بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

استوحيت منها أجنحة أوزبكستان في "إكسبو أوساكا" و"بينالي فينيسيا"... وتنتظر مكانها في قائمة اليونيسكو

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
TT

بنايات طشقند الحديثة... إرث معماري وإلهام للمحافل الدولية

أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)
أوتيل أوزبكستان رمز معماري (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

لمدينة طشقند بأوزبكستان طابع خاص؛ فهي تتميز بالبنايات العصرية في الغالب، وليست أي بنايات؛ فهي تتميز بالحجم الضخم والامتداد على مساحات واسعة، ولا يبدو ذلك غريباً في المدينة التي تتميز بشوارعها العريضة التي تحدها الحدائق والأشجار. ولكن للبنايات التي تصادفنا تاريخاً ومعماراً متميزاً.

وفي العموم، تستحق المباني الحديثة التي بُنِيت في النصف الثاني من القرن العشرين الزيارة والتأمل في تفاصيل المعمار الحديث المخلوط بعوامل من التراث الإسلامي للمدينة. لكل بناية حكاية ومصممون معماريون من الروس والأوزبك، ولكن العنصر الجامع بينها هو المعمار المميز بالصلابة والقوة والضخامة، أمر كان مهماً بعد الزلزال المدمر الذي قضى على أجزاء كبيرة من طشقند في عام 1966.

كلية الفنون الجمهورية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

وحالياً، يجري مشروع ضخم لحصر ومعاينة مباني مدينة طشقند الأيقونية بأوزبكستان التي جعلت من المدينة مركزاً مهماً في آسيا الوسطى إلى درجة أن أُطلق عليها لقب «موسكو الشرق». وبحسب جايان عوميروفا المدير التنفيذي لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان، فالطرز المعمارية التي تميزت بها المباني في طشقند خرجت عن الأنماط الأوروبية، ودمجت الأنماط التراثية والأشكال الإسلامية مع التصاميم المعاصرة.

عوميروفا تقود مع فريق من المعماريين والباحثين وخبراء الترميم العالميين مشروعاً ضخماً لأرشفة وتوثيق العمارة الحداثية في طشقند. وأسفرت مجهودات المؤسسة عن تسجيل 20 مبنى في القائمة الوطنية، لتصبح مواقع تراثية محمية. وتنتظر المنظمة قرار اليونيسكو بإدراج 16 من المباني تحت بند التراث العالمي.

تشير عوميروفا في مقدمة كتاب Tashkent Modernism إلى أهمية المحافظة على البنايات الشهيرة، وأنه أصبح أمراً ملحاً، لا سيما بعدما دُمّرت بناية «بيت السينما» الشهير في طشقند عام 2017. وتضيف: «لقد أدركنا بوضوح أن المباني التي أصبحت رموزاً لطشقند الحديثة تحتاج إلى حماية من الدولة وحملة لرفع مستوى الوعي بأهميتها». وبحسب تقرير اليونيسكو تُعدّ البنايات الـ16 «نماذج بارزة للعمارة السوفياتية الحديثة، بفضل تصميمها الفريد. كما تعكس التعاون بين معاهد التصميم في طشقند وموسكو، وتطور البحث المعماري من عام 1960 إلى عام 1991. وقد أدّت التجارب إلى ابتكارات في علم الأنماط والتقنيات لمقاومة الزلازل، وتخفيف آثار المناخ، والتكيُّف مع الثقافة الإقليمية».

جايان عوميروفا المديرة التنفيذية لمؤسسة تنمية الفنون والثقافة تحت إشراف وِزَارَة الثقافة في أوزبكستان (ACDF)

أُتيحت لـ«الشرق الأوسط» المشاركة في جولة مركزة على أهم المباني بالمشروع، برفقة عدد من الخبراء العالميين الذي يعملون حالياً على توثيقها في كتاب يصدر قريباً. وركزت الجولة أيضاً على أهمية المعمار الحديث في استلهام موضوعات أجنحة الدولة في «إكسبو أوساكا» و«بينالي فينيسيا» للعمارة. وفيما يلي نظرة على بعض المباني الأيقونية بالعاصمة الأوزبكية.

متحف الدولة لتاريخ أوزبكستان

يقع المتحف في مبنى ضخم بواجهة تحمل كثيراً من العناصر الشرقية المتمثلة في أسلوب الأرابيسك الذي يميز الواجهة. انتهى بناء المبنى في 1974 وصممه معماريون روس ليكون أحد المتاحف المخصصة للزعيم الروسي لينين.

وبحسب المهندسة المعمارية، المشاركة في المشروع إيكاترينا جولوفاتيوك، وهي أيضاً قيمة مشاركة على جناح أوزبكستان في بينالي فينيسيا للعمارة التي رافقتنا في الجولة؛ فالمتحف أصبح مقياساً للمباني المماثلة بعد ذلك، كما أنه أصبح أيقونة رمزية لمدينة طشقند.

تقول جولوفاتيوك إنَّ المبنى يتميز ببنائه من الصلب الذي اعتبر ملائماً لمدينة عاصرت زلزالاً مدمراً في الستينات.

وتؤكد أن التصميم المعماري أكد العناصر التراثية التقليدية مثل «البانجارا» أو السواتر الخشبية، وهي تماثل المشربيات الخشبية التي تميز المباني التقليدية في البلاد الإسلامية التي كانت تستخدم لحجب أشعة الشمس المباشرة، وأيضاً للخصوصية.

اللافت أن المباني الحديثة في أوزبكستان خلال الستينات، وحتى التسعينات من القرن الماضي كثفت من استخدام العناصر التراثية وعناصر الأرابيسك في واجهات المباني. وأصبح استخدام طراز السواتر الخشبية أو المشربيات جامعاً بين الوظيفة والعناصر الجمالية.

متحف التاريخ بطشقند (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

بناية زم تشونغ السكنية

يعد المعماريون نمط بناية زم تشونغ في طشقند مرادفاً لمفهوم «المحلة»، وهو ما يوازي نظام «الحارة». والبناية يمكن اعتبارها مجتمعاً سكنياً، بحسب تصميمها المعتمد على وجود فناء واسع له شرفة ضخمة مفتوحة تطل عليه أبواب الشقق، ويتكرر كل ثلاثة أدوار. نصعد مع الفريق المعماري المصاحب لتفقد أدوار البناية الفريدة في تصميمها، وهو للمعمارية أوفيليا آيدينوفا.

التصميم بالفعل مختلف. ومع أن البناية تحتاج إلى صيانة، فإن ذلك لم يُفقِدها أهميتها، ولا خصوصيتها التي يحرص عليها السكان. تقترب منا سيدة يبدو عليها الانزعاج من وجود غرباء في المبنى، وتتساءل لماذا نحن هنا. ويجيبها أحد المعماريين بغرضنا من الزيارة، وأننا برفقة واحدة من السكان. هذا الاهتمام يدل على الإحساس بالجماعة، كما يقول المعماري المرافق لنا: «السكان هم من يتولون إدارة هذا المبنى، ولا يريدون التدخل الخارجي في أمورهم».

تقول لنا سيدة من السكان إن الفناءات الموزَّعة على المبنى هي مساحات للقاء السكان، وقد تحتضن الأفراح أو حفلات الشواء.

على السطح نرى بركة للسباحة كان الصغار يسبحون فيها في أوقات الصيف، ونعرف أن هذه البركة مهمة لتصميم العمارة، حيث يساعد ثقل الماء على توازن البناية.

جانب من بناية بناية زم تشونغ السكنية (كاريل بالاس. من كتاب "طشقند: عاصمة الحداثة"، ريزولي نيويورك. بإذن من مؤسسة أوزبكستان لتنمية الفن والثقافة.)

أوتيل أوزبكستان

يُعتبر هذا الفندق بتصميمه اللافت على هيئة صفحة كتاب مفتوح من أهم النماذج البصرية المميزة لمعمار مدينة طشقند. شُيّد المبنى في عام 1974 بوسط المدينة، ويتميز بواجهته التي تشبه الشبكة الخراسانية، وتحمل طابعاً جمالياً مقتبساً من فن الأرابيسك... مزج فريق المعماريين في هذا التصميم الهائل حجماً بين الاستفادة من الشكل الجمالي للمبنى وحماية الغرف من أشعة الشمس المباشرة.

السينما البانورامية

المبنى الدائري للسينما البانورامية يحتل رقعة ضخمة من الأرض تحيط به مساحات فارغة تُركت عمداً لضمان حركة الجماهير التي تفد لهذا المبنى الذي يحتضن فعاليات مهرجان طشقند السينمائي الدولي. يجسد المبنى روح المدينة في ستينات القرن الماضي، ويكتسب أهمية خاصة، بسبب تصميمه التجريبي.

السينما من خارجها، كما داخلها، تتميز بالحجم الضخم. ومن الواضح أنها صُمّمت لأعداد كبيرة جداً من الجمهور، غير أن نمط السينما البانورامية لم يستمر طولياً، ما جعل الشاشة الضخمة والتقنيات المعدة لمثل هذه العروض من دون فائدة.

ولهذا يتم تحويل نشاطات السينما لاستضافة مسرحيات ومؤتمرات أو جلسات للكونغرس وما شابه ذلك.

مبنى السينما البانورامية (الشرق الأوسط)

مبان ملهمة

ضمَّت الجولة زيارة مبانٍ مختلفة الوظائف، مثل محطة مترو «كوزمونوت» المخصصة للاحتفاء بعلماء ورواد الفضاء من أوزبكستان، ومبنى فرن الطاقة الشمسية في منطقة باركنت خارج العاصمة، وهو الذي مثَّل الإلهام لجناح الدولة في «إكسبو أوسكا» باليابان... هناك أيضا مبنى البازار الضخم «خورسو» المميز بقبة هائلة تضمّ أسفل منها مساحات واسعة حيث تُقام منصات لبيع الخضراوات والأطعمة والملابس. مبنى السيرك أيضاً من المباني التي تطمح أوزبكستان لأرشفتها.

محطة مترو "كوزمونوت" (الشرق الأوسط)

جناح أوزبكستان ببينالي فينيسيا

يبدو بارعاً استخدام أجنحة الدولة في المحافل العالمية أنماط العمارة المحلية لتسليط الضوء عليها؛ ففي «بينالي فينيسيا للعمارة» استوحى المعماريان إيكاترينا جولوفاتيوك وجياكومو كانتوني تصميم الجناح من مبنى Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» خارج العاصمة طشقند. ويتأمل الجناح في أهمية معمار أوزبكستان الحديث وإمكاناته، ويتناول الأهمية التاريخية والمعاصرة لمبنى «معهد الشمس»، مسلطاً الضوء على دوره العلمي وأهميته الثقافية خارج الحدود الوطنية.

مبنى معهد الشمس للعلوم المادية (الشرق الأوسط)

يمثل Heliocomplex «معهد الشمس للعلوم المادية» آخر المشروعات العلمية للاتحاد السوفياتي، وبُنِي عام 1987 ويُعدّ واحداً من اثنين في العالم متخصصَيْن في دراسة تحولات المواد تحت درجات حرارة هائلة، ويتميز المبنى بموقعة المتربع على تلة عالية وبتصميمه اللافت والمرايا التي تغطي واجهته. خلال زيارتنا للمبنى نلحظ وجود العائلات التي تحرص على زيارة المبنى وإتاحة الفرصة للأطفال للاطلاع على التجارب العلمية البسيطة التي يقوم بها فريق من الخبراء أمام الزوار. وبحسب بيان العرض، فسيقدم القيمان سرداً مزدوجاً لـ«معهد الشمس»، مستكشفين إرثه المتناقض، كإنجاز تكنولوجي متقدم وبنية تحتية شكلتها قيود عصره. سيسلط المعرض الضوء على كيفية تجسيد هذا الهيكل للتناقضات؛ فهو حداثي وقديم، مستدام وغير مستدام، تعليمي وسري، احتفالي ونفعي. من خلال إعادة تفسير أهميته المعمارية والعلمية. يهدف المعرض إلى إثارة نقاشات حول الحفاظ على التراث والابتكار ودوره في صياغة المستقبل. وسيعرض داخل الجناح بعض القطع التي زينت المعهد، ويتم حالياً تفكيك بعض الثريات العملاقة التي تتخذ من الشمس موضوعاً لها، ولها جماليات عالية.

جناح أوزبكستان في أوساكا والمسجد الكبير

تضم مدينة خيوة في ولاية خوارزم بغرب أوزبكستان أعجوبة أثرية، تتمثل في قلعة إيجان، وهي مدينة داخلية مسورة داخل المدينة، ومحمية كموقع تراث عالمي. تحوي المدينة القديمة أكثر من 50 أثراً تاريخياً تعود للقرن الثامن عشر والتاسع عشر.

المسجد الجامع في خيوة (الشرق الأوسط)

ومن أمثلة هذه المباني المسجد الجامع الذي شيد في القرن العاشر، وأعيد بناؤه في عامي 1788 و1789م، ويتميز ببهو معمد يتألف من 112 عموداً خشبياً مأخوذة من بناية المسجد القديم. هناك جو خاص للمسجد المنخفض السقف، ويمثل الوقوف بين الأعمدة المتتالية وتأمل الطريقة التي ثُبّتت بها في الأرضية تجربة ممتعة للزائر.

بعض الأعمدة الخشبية أصابتها الأَرَضَة، وبعضها الآخر تم استبداله، ونلحظ خلال الجولة أن العواميد الجديدة تختلف في لونها ونقوشها. تعمل حالياً بعثة ترميم ألمانية على ترميم بعض الأعمدة وتثبيت القطع المتكسرة بها عبر إضافة قطع من خشب مماثل.

جانب من تصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» (أتيليه بروكنر - مؤسسة تنمية الفنون والثقافة في أوزبكستان ACDF

المسجد الجامع أيضاً كان ملهماً لتصميم جناح أوزبكستان في «إكسبو أوساكا» الذي يحمل عنوان «حديقة المعرفة... مختبر للمجتمع في المستقبل»، وصمَّمه أتيليه بروكنر، ويركز على مفهوم الاستدامة والابتكار والثقافة الأوزبكية.

يمزج الجناح المكوَّن من طابقين، بمساحة 750 متراً مربعاً، بين التقاليد والتصميم المستقبلي، ليعكس دورة حياة الحديقة. ويُعيد الجناح تفسير تراث مدينة خيوة كمساحة معاصرة للتجمع والتبادل. يدمج هيكله بين الطوب والطين، اللذين يُمثلان الأرض والتراث، وخشب السوجي، وهو نوع من السرو يُزرع بالقرب من أوساكا.


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»