رندة علي أحمد ترسم الحنين إلى الوطن بلوحات تعبق بطبيعته

في معرضها «جاذبية الجذور» تستكشف العلاقة بين الدوام والتغيير

زهر الخشخاش بين الجاذبية والجذور (الشرق الأوسط)
زهر الخشخاش بين الجاذبية والجذور (الشرق الأوسط)
TT

رندة علي أحمد ترسم الحنين إلى الوطن بلوحات تعبق بطبيعته

زهر الخشخاش بين الجاذبية والجذور (الشرق الأوسط)
زهر الخشخاش بين الجاذبية والجذور (الشرق الأوسط)

رحلة بين أحضان الطبيعة هي الفرجة على لوحات الفنانة التشكيلية رندة علي أحمد، في معرضها «جاذبية الجذور» في مبنى «ستون غاردن» في بيروت. تشتمّ خلالها رائحة أشجار الصنوبر والأرز والزيتون.

حوار صامت وعميق يدور بين الرسامة وأعمالها، ينعكس على المكان والزمان والذاكرة والنسيان. فالانسلاخ عن الجذور تكسره جاذبية العودة. كأن هناك قوة غير مرئية تحرِّك مشاعر الشوق عندنا.

يحتضن المعرض لوحات ومنحوتات وتجهيزات فنية، جميعها تترجم حنين رندة علي أحمد إلى تراب وطبيعة أرضها الأم. هنا تعود الذكريات وتتكلم الأرض، وتتنفّس الأشجار. والسؤال العريض الذي تطرحه الفنانة هو: «كيف ننجو من دون أن نغادر؟»

في معرض «جاذبية الجذور» تصوّر علاقة وطيدة بينها وبين الوطن (الشرق الأوسط)

تستخدم الفنانة تقنيات عدة لإضفاء الحياة على محتويات كل لوحة. تركن مرات إلى الأكليريك على القماش والطين الصلب والريزين، في حين تتدرّج الألوان بين الأسود والأبيض، وأخرى زاهية يكلِّلها الأصفر. «هذا اللون يُحيي الأمل، وهو في رأيي يشير إلى الضوء»، تشرح الفنانة لـ«الشرق الأوسط».

تنقلك أعمال رندة علي أحمد لاشعورياً إلى منطقة آمنة بمكوناتها، دافئة بمشهديتها رغم عتمة تطفو على سطح بعضها بألوان داكنة. بيد أنها في الوقت نفسه تعبق بالشاعرية والحنين.

وتختصر رندة رسائل معرضها بعنوان عريض «الجذور تثبِّتنا والجاذبية تشدنا».

وتشرح: «بين هاتين القوتين نجد التوازن والتوتر والارتباط والثقل. هذا العمل هو تأمل في هذا التوازن. لقد تغرّبت عن لبنان لفترة 10 سنوات. ولكن بقيت جذوري متعلّقة بترابه. وفي هذا المعرض نستكشف العلاقة بين الثبات والحركة، وبين الماضي والحاضر». تستقبلك في مطلع المعرض منحوتة لرجل ينتظر موعد الرحيل، مرتدياً الأصفر من رأسه حتى أخمص قدميه، تتوزع شنط الهجرة حوله. «إنها بداية مشوار الانسلاخ عن الأرض».

تقول الفنانة: «هذه الحقائب تحمل ذكريات هذا الرجل. ولو تسنّى له حمل وطنه الصغير فيها لما تردّد».

تُكمل طريقك في صالة العرض لتستوقفك لوحة استوحتها من غابة صنوبر في لبنان. «عادةً ما أمارس رياضة المشي في الطبيعة. وعندما أرسم أتذكر بعض هذه الأماكن». تُطالعك هذه الغابة الكثيفة بالأبيض والأسود. أشجارها ليست مجرَّد أغصان وورق. «وأنا أرسمها شعرت كأن هذه الأشجار هي بمثابة أناس مصنوعين من لحم ودم». وبالفعل يرى مُشاهدها ملامح قامة منحنية وأخرى منتصبة وثالثة متأملة. وعكس لوحاتها الأخرى المشبّعة بالضوء وبألوان زاهية، فهي تحكي بالأسود والأبيض مشاعر الوجع.

رندة علي أحمد ترسم الحنين لوطن يسكنها (الشرق الأوسط)

«في أثناء الحرب الأخيرة انتابتني حالة شلل. فأنا ابنة الجنوب، وتحديداً من النبطية التي دُمِّر معظم معالمها. فالأرض تسكننا من دون أن ندري. وعندما نولد في رحمها تمدنا تلقائياً بعلاقة بيننا وبينها. نجد أنفسنا مرتبطين بحبل خلاصها ولا بد أن نعود إليها».

رندة الرسامة هي شاعرة تترجم أفكارها وأحاسيسها بقصائد نثرية. وتقول في إحداها المعلّقة قرب واحدة من لوحاتها «جذوري عميقة في التراب الخصب المزهر. منسوجة بحكايات وذكريات تسحر وتبهر. تغوص في الماضي بأزمان بعيدة متشابكة في الذاكرة بأجيال مجيدة».

تُخصص رندة علي أحمد لغابة أرز الباروك مساحة خاصة بها تتألّف من لوحتين. وبين الظلال والضوء تطبعها بمشهدية شاعرية. جذورها القوية مغروسة في الأرض بصلابة. فلوحاتها تقدّم أيضاً تحية تكريمية لـ«بلد الأرز». وتحلّق بريشتها في سمائه تستطلع جماليتها.

في ركن أرز الباروك تُطالعك منحوتة لأنثى تتربَّع على عرش الصمت. كالمومياء يلف جسدها الطين بهدف تجميد اللحظة قبل المغادرة. وتعلّق رندة علي أحمد: «إنها شبه مشلولة كالمومياء، عاجزة عن أخذ القرار بالهجرة».

تخرج رندة علي أحمد في أعمالها عن المألوف. أسلوبها في الرسم تستخدم فيه مواد عدة. ومن بينها الريزين والبلاستيك والأكليريك. تمدّ الألوان على اللوحة أو المنحوتة بأناملها وبالريشة. وأحياناً أخرى لا تتوانى عن استخدام قدميها لخلطة ألوان تعبق بمشاعر ملموسة.

تقول إن الضوء لا يغيب عن معظم لوحاتها ومنحوتاتها ومصدره شمس لبنان. «عندما كنت في لوس أنجليس وعلى الرغم من تمتع هذه الولاية بطقس جميل، افتقدت دفء شمس بلدي وهواءه العليل وطبيعته. فلا شيء منها هناك يُشبه ما أشعر به تجاه طبيعة لبنان».

أرز الباروك بريشة رندة علي أحمد (الشرق الأوسط)

وفي لوحات تتصدر صالة المعرض تصوّر الرسامة الوقت الضائع. وكذلك الذي استردتّه عند عودتها إلى لبنان. وعنوان لوحة «الوقت يمر» قد يلخّص كل صور الحنين والشوق عندها. «إنه يمر بسرعة من دون أن نستطيع التقاط الأيام واللحظات. فتمر مراحل حياتنا من الطفولة حتى اليوم على حين غرّة». ولكن لوحاتها المشبعة بالضوء تحكي الأمل ولو صوّرت إحداها طريقاً طويلة مدروزة بالإبر. «إنها ومضات مضيئة يمكن أن يُنظر إليها مشاهدها ويتخيّل معناها كما يرغب. هنا الوقت ينكزنا فنشعر بالألم. وأشجار الصنوبر الشاهقة تخفف بظلالها من وطأته علينا».

في تجهيزها الفني «خيط اللانهاية» الذي تصدّر ركناً خاصاً، تتجلّى معاني معرضها «جاذبية الجذور». وتصوِّره في نحو 10 لوحات ومنحوتة ضمن دوائر يلتف بعضها على بعض. وفي أخرى نرى زهور الخشخاش المرتبطة بطبيعة جبال لبنان. معلّقة على خلفيات ملونة تطفو بين الجذور والجاذبية.

شجر الزيتون يحضر بريشة الرسامة. فهو رمز من رموز ساحل الجنوب الذي ترعرعت في أحضانه. وتنقله مزهراً كثيف الورق والألوان في لوحة تنبض بالحياة بعنوان «حارس الأفكار». وتوضّبه في شنطة مفتوحة تحت عنوان «وهم المنفى». وفي لوحة ثالثة «الظلّ الشاهد»، تبدو فيها شجرة الزيتون خرساء وأغصانها فارغة. فهي تعكس نتاج عدوان حرب أخيرة شهدتها منطقتها الجنوبية. حين تعرّى الزيتون من محصوله الموسمي بفعل قذائف الفوسفور.


مقالات ذات صلة

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.