«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

شارك المركز بمعرض عنوانه «المشهد والذاكرة»

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون
TT

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

«إثراء» في أسبوع الفن بالرياض... فنانون سعوديون وعالميون يتألقون

سجل عدد من المؤسسات الفنية في السعودية حضوراً بارزاً في النسخة الأولى من أسبوع الرياض للفن، واحتضنت مساحات العرض أعمالاً فنية تنوعت في وسائطها بين التركيب واللوحات والتصوير الفوتوغرافي وأفلام الفيديو في معالجات مختلفة لعنوان أسبوع الفن، وهو «على مشارف الأفق».

في القاعات المتتالية نرى عرضاً للوحات رواد الفن السعودي؛ أمثال طه صبان وعبد الحليم رضوي ومحمد السليم ضمن مِسَاحَة عرض لمجموعة «SRMG» الإعلامية، أما مؤسسة «فن جميل» فقدمت مجموعة مختارة من الفيديوهات الفنية التي تعرض محطات أساسية في تطور فن الفيديو في المنطقة، وتتناول موضوعات مثل الهوية، والانتماء، والتحولات الثقافية.

نتوقف عند مَعْرِض مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) الذي يقدم مجموعة من الأعمال الفنية من مقتنيات إثراء التي سبق لها الظهور في معارض المركز. يقام المعرض تحت عنوان «المشهد والذاكرة»، ويسلط الضوء على العلاقة بين الذاكرة المادية والتحولات الفنية.

القيّم الفني للمعرض كميل المصلي يأخذنا في جولة بين الأعمال المختلفة، ويتحدث عن المشاركة بين «إثراء» وهيئة الفنون البصرية وأسبوع فن الرياض. يقول في بداية الجولة إن العرض يتجاوب مع عنوان أسبوع الفن، وهو «على مشارف الأفق»، ويضيف: «عدنا لمجموعة إثراء، واخترنا أعمالاً تتناغم مع هذا المفهوم، وأطلقنا على العرض عنوان (المشهد والذاكرة)، وهو يدور حول المشهد الطبيعي والبيئة وتأثيرها على الفنان ونشأته وهويته».

بيستوليتو والعزلة الرقمية

يبدأ العرض بعمل للفنان الإيطالي مايكل أنجلو بيستوليتو بعنوان «الأشخاص في تواصلهم»، وهنا يجب التوقف للحديث عن العمل الذي استوقف الزوار وأثار التعليقات. نحن أمام ما يشبه المرآة نرى فيها أشخاصاً من السعودية بعضهم واقف والبعض الآخر جالس، وفي كل أوضاعهم يجمع بينهم أمر واحد، وهو الهاتف الذكي، يبدو الأشخاص منشغلين عما حولهم بالجهاز الصغير في أيديهم. في بداية الأمر يتهيأ للزائر أنه في مقابل أشخاص حقيقيين، ولكن يدرك سريعاً أنه أيضا يظهر معهم، فالعمل أشبه بالمرآة التي تعرض صوراً لأشخاص، وتسمح للزائر بالوجود معهم. بهذا يصبح المشاهد جزءاً من موضوع اللوحة. يتحدث المصلي عن العمل المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ «ستينليس ستيل» وهو مطبوع عليه صور بتقنية الطباعة بالحرير. «ينظر الفنان إلى كيفية انجذاب الناس وغرقهم في التكنولوجيا، يقصد الفنان أن يكون المشاهد جزءاً من العمل، وأن يكون واحداً من هؤلاء الأشخاص المعزولين عما حولهم، غير أن المشاهد أمامه الفرصة للتحرك خارج العمل، يمكنك أن تبعد نفسك عنهم أو تبعد الصلة بهم عبر تحركك خارج مجال الرؤية». يخبرنا المصلي. في رأي القيّم الفني العمل يصف الجيل الحالي بأنه «مشغول دائماً وغير متواصل... هو متصل على الدوام بجهازه».

من فلسطين أرشيف الذاكرة

داخل مِسَاحَة العرض نرى عملاً للفنان الفلسطيني حازم حرب بعنوان «المكان ملكي، السلسلة #3» وهو كولاج من الصور التي تصور مشاهد مختلفة من فلسطين. يشير المصلي إلى أن هوية الفنان ترتبط بمفهوم التهجير الذي يظهر كثيراً في أعماله، «هنا صنع حرب من مواد أرشيفية عمل كولاج فيه إعادة تركيب للذاكرة الجمعية، ويقوم بإعادة بناء التاريخ بطريقته». هل هذه الأماكن ما زالت موجودة؟ تساؤل يجيب عنه القيّم الفني: «هذا مكان به صراع وبعض هذه الأماكن قد لا تكون موجودة الآن، ولعل ذلك يفسر أن الفنان يقوم بإعادة تركيب المشهد».

«إعصار» لعبد الرحمن قطناني (إثراء)

«إعصار» هو عنوان عمل الفنان الفلسطيني عبد الرحمن قطناني، وهو عمل جاذب للبصر، فهو يبدو على هيئة الإعصار المكون من الأسلاك الشائكة التي تبعث الإحساس بالحدة والخشونة، وتكاد تنقل الناظر لعالم عدواني. يشير بيان العرض إلى أن الفنان نفذ العمل في عام 2020 في ذكرى النكبة، مستحضراً تهجير الفلسطينيين عام 1948م. استغرق الفنان ثمانية عشر شهراً من البحث والتأمل العميق خلال إقامته في «المدينة الدولية للفنون» في باريس، ليتشكّل من خلال تلك التجربة عمله «إعصار»، الذي يرمز إلى تصاعد العنف الذي دمّر حياة الأفراد والمجتمعات والمشهد الطبيعي في فلسطين.

حلويات النفط

من أعمال الفنانة السعودية مها الملوح يقدم العرض عملاً من سلسلة «حلويات النفط»، وهو عمل عرضته من قبل في عدد من المحافل المحلية والدولية. وكعادة الملوح نرى أمامنا قطعاً معتادة نراها في حياتنا اليومية، وقد لا نتوقف عندها كثيراً، ولكن ما يمر على عين الشخص العادي من دون أثر، يستوقف عين الفنان. وفي هذه الحالة كانت براميل النفط المعدنية الفارغة هي ما استوقف الملوح، وحولتها لعمل ملون ينتظم في تصميم جاذب أمام المشاهد ليثير لديه التفكير فيما وراء هذه القطع الملونة.

من أعمال الفنانة السعودية مها الملوح... يقدم العرض عملاً من سلسلة «حلويات النفط» (إثراء)

يقول المصلي إن البراميل «تبدو مثل أوراق الحلوى بعد استهلاكها»، وهو ما يطرحه عنوان العمل، ويضيف: «هي براميل مهملة تأخذها الفنانة، وتغير شكلها عبر الضغط، ما يخرج به المشاهد هو أن هذا الشكل جميل بصرياً»، ولكن هناك معنى جاد خلف ذلك: «العمل يخلط بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للنفط وتأثيرها على الاقتصاد المحلي»، ويدعو المشاهدين إلى التفكير في علاقتهم بهذا المورد والبيئة، مما يثير نقاشات حول الاستدامة كما يتناغم طرح الفنانة مع رؤية 2030 من تنويع مصادر الدخل.

العالم يحترق والشبكة الاجتماعية

من أعمال الفنان المصري معتز نصر، نرى خريطة للعالم مصنوعة بأعواد الثقاب الملونة، يحمل العمل عنوان «احتراق»، ويبدو من خلاله اهتمام الفنان بمصير العالم والخوف عليه، يقول المصلي: «يعكس العمل تأثر الفنان بالأحداث والاضطرابات التي حدثت في العالم». ينقل لنا الفنان تلك الحالة الشعورية عبر استخدام أعواد الثقاب الملونة: «تبدو جميلة للناظر، ولكنها أيضاً حساسة، فما إن تشتعل إحداها حتى يشتعل الكل، هنا يجتمع الخوف والجمال». يعلق المنسق الفني.

«احتراق» معتز نصر (إثراء)

في القاعة يلفتنا عمل ملون ضخم يبدو مثل الشبكة الملونة وبالاقتراب منها نرى أن مركبة من قطع صغيرة ملونة، كل قطعة منها تمثل رجلاً أو امرأة مختلفين سواء في ألوان ونوعية الثياب، وحتى في الملامح وقصة الشعر. العمل للفنان دو هو سو ويحمل عنوان «شاشة». يقول المصلي في شرحه للعمل: «الفنان مهتم بالمجتمع، العمل يمكن عدّه قطعة تتأمل في فكرة المجتمع وأهمية التنوع وما يساهم به كل عنصر في سبيل الجميع».

الصور والأرشيف

يضم المعرض أيضاً عملاً فوتوغرافيا للفنان سلطان بن فهد بعنوان «1440م»، يُعيد تقديم صورة من أرشيف أرامكو، تُظهر الملك عبد العزيز في أثناء تفقده لحقول النفط عام 1947م من داخل سيارة، حيث يقوم الفنان بعكس الصورة، ليُظهر الملك المؤسس، وكأنه السائق، بينما تنعكس في مرآة السيارة صورة لشخص يتأمل الحقول النفطية.

«المشهد» لمعاذ العوفي (إثراء)

للفنان معاذ العوفي ثلاثة أعمال بعناوين «المشهد»، و«العائلة» و«من أنا»، وهي من مجموعة أكبر من الصور الفوتوغرافية التي يحاول العوفي من خلالها أرشفة النقوشات الصخرية والمناظر الطبيعية مثل فوهة بركان وغيرها من المشاهد في المدينة المنورة، يقول المصلي إن العوفي «استخدم المدينة المنورة ونواحيها بمثابة الاستوديو الخاص به».

«أحافير المعرفة» لمحمد الفرج (أثر)

أما الفنان محمد الفرج فيُعرض له عمل بعنوان «أحافير المعرفة». هنا صور فوتوغرافية لمراحل تأثر النخلة بسوسة النخيل «الأعمال هي جزء من محاولته لإثارة الوعي بالبيئة، تحمل أيضاً تساؤلات عن التاريخ والذاكرة» يعلق المصلى. يجمع عمل «أحافير المعرفة» بين أشكال عضوية تُشبه أحافير الزمن، ومقاربة فنية متعددة الوسائط، ليُجسد الروابط العميقة التي تحتفظ بذاكرة المنطقة. يتوسط العمل عرض فيديو يصوّر مزارعي الأرز في أثناء عملهم، حيث تخلق الأهازيج الإيقاعية وحركات الحصاد لوحة نابضة بالحياة من مشهد الزراعة في الأحساء بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.


مقالات ذات صلة

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مشاهد طبيعية خلابة رسمها الفنانون في جبل الطير (قوميسير الملتقى)

«جبل الطير»... ملتقى فني لإحياء مسار العائلة المقدسة في مصر

بالتزامن مع الاحتفالات المصرية بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة»، انطلقت الدورة الأولى لملتقى «جبل الطير الدولي للفنون» بمشاركة 40 فناناً.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.