قدم بالفعل تجارب سينمائية مهمة، على غرار فيلم «اغتيال مدينة» الذي يعد من التجارب السينمائية الوثائقية المبكرة التي مزجت بين السينما وفنون التحريك، في خطوة جريئة تعكس ميله الدائم إلى التجريب وتوسيع حدود الشكل السينمائي، على حد تعبيره.

وقبيل حفل الاستقبال الرسمي في مقر بلدية مالمو، شهد المهرجان عرض الفيلم العراقي «مملكة القصب» للمخرج حسن هادي وهو الفيلم الذي وصل للقائمة المختصرة لجوائز «الأوسكار» في نسخته الماضية.

تدور أحداث الفيلم حول فتاة قدَّمت شخصيتها بطلة الفيلم الممثلة العراقية بنين أحمد نايف، البالغة 11 عاماً، والتي حاولت بكلِّ الطرق الممكنة صنع كعكة لعيد ميلاد الرئيس الراحل صدام حسين، بعدما وقع الاختيار عليها لإتمام هذه المهمة، وسط تحدِّيات وظروف قاسية شهدتها تلك المرحلة، من عقوبات أثَّرت في الناس تحت ضغط واقع صعب في العراق.

ويشهد المهرجان هذا العام عرض 39 فيلماً سينمائياً من 14 دولة عربية منها 22 فيلماً طويلاً و17 فيلماً قصيراً، فيما تنطلق، السبت، فعاليات «أيام مالمو لصناعة السينما» التي تشكل منصة لدعم الإنتاجات الجديدة وتعزيز فرص التعاون بين صناع السينما العرب ونظرائهم في أوروبا.


كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».