الحديقة الإسلامية المعاصرة في بينالي جدة... ما بين أزهار غزة وعين عذارى

مهند شونو: التفسيرات المعاصرة في «المظلة» تربط بين الماضي والحاضر وترنو للمستقبل

TT

الحديقة الإسلامية المعاصرة في بينالي جدة... ما بين أزهار غزة وعين عذارى

جانب من قسم "المظلة" في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)
جانب من قسم "المظلة" في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

ربما لا تعكس المساحات الخارجية في صالة الحجاج الغربية، حيث يقام بينالي الفنون الإسلامية بجدة، سمة الحدائق بمفهومها العام، لكننا هنا أمام 20 تفسيراً لفنانين من حول العالم لما تعنيه الحديقة المعاصرة. مبدئياً تأخذ مِسَاحَة «المظلة»، حيث تقبع الحدائق الصغيرة، التصميم الرباعي المستوحى من حديقة شار باغ الإسلامية، حيث تعني كلمة «شار» أربعة، وتعني كلمة «باغ» حديقة، وتعني «أربع حدائق»، ويتميز هذا التصميم بتصميمه الرباعي، الذي تقسمه ممرات مائية لأجزاء أصغر.

حاول كل فنان من المعروضة أعمالهم في قسم «المظلة» استكشاف علاقة الإنسان بالأرض والسماء، وهو استجابة لعنوان البينالي في هذه الدورة «وما بينهما». وخلال الأيام الأولى للبينالي وجد الزوار في المساحات الخارجية فرصاً للحديث والاستكشاف والحديث مع الفنانين حول أعمالهم المختلفة التي تنوعت في موضوعاتها، واتفقت على استكشاف قضايا متشابكة، خيوطها البيئة والطبيعة والمفاهيم الاجتماعية والروحانية التي تكمن في أهم عناصرها.

مهند شونو (الشرق الأوسط)

الفنان السعودي مهند شونو، وهو القيّم على الفن المعاصر في البينالي، يشرح أن «المظلة» هي حديقة مفاهيمية، ويقول في حوار مع «الشرق الأوسط»: «ننظر إلى تلك المساحة متعددة الطبقات، والحدود، والواسعة، بوصفها حديقة إسلامية معاصرة، حيث يجلب الفنانون المفاهيم السماوية، ويربطونها بقضايا الأرض البيئية والاجتماعية». بحسب شونو تمنح مفاهيم الفنانين، وأعمالهم، وأفكارهم، شكلاً لحدائق من الأفكار تروى عبر تدفق الزوار الذي يشبه تدفق المياه.

البينالي هو التجربة الأولى لشونو كقيم فني، وهي تَجْرِبَة لم يخف منها، ولم يرفضها، بل قبلها فوراً حسب قوله، وأحس بأنها عملية طبيعية للغاية، «عندما طُرح عليّ الأمر، لم أتردد، وشعرت أن الأمر طبيعي، وفوراً انغمست في العمل».

لم يكتف بدوره قيّماً للأعمال المعاصرة، بل اندمج في جوانب البينالي الأخرى، واستفاد من المعروضات التاريخية، موضحاً: «علينا أن نفهم الماضي حتى نتمكن من الاستجابة للأفكار المعاصرة».

نعود لقسم «المظلة»، حيث اجتمع 20 عملاً معاصراً لفنانين أحياء، ليس فقط من المملكة العربية السعودية، لكن على المستويين الإقليمي والدولي، يشير إلى أن التدخلات المعاصرة هي الرابط بين الماضي والحاضر، وتحمل معها رؤية للمستقبل.

على نحو أعم يرى أن البينالي تجسيد للتغيير الذي تشهده السعودية حالياً «بالنسبة إلي كان البينالي بمثابة شهادة حقيقية على التغيير لأنه عندما تجلب قطعاً إسلامية من العصور القديمة محملة بالقصص والتاريخ، وإلى جانب ذلك تجلب الفكر المعاصر، فإنك بذلك تكتسب قيمة أكبر. إنه أمر يدل على مدى التغير أيضاً أن تكون قادراً على التحدث عن الماضي بطرق جديدة للتعبير».

قبل التجول في المظلة، يتحدث شونو عن الأعمال المعاصرة الموجودة داخل القاعات المغلقة، وهي «البداية» و«المدار»، المقتني، المكرمة، والمنورة، مشيراً إلى أن بعض تلك الأعمال تم التكليف بتنفيذها كاستجابة معاصرة للقطع التاريخية ضارباً المثل بعمل الفنان عبد القادر بن شامة الذي قدم عملاً جدارياً ضخماً في قاعة «البداية» بعنوان «بين كل سماء» احتضن بعض الأعمدة التاريخية من مكة المكرمة في حوار بصري ملهم. يشير أيضاً إلى عمل الفنان العراقي مهدي مطشر الذي يُعرض في قاعة «المدار» الذي استمد الإلهام من قطع الأسطرلاب التاريخية المعروضة في القاعة ليقدم عملاً بعنوان «عضادة» يستعير مقوماته الشكلية والفلسفية من الأسطرلاب، ويتيح للزوار تَجْرِبَة حسية لتحديد الاتجاهات.

في الحديقة

يحدث شيء آخر في الهواء الطلق، حيث تجلس الأعمال على نحو فضفاض، ولكنها تتداخل أيضاً. هذا يساعد الجمهور على السفر عبر ممراتها. تبدأ الرحلة بأعمال تمثل بوابات ومسارات تدخلها على نحو فردي. يقول شونو: «إنها تقلب منظورك للأشياء، وتمنحك وجهة نظر جديدة. تختبر أعمالاً تتعلق بالمعرفة والفهم. تجعلنا نتساءل كيف نتعلم من الطبيعة؟ كيف نعمل مع الأرض؟ بعد ذلك تأتي الأعمال التي تتعلق أكثر بالتجديد والشفاء. تدخل الحديقة مجازياً كفرد، وتنتهي بالمعرفة. تقوم بالترميم والشفاء، ثم تندمج في مشاركة جماعية مع الناس».

هكذا اختصر لنا القيم الفني فلسفة قسم المظلة، وما يتبقى لنا هو أن ندخل التجربة الحسية بمعاينة الأعمال أمامنا.

عمل الفنان الياباني تاكاشي كوريباياشي (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

براميل تاكاشي

ننطلق من عمل الفنان الياباني تاكاشي كوريباياشي المكون من خمسمائة برميل أسود فارغ يجذب الأنظار أولاً بتنسيقه الجمالي اللافت، وثانياً بالتساؤلات التي يطرحها حول الطبيعة والإنسان. تقول إحدى القيمات على العرض إن الفنان «مهتم بالتعامل مع مفهوم الحدود والفروقات بين الإنساني والعالم الطبيعي». تحث الزوار على تسلق درجات خشبية تتوسط التركيب الأسود للحصول على نظرة من أعلى، هنا ومن أعلى نرى عبر المرايات المثبتة أعلى البراميل السماء والنباتات المختلفة المتناثرة حولنا في مشهد يبعث على التأمل في علاقة الإنسان بالبيئة، ويعيد النظر في مفهوم «الطبيعي». ترمز الصورة التي نراها عبر المرايات وانعكاسات الشجر والسماء إلى أن الغطاء النباتي الذي كان يغمر سطح الأرض بعد تحلله عبر الزمن أصبح نفطاً في أعماق الأرض، يستكشف الفنان هنا دور الطاقة والموارد الطبيعية.

زهور الفنانة آلاء يونس في "المظلة" ببينالي الفنون الإسلامية بجدة (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

آلاء يونس وأزهار غزة

في صوبة زجاجية تأخذنا الفنانة الفلسطينية لعالم من الزهور الرقيقة الهشة التي تحتمي بالصوبة الزجاجية لتنمو، وتزهر، تطلق على عملها اسم «زهور قطف»، وتروي من خلاله تاريخ زراعة الأقحوان والورود والقرنفل في غزة، حيث اعتمد المزارعون على تصديرها. تشير بطاقة التعريف بالعمل إلى أن صناعة الزهور في غزة كانت قوية جداً بين عامي 1991 و2008، حيث كانت غزة تنتج أكثر من 75 مليون زهرة سنوياً كانت تُصدَّر إلى سوق الزهور الهولندية. وبسبب الحصار والقيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على غزة توقفت التجارة، وبحلول عام 2008 لم يعد من المربح للمزارعين الاستمرار في زراعة هذه الزهور. تشير القيمة إلى أن عمل آلاء يونس وتقديمه في صوبة زجاجية هو «فعل من أفعال المرونة وتذكر صناعة الزهور التي كانت قوية جداً في وقت ما في غزة».

الفنانة بشاير هوساوي وعملها "هديتي لكم: حديقة" (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

حديقة بشائر هوساوي

يجذب عمل الفنانة السعودية بشائر هوساوي الذي يحمل عنوان «هديتي إليكم: حديقة» الزوار بألوانه القوية، لا سيما الأحمر ثم بتكوينه البسيط، فهو قطعة مربعة نسقت عليها الفنانة مجموعة من المكانس التقليدية الحمراء على نحو جمالي لافت. تتحدث مع «الشرق الأوسط» عن عملها المستوحى من طفولتها: «في بيتنا القديم كانت لدينا حديقة صغيرة كانت والدتي تطلب منا دائماً أن نكنسها، اكتشفت أن لدي بالبيت كمية كبيرة من المكانس الملونة». العنصر الأساسي في عملها هو المكانس، وقد استخدمته من قبل «بدأت السلسة من 2019 كنت أريد أن أتعرف إلى نفسي أكثر، وأن أتعرف بشكل أكبر على الأشياء التي أحبها. كنت أريد أن (أنظف بشائر من الداخل)، ومع الوقت أخذت ورش عمل ساعدتني على بلورة المفهوم ليصبح التطهير من الخارج، ومن الداخل والأخص من الداخل، الأمر أيضاً له صلة بعائلتي التي تعمل في الطوافة، حيث نستقبل الحجاج من كل أنحاء العالم في البيت بما له من حميمة ودفء، وكانوا الأهل ينظفون البيت قبلها».

عمران قريشي ودرب زبيدة

من الأعمال التي تفاعل معها زوار البينالي إلى حد بعيد عمل الفنان عمران قريشي الذي يحاكي باستخدام شرائط النسيج مِسَاحَة تجمع تاريخية حول واحة، يحتفي بطريق الحج الكوفي «درب زبيدة» الذي يرجع تاريخه إلى أكثر من ألف عام، وأمرت بحفره زبيدة زوجة هارون الرشيد لخدمة لحجاج. عمل قريشي يستلهم المساحة الملونة المنسوجة من تخطيط «شارباغ» الذي ميز الحدائق الهندية الفارسية رباعية الأضلاع المقسمة بوساطة الممرات المائية التي يرمز لها بالألوان، ويحتفي العمل بالمحافظة على الحرف اليدوية المنسوجات التقليدية من الاندثار في ظل التقنيات الحديثة.

ناصر الزياني "تسقي البعيد وتدع القريب" (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

ناصر الزياني وعين عذارى

يناقش عمل الفنان البحريني ناصر الزياني قضية التغيير المستمر للمناظر الطبيعية والذكريات الشخصية المرتبطة بها، يطلق عنوان «تسقي البعيد وتدع القريب» على عمله الذي استوحاه من عين «عذارى» في البحرين، وهي من العيون التاريخية، وارتبطت ذكريات الفنان بها. يتعامل الزياني مع جفاف العين في العقود الأخيرة عبر كتابة أبيات من قصيدة للشاعر البحريني علي عبد الله خليفة يخاطب فيها الشاعر العين، ويشكو جفافها، على ألواح رملية مرتفعة تشبه نقوش الألواح المسمارية القديمة.

"جعلك بالجنة" لفاطمة عبد الهادي (تصوير ماركو كابيليتي-مؤسسة بينالي الدرعية)

جعلك بالجنة وعبق الريحان

عمل الفنانة السعودية فاطمة عبد الهادي بسيط جداً وعميق جداً، يجذب الزائر برائحة الرياحين عبر نباتات منتظمة على مسافة ممتدة أمامنا تحفنا في كل خطوة فيه غلالات بيضاء رقيقة مطبوع عليها نباتات الريحان. يثير العمل العواطف الكامنة والحنين للراحلين فهو يشير لرمزية الريحان في الإسلام كونه من نعيم الجنة الذي تبشر به أرواح المؤمنين، تستحضر الفنانة هنا مقولة لوالدتها «الريحان من ريحة الجنة» وتستعيد عادتها في تزيين الأماكن بالريحان.


مقالات ذات صلة

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.


«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
TT

«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)

تُنصَّب، اليوم الأربعاء، سارة مولالي، أول امرأة تتولّى منصب رئيسة أساقفة كانتربري والزعيمة الروحية لنحو 85 مليون مسيحي في الكنيسة الأنجليكانية العالمية، وذلك خلال مراسم تجمع بين التقاليد والرمزية العالمية في كاتدرائية كانتربري.

ونقلت عنها «رويترز» قولها في مقابلة مع «بي بي سي» قبل المراسم: «أدرك أهمية كوني أول امرأة تتولَّى منصب رئيسة أساقفة»، مضيفة أنّ الحفل سيشهد مشاركة أصوات نسائية.

خطوةٌ تغيّر ملامح الحكاية (أ.ف.ب)

وبمناسبة بدء توليها المنصب، ستجلس كبيرة الممرّضات في إنجلترا والموظفة الحكومية سابقاً على كرسي القديس أوغسطين العائد إلى القرن الثالث عشر أمام نحو ألفَي ضيف مدعو، بينهم ولي العهد البريطاني الأمير ويليام وزوجته كيت، ورئيس الوزراء كير ستارمر، إلى جانب عدد من القادة الدينيين.

وفي حين أثار تعيين مولالي في أكتوبر (تشرين الأول) انتقادات حادة من تكتّل محافظ داخل الكنائس الأنجليكانية يُعرف باسم (جافكون)، ويضم في معظمه كنائس من أفريقيا وآسيا، تخلّى هذا التكتل الشهر الحالي عن خططه السابقة لتعيين شخصية رمزية موازية لمولالي، وأنشأ بدلاً من ذلك مجلساً جديداً.

ورغم أنّ التوتّر بين التيارات المسيحية التقدمية والمحافظة ليس حكراً على الأنجليكانية، فإنّ دور رئيس أساقفة كانتربري يظلّ رمزياً إلى حد كبير، بخلاف بابا الفاتيكان الذي يتمتّع بصلاحيات واضحة على الكاثوليك حول العالم.

بابٌ يُفتح وزمن يتبدّل (أ.ف.ب)

وخلال المراسم، ستدخل مولالي الكاتدرائية عبر الطرق على بابها الغربي اليوم الأربعاء، مرتدية تاجاً وعباءة مثبتة بمشبك مستوحى من الحزام الذي كانت ترتديه خلال عملها ممرضةً في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، ثم سيستقبلها الأطفال.

وسترتدي خاتماً كان البابا بولس السادس قد أهداه في عام 1966 إلى أحد أسلافها، وهو مايكل رامزي، في إشارة إلى تحسُّن العلاقات بين الأنجليكان والكاثوليك، بعد قرون من انفصال الملك هنري الثامن عن كنيسة روما.

بداية تُشبه التحوّل (أ.ف.ب)

وستُقام الصلوات بلغات عدّة، من بينها الأردية، إلى جانب الترانيم الأفريقية.

وقال الأسقف نيكولاس بينز: «تمنح رئيسة الأساقفة سارة الكنيسة فرصة لفتح صفحة جديدة من الحوار تقوم على قدر أكبر من الثقة. إنها تمتلك المهارات والخبرة اللازمة لمثل هذا الوقت».


بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
TT

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

«إن لم أركض فسوف أمشي. وإن لم أستطع المشي فسأزحف»... بهذه العبارة وعدت سيلين ديون جمهورها قبل سنتَين بالعودة الحتميّة إلى المسرح، حتى وإن عاندَها جسدُها ووضعُها الصحيّ. لكن يبدو أن المغنّية الكندية العالمية كانت أعند من المرض، وها هي ذي تستعدّ لاعتلاء الخشبة من جديد.

استفاقت باريس قبل يومين على لوحات ضوئية تغزو شوارعها، وتحمل عدداً من عناوين أغاني سيلين ديون باللغتَين الفرنسية والإنجليزية، من دون أي إشارة إضافية.

كلمات أغاني سيلين ديون تملأ الشوارع في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

تزامنت تلك الحملة الدعائية الغامضة مع خبرٍ تفرّدت به صحيفة «لا بريس» الكنَديّة، مفادُه أنّ ديون عائدة إلى الغناء أمام الجمهور، وذلك ضمن سلسلة حفلات تستضيفها العاصمة الفرنسية مطلع الخريف المقبل. وينسب الصحافي الذي نشر الخبر معلوماته إلى مصدر موثوق أبلغه بأنّ ديون ستقدّم مجموعة حفلات بدءاً من شهر سبتمبر (أيلول) في ميدان «باريس لا ديفانس» المغلق، الذي يتّسع لأكثر من 40 ألف متفرّج.

وفي وقتٍ لم تؤكّد إدارة أعمال الفنانة الخبر ولم تَنفِه، أثارت ديون شخصياً فضول معجبيها ومتابعيها بنَشرِ مجموعة من الصور عبر حسابها على «إنستغرام». وتوثّق تلك الصور لمحطات باريسية في مسيرة المغنية، منذ سنوات المراهقة وحتى اليوم. وقد أرفقت ديون المنشور بعبارة بالفرنسية تعطي انطباعاً بأنها عنوان لأغنية جديدة.

وفق معلومات الصحيفة الكنديّة، فإنّه من المرتقب أن تحيي سيلين ديون حفلَين أسبوعيين في «لا ديفانس» خلال شهرَي سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول)، أي ما مجموعُه 16 حفلة. مع العلم بأنّ الميدان المذكور يُعدّ أضخم قاعة حفلات في أوروبا. واللافت أنّ الموقع الإلكتروني الخاص بالحجوزات فارغٌ حتى اللحظة من أي مواعيد في تلك التواريخ، ما يوحي بأنّ المعلومة دقيقة على الأرجح، بانتظار إعلانٍ رسميّ من قبل ديون حول انطلاق بيع البطاقات.

سيلين ديون في الرياض عام 2024 احتفاءً بالمصمم اللبناني العالمي إيلي صعب (رويترز)

تثير أي عودة محتملة لسيلين ديون إلى الغناء والعروض الموسيقية الاهتمام حول العالم، لأنّ الفنانة أمضت سنواتها الـ6 الأخيرة شبه غائبة عن الأضواء، ورهينة الآلام والعلاج من «متلازمة الشخص المتيبّس» (Stiff Person Syndrome). وقد استحقّت تلك العودة المرتقبة عدداً خاصاً من مجلة «باري ماتش» الفرنسية، تصدّرته صورة ديون وملأت سيرتُها صفحاته الداخلية. أما العنوان الرئيسي فجاء ليؤكّد الخبر: «سيلين ديون... إنها عائدة».

عدد خاص من مجلّة «باري ماتش» مخصص لعودة سيلين ديون (موقع المجلّة)

العدد الذي صدر مطلع هذا الشهر، بالتزامن مع استعداد ديون لإطفاء شمعتها الـ58، خصّها بـ92 صفحة من الصور الأرشيفية والتحقيقات الحصرية. ورغم الاستفاضة في سيرتها الذاتية، بدءاً بطفولتها في مونتريال، مروراً بارتباطها بمدير أعمالها وزوجها لاحقاً رينيه أنجليل، وليس انتهاءً بوفاته وإصابتها بالمرض، إلا أنّ العدد الخاص من المجلّة لم يتضمّن أي حوار مع الفنانة.

خلال سنوات المعاناة التي عبرتها، التزمت ديون باحتجاب جزئيّ عن الأضواء والإعلام. لكنها حافظت على تواصلِها مع متابعيها عبر «السوشيال ميديا»، فدأبت على مصارحتهم بوضعها الصحي ومشاركتهم أخبارها. وفي سياق تلك المنشورات، كان لافتاً ذلك الذي خصّصته لوالدها الراحل مطلع الشهر الحالي بمناسبة ذكرى ميلاده.

جاء ذلك المنشور بمثابة وعد لجمهور ديون؛ إذ كتبت فيه متوجّهةً إلى والدها الراحل وعبرَه إلى منتظريها: «أحبّك وعندما أصعد مجدداً إلى المسرح، أعرف أنك ستكون معي».

إذا صدَقت المعلومات المتداولة فإنّ صعود ديون إلى المسرح من جديد سيكون الأوّل بعد سنتَين على آخر إطلالة جماهيريةٍ لها. ففي يوليو (تموز) 2024، افتتحت المغنية الألعاب الأولمبية في باريس مقدّمةً أداءً آسراً لأغنية «إديث بياف» (نشيد الحب)، من قلب برج إيفل ووسط أنواره الساحرة. وهي فاجأت العالم حينذاك؛ إذ أتت تلك الإطلالة بعد شهرٍ على عرض الفيلم الوثائقيّ الذي واكب جلجلة آلامها.

كانت 2024 السنة التي عقدت فيها سيلين ديون العزم على الوقوف من جديد، وكانت باكورة القرار حلولها ضيفة شرف على حفل جوائز «غرامي» الموسيقية في شهر فبراير (شباط) من ذلك العام. رافقها ابنُها البكر رينيه شارل إلى المسرح، حيث استُقبلت بدقائق من التصفيق، كما قدّمت جائزة ألبوم العام للمغنية الأميركية تايلور سويفت.

سيلين ديون خلال حلولها ضيفة شرف على حفل «غرامي» عام 2024 (رويترز)

بكامل طاقتها وحيويّتها المعهودة، ختمت سيلين ديون العام بمشاركة خاصة في عرض أزياء المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب في الرياض. غنّت «I’m Alive» (أنا على قيد الحياة) احتفاءً بمرور 45 عاماً على انطلاق مسيرة صعب في عالم الأزياء، وتوسطت ديون العارضات اللواتي مررن بأثوابهنّ الذهبية.

أين تلك «السيلين» المتوهّجة، من المرأة المكسورة والمسحوقة ألماً التي شاهدها العالم في وثائقي «أنا: سيلين ديون» على منصة «أمازون برايم» في يونيو (حزيران) 2024؟

أمام عيون الملايين، قررت الفنانة الملقّبة بـ«الديفا»، أن تفرد أوجاعها حتى أعلى صرخة وأحَرّ دمعة. سلبتها «متلازمة الشخص المتيبّس» قدرتها على الحركة والكلام والغناء. ضرب المرض جهازيها العصبيّ والمناعيّ. وجدت ديون نفسها مرغمة على إلغاء حفلاتها وتعليق مشاريع ألبوماتها.

اليوم وبعد أن شارفت رحلة الآلام على نهايتها، تعود سيلين ديون إلى شغفها الذي صمتَ قسراً. ترجع إلى الموسيقى التي تجري في صدرها مثل الهواء. فوحدَها معجزةُ الصوت أخرجت الطفلة سيلين من ثلوج قريتها شارلمان إلى مسارح المجد، ولا شيءَ سوى تلك المعجزة يستطيع أن يمنح النجمة العالمية ولادة جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended