الفائزون بجوائز «بافتا»... دليل الجمهور إلى أفضل أفلام السنة

«كونكليف» و«ذا بروتاليست» يستحوذان على حصة الأسد... وأفلامٌ أخرى تحقق مفاجآت

«كونكليف» و«ذا بروتاليست» في صدارة الأفلام الفائزة بجوائز «بافتا» البريطانية
«كونكليف» و«ذا بروتاليست» في صدارة الأفلام الفائزة بجوائز «بافتا» البريطانية
TT

الفائزون بجوائز «بافتا»... دليل الجمهور إلى أفضل أفلام السنة

«كونكليف» و«ذا بروتاليست» في صدارة الأفلام الفائزة بجوائز «بافتا» البريطانية
«كونكليف» و«ذا بروتاليست» في صدارة الأفلام الفائزة بجوائز «بافتا» البريطانية

نادراً ما تضرب احتفاليّة الـ«بافتا» موعداً مع البهرجة، أو مع الخطابات الرنّانة أو المواقف الخارجة عن المألوف، أكان على المسرح أم على السجّادة الحمراء. إذ تصبّ جوائز الأكاديمية البريطانية للفنون السينمائية والتلفزيونية تركيزها على محتوى المادة السينمائية، والتي تشكّل مؤشِراً إلى جوائز الأوسكار.

قبل أسبوعَين من الحدث السينمائي العالمي الأبرز والذي تستضيفه هوليوود في 2 مارس (آذار)، اختارت بريطانيا أعمالها السينمائية المفضّلة. خاض 42 فيلماً المنافسة، ليخرج اثنان منها متوّجَين بـ4 جوائز لكلٍ منهما. منحت الأكاديمية إجماعها لـ«كونكليف» (المجمع المقدَّس) ولـ«ذا بروتاليست» (الوحشي)، والاثنان من العيار السينمائي الثقيل.

فريق فيلم «كونكليف» الفائز الأكبر في احتفالية «بافتا» السينمائية (رويترز)

كونكليف... داخل دهاليز الفاتيكان

في لفتةٍ خاصة إلى السينما البريطانية، حصد «كونكليف» جائزتَي أفضل فيلم وأفضل فيلم بريطاني، إلى جانب «بافتا» أفضل مونتاج وسيناريو مقتبس. ولدى تسلّمه الجائزة محاطاً بفريقه، تحدّث المخرج إدوارد بيرجر عن «المؤسسات التي من المفترض أن تجمع بين الناس إلا أنها تفرّقهم». وفي هذه الكلمة لمحةٌ مختصرة جداً عمَّا ينتظر مشاهدي «كونكليف»، من جرأةٍ في التعامل مع أحد أكثر المواضيع حساسيةً وغموضاً.

تدخل عدسة بيرجر إلى دهاليز الفاتيكان لتصوّر لحظةً تاريخية تغيب عنها الكاميرات في العادة. يقف الكاردينال لورنس على مفترق طرقٍ قد يأخذه إلى البابويّة، بعد الوفاة المفاجئة لرأس الكنيسة الكاثوليكية. يكتشف لورنس أن الاستحقاق الكنسيّ ليس بالبساطة التي كان يظنّها. يقول في مشهدٍ لأحد زملائه الكرادلة: «إنه مجمع مقدّس، وليس حرباً»، ليجيبه الآخر: «بلى، إنها حرب».

ليس لورنس المرشّح الوحيد إلى منصب بابا روما، فحوله منافسون يحمل كلٌ منهم طموحاً ومخططاً مختلفاً. وفيما تجول الكاميرا بين ردهات الفاتيكان الرخاميّة المبهرة والأشبه بالأنفاق المسكونة بالأسرار، يتأرجح لورنس بين الإيمان والشكّ. يُضاف إلى قلقه الروحيّ، انطباعٌ بأنّ مؤامرةً ينخرها الفساد تدور في أروقة المجمع المقدّس، وقد يكون بعض الكرادلة المرشّحين متورطين فيها.

يقدّم الممثل رالف فاينز أحد أفضل أدواره بشخصية الكاردينال لورنس، موظّفاً كل ما منحته الموهبة والخبرة من تعابير جسمانية ليترجم صراع لورنس الداخلي.

الممثل رالف فاينز بشخصية الكاردينال لورنس (إنستغرام)

يبلغ الفيلم إحدى ذرواته في مشهد الاقتراع لاختيار بابا الفاتيكان المقبل، مع العلم بأن معظم التصوير جرى في استوديوهات ضخمة في إيطاليا، إضافةً إلى مجموعة من قصور روما التاريخية.

لطالما شكَّلت أسرار الفاتيكان مادة سينمائية مُغرية، وقد أثبتت ذلك أفلام مثل Habemus Papam (لدينا بابا) وThe Two Popes (الباباوان). إلا أنّ «كونكليف» هو علامةٌ فارقة، أبدعت فيه عدسة بيرجر محوِّلة المَشاهد إلى لوحات، وفريق الممثلين إلى «أوركسترا»، وفق وصف المخرج خلال ليلة «البافتا».

جرى تصوير فيلم «كونكليف» بين استوديوهات خاصة وقصور تاريخية في روما (أ.ب)

ذا بروتاليست... 200 دقيقة إبداع

الفيلم الذي وازى «كونكليف» أهميةً في ليلة الـ«بافتا» هو «ذا بروتاليست». فاز العمل ذو الإنتاج الأميركي والبريطاني والمجري المشترك، بـ4 جوائز هي: أفضل إخراج لبرادي كوربيت، وأفضل ممثل لأدريان برودي، وأفضل تصوير سينمائي، وأفضل موسيقى تصويرية.

تمتدُّ هذه الدراما التاريخية على مدى 3 ثلاث ساعات و20 دقيقة، من دون أن تصيب المُشاهد بالملل. تدور الأحداث بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعالج قضية الهجرة الأوروبية إلى الولايات المتحدة الأميركية.

في قلب الحكاية «لازلو توث»، المهندس المجري اليهودي الذي نجا من الإبادة النازية، ولم يجد طريقاً سوى «الحلم الأميركي». لكن على الأرض الموعودة، ليست الأحلام ورديةً كما في الخيال. يواجه لازلو كل أنواع التناقضات. هو اللاجئ الفقير إنما الموهوب والذي عليه أن يثبت نفسه وسط بيئةٍ غير صديقة بالضرورة.

رغم الوحدة والتشرّد والإدمان، يعيد لازلو بناء نفسه بقوّة الطموح. إلا أنّ ذلك لا يحصل من دون رعاية أحد الأثرياء الأميركيين، الذي يلمس فنَّ لازلو في الهندسة المعمارية، لكنه يتعامل معه بعنف وفوقيّة وعنصريّة وغيرة.

الممثل الأميركي أدريان برودي فائز بـ«بافتا» أفضل ممثل عن «ذا بروتاليست» (رويترز)

متخطياً إبداعه في The Pianist (عازف البيانو) والذي فاز عنه بأوسكار عام 2003، يقدّم أدريان برودي أداءً آسراً في شخصية لازلو. يبدو الممثل الأميركي الحامل جذوراً بولنديّة يهوديّة في قمة الإقناع ضمن هذه الأدوار، وهو استحقّ «البافتا» عن جدارة لفرط ما وظّف من شراسةٍ وشغف في تجسيد الدور.

إضافةً إلى الأداء التمثيلي المميَّز والعمق السردي، يقدِّم «ذا بروتاليست» نموذجاً استثنائياً في رواية قصةٍ طويلة ومعقَّدة من دون تعريض العين للملل. فرغم دسامة المواضيع، من الهجرة إلى الصراع الطبقي مروراً بمعاداة الساميّة، يعبر الفيلم بسلاسة ووضوح. يبدو وكأنه مقتبس من قصة واقعية، بينما الحقيقة أنه من كتابة المخرج برادي كروبيت والكاتبة منى فاستفولد.

المهندس المجري المهاجر لازلو توث ومحاولة تحقيق الحلم الأميركي (أ.ب)

«أنورا»... مفاجأة البافتا

من مفاجآت أمسية البافتا، فوز مايكي ماديسون بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «أنورا». وهو الفيلم ذو موضوع جريء، قد نال السعفة الذهبية في مهرجان كان وحصد إعجاب النقّاد. أما الممثلة الأميركية فتؤدّي فيه شخصية «أنورا» أو «أني»، وهي بائعة هوى ترتبط بشابٍ روسيّ ثريّ، يعرض عليها الزواج مقابل حصوله على الإقامة في الولايات المتحدة.

مايكي ماديسون و«بافتا» أفضل ممثلة عن فيلم «أنورا» (إ.ب.أ)

عودة «والاس وغروميت»

لكل جمهورٍ حصته في «البافتا»، وقد حصد جائزتي أفضل فيلم رسوم متحرّكة وأفضل فيلم للأطفال والعائلة، الجزء السادس من سلسلة «والاس وغروميت»، والعائد بعد 16 سنة من الغياب.

في الكلمة التي ألقاها عقب تسلمه الجائزة، لفت المخرج مرلين كروسينغهام إلى أنّ الجمهور الأميركي يبدو متحمّساً للفيلم، رغم أن «والاس وغروميت» من صلب الثقافة البريطانية. فإن الفيلم ذا الإنتاج المشترك بين «بي بي سي» و«نتفليكس»، سلك طريقه في الولايات المتحدة.

يبتكر المخترع والاس روبوتاً على هيئة قزم ويبدأ في استخدامه للقيام بأعمال في حدائق الجيران. لا يروق الأمر للكلب الوفيّ غروميت، القلق من اتّكال صاحبه والاس على التكنولوجيا. تتعقّد الحبكة عندما يدخل البطريق الشرير «فيثرز» على الخط، ليأخذ ثأره من والاس وغروميت بعد أن تسبّبا بسَجنه سابقاً.

كما سائر أفلام هذه السلسلة، ليس العمل موجَّهاً للأطفال فحسب، بل هو يحاكي البالغين كذلك. يتطرّق إلى جدليّة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من دون أن يخسر شيئاً من فكاهته المعتادة. هذا على مستوى المضمون، أما شكلاً فيقدّم الفيلم قفزة نوعيّة من خلال شخصياته وعناصره البصريّة الثلاثية الأبعاد، التي يشعر المُشاهد وكأنه يلمسها بيدَيه.

فريق والاس وغروميت ترافقه إلى «البافتا» شخصيات فيلم الرسوم المتحركة (إ.ب.أ)

من بين نجوم «بافتا» هذه السنة، الممثل الأميركي كيران كالكن الذي نال جائزة أفضل ممثل بدور مساعد عن فيلم «ألم حقيقي» (A Real Pain). وقد فاز الفيلم الذي يمزج ما بين الدراما والكوميديا بجائزة أفضل سيناريو أصلي كذلك.

كيران كالكن وجيسي أيزنبرغ في أحد مشاهد فيلم A Real Pain (أ.ب)

كما فاز الفيلم الفرنسي الناطق بالإسبانية «إميليا بيريز» بجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية، وفازت الممثلة زوي سالدانا بـ«بافتا» أفضل ممثلة في دور مساعد عن هذا الفيلم الموسيقي الذي يتطرق إلى عالم الجريمة.


مقالات ذات صلة

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

يوميات الشرق واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)

إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

أعادت «إيرادات السينما» خلال موسم عيد الفطر المبارك بمصر صياغة فكرة «نجم الشباك»، بعد تصدّر أفلام «البطولة الجماعية» قائمة إيرادات «شباك التذاكر».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.