«نسمات أيلول»... كوميديا اليوميات الرتيبة والوقت الضائع

مسلسل سوري يُضحِك على مواقف يحكُمها اللفّ والدوران

نرى في الهَمّ الجماعي همّاً فردياً لمجرّد أنَّ منبعه العيش الصعب («فيسبوك» رشا شربتجي)
نرى في الهَمّ الجماعي همّاً فردياً لمجرّد أنَّ منبعه العيش الصعب («فيسبوك» رشا شربتجي)
TT

«نسمات أيلول»... كوميديا اليوميات الرتيبة والوقت الضائع

نرى في الهَمّ الجماعي همّاً فردياً لمجرّد أنَّ منبعه العيش الصعب («فيسبوك» رشا شربتجي)
نرى في الهَمّ الجماعي همّاً فردياً لمجرّد أنَّ منبعه العيش الصعب («فيسبوك» رشا شربتجي)

يُخفِّف المسلسل السوري «نسمات أيلول» ثقل هذه الأيام المفتوحة على الاحتمالات. هو بسمة الموسم الرمضاني واللفتة التي لا يتطلَّب انتظارها تفكيراً طويلاً. نُشاهد لرغبة في المشاهدة ولحاجة إلى قشَّة تُلوّح بالنجاة. فالضحكات، حتى تلك الهشّة، عَوَض. والعمل «خفيف» من دون أن يفقد قيمته. يمنح المرء احتمال الانسلاخ عن اختناقه. بعضُ أحداثه لا يُذكر لاستراحته على السطح، لكنه ضروري لصرفه عن غرقه.

العلاقة بالمسلسل عاطفية مردّها التوق إلى مُتنفَّس («فيسبوك» رشا شربتجي)

مسرح المسلسل ريفيّ، حيث للحياة إيقاعها وللبشر نظرتهم إلى جدوى الوقت. تُصوِّر المخرجة رشا شربتجي مع شقيقها يزن شربتجي الهموم واللاهموم، مُقدّمةً إطاراً بصرياً ملائماً لسير الأحداث من دون تسارُع كما تمضي الأيام المُتشابهة. فالمشهد الريفي يمنح إحساساً بالسكينة الداخلية ويُوجِّه حركة المواقف بدورانها وثباتها، تاركاً وَقْعَه في مجريات أحوال الشخصيات. تطلّ صباح الجزائري بشخصية تُخرجها من نمط الأعمال الشامية والحضور العابر في الدراما المُعرَّبة. دور الجدّة «أمينة» يُذكّر بالجدّات الحبيبات. بظهورها المريح تُحرّك العاطفة حيال مَن نناديهنّ «تيتا»، بأثرهنَّ الباقي وإنْ غادرنَ الأرض.

شخصية صباح الجزائري تُخرجها من نمط الأعمال الشامية («فيسبوك» رشا شربتجي)

نصّ علي معين صالح ليس غبياً. الكوميديا خطرة، ويدرك الخطورة. يعلم أنه أمام امتحان 30 يوماً رمضانياً، والمُشاهد لا يرحم عندما يتعلّق الأمر بالضحكات. يريدها طوال الوقت. ويرفض خَفْض سقفها. اليوم، ونحن في منتصف الطريق نحو وداع الشهر، يمكن على الأقل إنصاف المسلسل والاعتراف له بفضل. ولا بأس بالتصفيق لشخصياتٍ وحلقات. فذلك مُستحق، من دون الادّعاء بأنّ إيقاعه التصاعدي لا يُصاب بارتباك ويتعرّج أحياناً.

في البداية، أمكن تقبُّل أن نضحك حتى على ما لا يُضحك! فالعلاقة بهذا المسلسل عاطفية، مردّها التوق إلى مُتنفَّس. ووسط ضجر تُكرّسه أعمال رمضانية، وكآبة توقظها أخرى تُحركش في بشاعة الحال، يشاء «نسمات أيلول» أن يكون الضيف اللطيف الذي تستقبله المنازل وتشتهي زيارته المقبلة.

تُخبر الحلقات حكايات عائلة ريفية من جدّة وأبناء وأحفاد لا يزالون يحافظون على الاجتماع والتلاقي. وجهان يُجدِّدان حضورهما خارج القوالب المُنتَظرة: نادين تحسين بيك بدور «رلى»، وملهم بشر بدور «نورس». حتى الآن، صدّقنا الموقف المُضحك وهو يتحوّل لحظةً مُنتَظرة. فمنذ قدومها إلى منزل جدّتها من الغربة، والأحداث تُبيّن الشرخ في النظرة إلى الحياة والعلاقات وحقوق الإنسان. يُعلَّب الجدّ بالمزاح، وتُغلَّف اللطشة بالوضعية المريحة، فيُقهقه الوجع ويرقص الطائر المذبوح من الألم. ذلك نتيجته تشكُّل مرآة عاكسة، فنرى في الهَمّ الجماعي همّاً فردياً، لمجرّد أنه حقيقي منبعه العيش الصعب.

العمل «خفيف» من دون أن يفقد قيمته («فيسبوك» رشا شربتجي)

حفظنا جيداً تعابير الشخصيات ووظيفتها الكوميدية، وهنا نقطة ضعف المسلسل. ولكن ماذا لو كان ذلك مُتعمَّداً لتأكيد الوقت الضائع؟ نعلم أنّ «نورس» و«شاهين» (درويش عبد الهادي) سيكرّران كلّ ما يُثبت نظريتهما بأنّ «العائلة وسخة». فهذه العبارة تُحرّك السياق حدَّ أنه أحياناً يدور حولها. لكنْ ما يشفع هو أنّ الضحك يظلّ ممكناً، ويملك هزيمة الرتابة.

والشخصيات تمثّل هواجس الشباب السوري والعلاقة الشائكة بين الأجيال. فإذا كان الاهتمام بالتعليم بلغ حدَّ «الهوس» بالنسبة إلى جيل الآباء، فإنّ احتدام الصراع حول تحديد مفهوم الفشل يطلُّ من المقلب الآخر مُخفَّفاً على شكل ضحكة. وهو صراع تُعمّقه الفجوة العُمرية والشرخ الهائل في قراءة الأولويات. وبينما الآباء «ينتقمون» من فشل الأبناء في الدراسة والوظيفة، بالترويج للإهانة على أنها السبيل الوحيد لرفض الواقع، نسمع مفردات التشفّي والرفض في محاولة عكسية لتعويض التقصير وإنكار الأسباب المؤدّية إلى فظاعة النتيجة.

العلاقة بالمسلسل عاطفية مردّها التوق إلى مُتنفَّس («فيسبوك» رشا شربتجي)

المجموعة متكافئة في تجسيد يوميات سوريّ لا يفعل شيئاً بالضرورة. ينتظر فقط، وغالباً لا يعلم ما ينتظره. «دارين» (رواد علليو) حائمة في التيه بابتسامة تسكُن وجهها. «منهل» (إبراهيم شيخ إبراهيم بدور لافت) في وضعية تصدٍ دائم لنبذه، يقترب من دون أن يتقدّم خطوة. «أيهم» (محمد حداقي المتألّق) المتورّط بالعبارة نفسِها والمسلسل نفسِه. يُحقِّر الآخرين وهو يضحك، كأنه لا يجيد سوى الالتفاف في الدوّامة، ثم يعود لمشاهدة «صراع العروش» لمزيد من التحسُّر على ما لن يكونه.

تتعدُّد الشخصيات المحكومة بالدوران في عنق زجاجة، فنرى «فهد» (مصطفى المصطفى) بانفعالات واحدة؛ حادّ، لكنه مُضحك. ومعه مَن يمتهنون أدوارهم المتورّطة أيضاً في النسق: حسين عباس بشخصية «فواز»، وعلي صطوف بشخصية «نبيل»، وسوسن أبو عفار بشخصية «ريماس»، مع كرم شنان بدور «توفيق»، وغزوان صفدي بشخصية «معتز». رفيق رايقة الملقَّب بـ«زهرة البابونج» في المسلسل كاراكتير بين اللافتين. الجميع يُمثّل بمهارة.

بعد دور «جاويش» الشاقّ في مسلسل «مال القبان» (رمضان الماضي)، يتحوّل ملهم بشر من اختزال للقهر الإنساني إلى «بائع الدنيا بقشرة بصل». ومن خلال الاستخفاف الظاهر، تُمرَّر رسائل في السياسة والمجتمع والاقتصاد والتعليم. يغيب الذِكْر المباشر للحرب، فيظهر الإحباط والكسل وفقدان الأمل وجوهاً أخرى لهذه التعاسة الباهظة. صباح الجزائري ونادين تحسين بيك ممتعتان في الخصام والمودّة.


مقالات ذات صلة

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.