الدرعية تشهد نجاح أول مزاد عالمي في السعودية

«أصول» لدار «سوذبيز» يحصد 17 مليون دولار بعد مزايدات من داخل وخارج المملكة

TT

الدرعية تشهد نجاح أول مزاد عالمي في السعودية

جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)
جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

كانت المرة الأولى في نواحٍ كثيرة، فهي المرة الأولى التي يقام فيها مزاد عالمي للفنون والمقتنيات الفاخرة في السعودية، وكانت أيضاً المرة الأولى لدار سوذبيز التي افتتحت أول مقر لها في الرياض منذ أشهر قليلة، يمكن القول أيضاً إنَّها المرة الأولى التي تطلق مغنية سعودية حدثاً عالمياً كهذا، حيث قدمت المغنية الأوبرالية ريماز عقبي أداءً قوياً لمقطوعة من كارمن لبيزيه، وبالتأكيد هي أيضاً المرة الأولى التي يجتمع فيها عدد ضخم من الجمهور من المزايدين والإعلام لحضور مزاد فني عالمي في الرياض.

كانت ليلة السبت الثامن من فبراير (شباط) خاصة جداً لكل من حضر أول مزاد لسوذبيز الرياض، المكان كان ساحراً، فنحن في مِسَاحَة مفتوحة تتميز بخلفية من الجدران النجدية الطراز في قلب الدرعية التاريخية، المسرح المفتوح أيضاً سمح بإطلالة القمر على الحضور، وكوَّن مشهداً التقطه الكثير من الحاضرين عبر شاشات هواتفهم.

عرض لوحة عبد الحليم رضوي في مزاد «سوذبيز» بالدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

ولكن لنأتي للمزاد المعنون «الأصول»، وهو يضم مجموعة مختارة بعناية، تضمن أعمالاً عربية وغربية، ومجوهرات، وحقائب يد، وأيضاً تذكارات رياضية. كان الهدف هو اختبار ما يريده الجمهور وما سيقبل عليه، وبعد انتهاء المزاد يمكن القول إنَّ الجمهور أعجب بالـ«الخلطة»، وهو ما يعكسه تحقيق كثير من الأعمال المعروضة مبالغَ أكبر من الأرقام المتوقعة لها.

نستجيب للذوق المحلي

قبل المزاد عرضت القطع في مزاد مفتوح للجمهور على مدى أسبوع كامل، واستمر توافد الزوار على المعرض حتى الساعات الأخيرة قبل المزاد، وهو إقبال قال عنه أشكان باغستاني رئيس مبيعات الفنون الجميلة لمزاد «أصول»، سوذبيز في حوار مع «الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أنني استقبلت مثل هذا العدد من الزوار في مَعْرِض، فقد استقبلنا ما بين 300 إلى 500 زائر يومياً، وهو أمر لا يصدق».

يشير إلى صيغة المزاد المسائي التي اختارتها الدار لمزادها الأول في المملكة التي تعني «التركيز على الجودة بدلاً من الكمية. نحن نعرض 120 عاماً من الأعمال الفنية. وأعتقد أن أهمية هذا الأمر كانت إلقاء شبكة واسعة، لتقديم مجموعة متنوعة من الأعمال التي يمكن أن تجذب جمهوراً بأكبر قدر ممكن. نحاول فهم ذوق الناس في المملكة. عندما ترى (رؤية 2030) المذهلة، وكل ما أُنْجِز في عالم الثقافة والفن، في المملكة، فمن المنطقي أن يأتي السوق والعالم التجاري أيضاً، وأن يكونا جزءاً من الرحلة».

لوحة لؤي كيالي «ثم ماذا؟» بيعت بمبلغ 900 ألف دولار (تصوير: تركي العقيلي)

عن عملية الاختيار يقول باغستاني: «اخترنا، أولاً وقبل كل شيء، من الفنانين العرب الأكثر أهمية والأكثر صلة والأكثر رمزية، من لؤي كيالي إلى كمال بلاطة إلى سامية حلبي إلى محمود مختار وما إلى ذلك. ثم اخترنا بعض الفنانين الدوليين، الانطباعيين الأكثر حداثة، الفنانين المهمين، مثل رينيه ماغريت، ثم اخترنا مجموعة لطيفة من الفنانين المعاصرين من الأسماء الدولية المعروفة جداً، بانكسي هو أحدهم. داميان هيرست كان مشهوراً جداً في المنطقة. ومن ثم كان من المهم للغاية أن نضم الفنانين الذين يحظون حالياً بتغطية إعلامية كبيرة، وهناك الكثير من الضجيج حولهم في المملكة العربية السعودية، مثل روبرت إنديانا، وهوغو، وألكسندر كالدر، وجيمس توريل، وكل هؤلاء الفنانين لديهم أعمال فنية كُلِّفوا بها. بعضها في محطة مترو الأنفاق في الرياض. وبعضها في العلا. لذا فنحن نستجيب للذوق المحلي».

لوحة الفنان السعودي محمد السليم بيعت بثلاثة أضعاف تقديرها 660 ألف دولار (تصوير: تركي العقيلي)

ضم المزاد أعمالاً لأربعة فنانين من السعودية، وهم عبد الحليم رضوي ومحمد السليم ومها الملوح وأحمد ماطر، يعلق باغستاني: «اخترنا أربعة أعمال، اثنين حديثين واثنين معاصرَين. عبد الحليم رضوي من عام 1984 ومحمد السليم. ثم إلى الفنانين المعاصرين مها الملوح وأحمد ماطر، نحن فخورون جداً. لم يكن المزاد ليقام من دون هؤلاء الفنانين الأربعة. هناك كثير من الفنانين السعوديين الموهوبين الآخرين. لا يمكننا إدراج الجميع، ولكن نأمل أن تتمكن النسخة التالية من إدراج أعمال أخرى لفنانين سعوديين آخرين».

لحظة تاريخية

يعلق إدوارد غيب رئيس مجلس إدارة «سوذبيز» في الشرق الأوسط والهند على الحفاوة والترحيب في الرياض قائلاً: «لقد شعرنا بدفء الناس في الرياض، ولم نشعر أبداً بمثل هذا الترحيب في أي مكان آخر. حقاً، وبصراحة، إنه أمر مثير للغاية بالنسبة لسوذبيز. إنها لحظة تاريخية، أعتقد أننا نصنع التاريخ هذا المساء هنا في الدرعية مع أول مزاد على الإطلاق في المملكة».

من معرض «أصول» في دار «سوذبيز» بالرياض (تصوير: تركي العقيلي)

يشير غيب إلى أن عملية اختيار القطع المعروضة للبيع هو أمر يخضع لعدة عوامل «نبدأ بقائمة رغبات نعمل بناءً عليها. وقد كنا محظوظين للغاية لأن هواة جمع الأعمال الفنية وعملاء سوذبيز أثبتوا حماسهم لعرض بعض مقتنياتهم، فلدينا أعمال استثنائية، غالباً جاءت مباشرة من عائلات الفنانين. أنفسهم». يستكمل: «اخترنا أعمالاً من فنانين رائعين في المملكة، كما اخترنا أيضاً فنانين أميركيين وأوروبيين، شعرنا أنهم سيجدون صدى لدى الجمهور المحلي. هنا. لقد كنا نراقب من كثب تطور المشهد الثقافي والفني السعودي. لقد لاحظنا المعارض الفنية هنا وأنواع الفنانين الذين يعرضون أعمالهم، كما لاحظنا البينالي، البينالي المعاصر هنا في الرياض، والبينالي الإسلامي في جدة. وقد أسهمت كل هذه العوامل في عملية تفكيرنا».

لقطات هامة

المنافسة الحامية التي حدثت في قاعة المزاد، وعلى الإنترنت أيضاً بين سبعة مزايدين للحصول على عمل تركيب ضوئي للفنان الأميركي جيمس توريل التي نتج منها بيع العمل بمبلغ 660 ألف دولار.

كما بيع العمل الرقمي الضخم للفنان رفيق أناضول «الهلوسة الآلية، الفضاء» المستوحى من تعاونه مع وكالة ناسا، بـ900 ألف دولار.

جانب من مزاد «سوذبيز» في الدرعية (تصوير: تركي العقيلي)

ومن أعمال الفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو من مجموعة ابنه الذي حضر المزاد بيعت لوحة «امرأة المجتمع» (Society Woman) بمليون دولار، بعد منافسة من 3 مزايدين، وبيعت لمشترٍ في الغرفة.

كما حققت لوحة للفنان البريطاني بانكسي بعنوان «يتوقف على التوافر» (Subject to Availability) لبانكسي من سلسلة «لوحات زيتية مخربة» (vandalised oil’s)، بمبلغ 1.2 مليون دولار.

وحققت لوحة «حالة الحجاب» (L'État de veille) للفنان رينيه ماغريت التي تصور سماء زرقاء ملبدة بالغيوم، بمبلغ 1.2 مليون دولار.

الفنانون السعوديون

* في صدارة عرض الفن السعودي، تنافس أربعة مزايدين على لوحة للفنان محمد السليم - عُرضت مباشرة من مجموعة ابنة الفنان – ليتم بيعها بثلاثة أضعاف تقديرها 660 ألف دولار. وشهد المزاد أيضاً بيع مشهد السوق الصاخب للفنان عبد الحليم رضوي ترجع لعام 1984، مقابل مبلغ قياسي قدره 264 ألف دولار (السعر التقديري: 150 ألف - 200 ألف دولار) - تنافس عليها 4 مزايدين، بما في ذلك مزايدة عبر الإنترنت وأخرى في الغرفة.

* بالنسبة للوحة الفنان المعاصر أحمد ماطر، فقد بيع عمله المعنون «ثنائية الزخرفة» (حكاية مكية) بسعر 102 ألف دولار. وحقق عمل للفنانة السعودية مها الملوح بعنوان «مقادير» (من سلسلة «غذاء للفكر») بمبلغ أعلى من التقديرات، وقدره 84 ألف دولار.

فنانون من مختلف أنحاء المنطقة

* أشعلت واحدة من أهم اللوحات في مجال الفن العربي الحديث تحمل عنوان «ثم ماذا؟» للفنان لؤي كيالي، معركة مزايدة طويلة، حيث بيعت بمبلغ 900 ألف دولار، محققة رقماً قياسياً جديداً للفنان.

خبراء «سوذبيز» يتلقون المزايدات بالهاتف (تصوير: تركي العقيلي)

* من «مجموعة سماوي»، حققت لوحة «الفخ الأزرق (في محطة قطار)» للفنانة سامية حلبي من سبعينيات القرن الماضي (القطعة 6) مبلغ 384 ألف دولار، بعد تنافس بين ثلاثة مزايدين، من بينهم مشارك في الغرفة.


مقالات ذات صلة

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يوميات الشرق نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ».

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق مزاد حافل بأشهر روائع الفن العالمي (سوذبيز)

«ليلة تاريخية» في دار «سوذبيز» بلندن تُسجل مبيعات بـ393.4 مليون جنيه إسترليني

حقق مزاد أقامته دار «سوذبيز» في لندن مساء الأربعاء، واستهل بـ25 عملاً فنياً من مجموعة الملياردير جو لويس، حصيلة إجمالية بلغت 393.4 مليون جنيه إسترليني.

سكوت ريبورن (لندن)
يوميات الشرق صورة تُظهر أول حقيبة «جلد تي ريكس» معروضة قبل مزادها في مكان مزاد فندق دروو بباريس 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

عرض أول حقيبة جلدية مصنوعة من خلايا ديناصور في مزاد بباريس

ستُعرَض حقيبة جلدية مصنوعة من خلايا مستخلصة من حيوان «تيرانوصور ركس»، للبيع بالمزاد، الخميس، في دار مزادات «جيكيلو» بباريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قرنٌ لم يُطفئ سحرها (إنستغرام)

1000 ساعة عمل و150 ألف قطعة كريستال لتخليد مارلين مونرو

كُشفَ عن لوحة فنية مميّزة لأيقونة السينما مارلين مونرو، ابتُكرت باستخدام 150 ألف قطعة كريستال، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية قرر المتحف عرض قميص بيليه للبيع في مزاد أقيم بالعاصمة البريطانية لندن (أ.ف.ب)

قميص بيليه في نهائي كأس العالم 1958 معروض للبيع بنحو 6 ملايين دولار

يُنتظر أن يصبح القميص الأزرق الشهير الذي ارتداه الأسطورة البرازيلية بيليه في نهائي كأس العالم 1958 أحد أغلى المقتنيات الرياضية في تاريخ كرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
TT

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)
مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، الخميس، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في البلاد، وذلك بدعم من القيادة، وباستثمار يتجاوز مليار ريال (267 مليون دولار).

وأوضح آل الشيخ، في تصريح له، أن المشروع يضم 9 مبانٍ مكتبية بمساحات تأجير تتجاوز 60 ألف متر مربع، بالإضافة لمساحات تجارية، ومقرات رئيسة للشركات، ومساحات عمل مشتركة، وأكثر من 1300 موقف سيارات.

وأضاف أن المشروع جاء «بالشراكة مع شركة (حي للتطوير العقاري)، وبالتعاون مع صندوق (REQ العقاري - الفرنسي كابيتال)، وبإدارة وتشغيل شركة (صلة)»، مُختتماً تصريحه بالقول: «عزيمة السعوديين ما لها حدود ولا سقف، والقادم أعظم».

وكان آل الشيخ أعلن في أغسطس (آب) 2024 إطلاق هذا المشروع ضمن منطقة «بوليفارد سيتي»، باعتباره المرحلة الأولى من المخطط الحضري لإعادة تخطيط وتنظيم منطقة «بوليفارد ديستريكت» بالشراكة مع القطاع الخاص.


موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
TT

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)
بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره، ولا يمكن تخطيه، فلوحاته تنظر للعالم من خلال عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة، حتى التفاصيل التي تحيط بهم لا تنجو من تأثير العدسة المكبرة، فالأشجار ضخمة الجذوع، وأدوات المائدة والفواكه وكل التفاصيل تتحول إلى عناصر ضخمة مستمدة من الحياة اليومية، تزهو بأحجامها المبالغ فيها وألوانها.

بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

«بوتيرزمو» الجمال في الضخامة

في لوحات ومنحوتات بوتيرو يظهر نهجه الذي أطلق عليه مصطلح «بوتيرزمو» (Boterismo)، الذي تحدى به الفنان هيمنة الفن التجريدي الذي طبع تلك الحقبة، وابتكر بدلاً منه شخصيات ضخمة الحجم تتسم بروح الدعابة والعمق الإنساني، وللحق يستحق أسلوب بوتيرو مصطلحاً يضع فنه في مكانة خاصة بين فناني العصر الحديث.

لمسة «البوتيرزمو» أصبغها الفنان الكولومبي على لوحات استوحاها من كبار فناني العالم، وكان لموناليزا ليوناردو دافنشي مكانه خاصة لديه، فرسم عدد من اللوحات التي تصور الموناليزا صغيرة وكبيرة وفي كل حالاتها، وتحولت السيدة المبتسمة على يد الفنان إلى نسخ أضخم وأطرف. فتلك اللمسة البوتيرية تحمل حس دعابة جميلاً يلمس كل من ينظر للوحات الفنان الكولومبي، وتفسر المكانة التي احتلها فنه.

فرناندو بوتيرو مع أعماله (الدار)

حياة في نيويورك

يرتبط المعرض بمكانة نيويورك لدى الفنان الراحل، فقد قضى فترة من حياته فيها، وهناك اقتنى متحف الفن الحديث أول لوحة له، ولذلك لا عجب أن تكون المدينة هي المكان الذي اختارته عائلته لعرض مجموعة من لوحاته التي أبدعها خلال الفترة التي عاش بها في المدينة (بين عامي 1960 و1973) وذلك ضمن معرض مخصص للبيع تقيمه دار سوذبيز، يحمل عنوان «بوتيرو في نيويورك» بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل اسمه.

من اللوحات في المعرض (الدار)

25 عملاً

ويجمع المعرض المقرر افتتاحه في 22 من يوليو (تموز) الحالي، بحسب بيان الدار، لوحات ومنحوتات، بعضها قادم مباشرة من عائلة بوتيرو، والبعض الآخر من مجموعات خاصة. يعرض بعضها للجمهور للمرة الأولى على الإطلاق. المعرض سيركز على المرحلة التي عاشها بوتيرو في نيويورك، ويعتبرها نقاد الفن بمثابة المرحلة التأسيسية للفنان، ومن خلال المعروضات سيتسنى للجمهور استكشاف تطور أسلوب الفنان في الرسم. تمثل كل قطعة من الأعمال الخمسة والعشرين في المعرض محطة هامة في مشوار الفنان.

ومن جانبها، تعلق أنا دي ستازي، الرئيسة العالمية لقسم فنون أميركا اللاتينية بـ«سوذبيز»: «تكشف سنوات بوتيرو في نيويورك عن فنان كان منخرطاً بعمق في التيارات الفنية المحيطة به، ومع ذلك ظل ثابتاً في عزمه على تطوير لغة فنية خاصة به تماماً. وتُبرز الأعمال المعروضة هنا ركائز ذلك الإنجاز؛ فنان تعامل مع التقاليد الفنية الأوروبية باستقلالية، وأعاد صياغة العالم البصري والاجتماعي لكولومبيا عبر مخيلته الخاصة، ليصيغ بذلك واحدة من أكثر اللغات التصويرية تفرداً في القرن العشرين».

«موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» (الدار)

موناليزا طفلة وزهور فان جوخ

أثناء إقامته في نيويورك زارت دوروثي ميلر استوديو الفنان، واختارت لوحة تصور الموناليزا وهي طفلة لتضمها لمجموعة متحف الفن الحديث بنيويورك، وكانت هذا النقطة الفاصلة في حياة الفنان، إذ وضعت عمله بجوار أعظم الفنانين العالميين. خلال حياته رسم بوتيرو أكثر من لوحة تصور الموناليزا، وتعرض الدار لوحة منها لم تعرض من قبل بعنوان «موناليزا في الثالثة عشرة من عمرها» نفّذها الفنان في عام 1959 تظهر فيها الموناليزا بوجه طفولي مكتنز وابتسامة ساحرة. هذه اللوحة وغيرها تقدم موضوعات وشخصيات مستمدة من أهم اللوحات العالمية، وهو ما يعكس نهج الفنان وترجمته الفنية لأعمال غيره من عباقرة الفن العالمي، وهو أسلوب تصفه الدار بـ«إعادة التفكير بطريقة جريئة في التقاليد الفنية التاريخية»، ويظهر ذلك بشكل كبير في لوحته الأشهر عن الموناليزا التي رسمها في عام 1978.

لوحة «أزهار عباد الشمس» (الدار)

في لوحة ثانية من المعرض بعنوان «نزهة» (1973) يزور بوتيرو مشهداً مألوفاً في اللوحات العالمية، حيث يجتمع حبيبان في نزهة برية تحيط بهما الأشجار. الجديد في اللوحة هو ذلك التصوير الممتع للأشجار، تكاد من حجمها أن تبتلع الأشخاص الجالسين على العشب أسفلها. اللوحة تعرض للجمهور للمرة الأولى.

ومن ليوناردو دافنشي إلى فان جوخ، تنتقل فرشاة بوتيرو الساحرة لتصور مزهرية متضخمة لزهور عباد الشمس التي أبدع فان جوخ في تصويرها في لوحاته الشهيرة.

تمنحنا «زهور عباد الشمس» (1977) كثيراً من المتعة، فالإناء الأزرق المتضخم يبدو متخماً بمجموعة من الأزهار المنتفخة والنابضة بالحياة والمتميزة بدرجات اللون الأصفر. يرى المختصون بالدار أن الإناء الأزرق والأزهار داخله «حوّل موضوع فان جوخ الشهير إلى عمل فني ذي ثقل نحتي وتوتر هادئ»، وأن بوتيرو قدّم في هذه اللوحة «ابتكاراً معاصراً بالكامل».

«طبيعة صامتة مع بطيخ» (الدار)

في لوحة «طبيعة صامتة مع بطيخ» (1976) يعود بوتيرو لموضوع أثير لديه، يستكشف التفاصيل اليومية بأسلوبه الخاص، وفي هذه اللوحة تتحول ثمرة البطيخ إلى كائن مدهش نستمتع بالنظر له. يرجع البعض جذور لوحات الطبيعة الصامتة لدى بوتيرو لإعجابه العميق بفن الرسم الإسباني الكلاسيكي واطلاعه المبكر على روائع متحف برادو في مدريد وتقديره للوحات لفلاسكيز وغويا وغيرهما من عمالقة الفن الإسباني.


المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
TT

المهند كلثوم: «فوتوغراف» رؤية عميقة لتمسك الإنسان بذاكرته وكرامته

لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)
لقطة من الفيلم وسط أنقاض البنايات السورية خلال الحرب (الشرق الأوسط)

يطرح الفيلم السوري «فوتوغراف» سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره، عما يبقى للإنسان عندما تتغير الأمكنة، وتتبدل الأيام، وتتساقط التفاصيل التي كان يظنها ثابتة، فالأشياء لا تمنحنا هويتنا، لكن الذكريات التي تعلقنا بها هي التي تفعل ذلك.

طاف الفيلم الروائي القصير مهرجانات عدة. وحاز، أخيراً، جائزة «العدالة والسلام» من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته التاسعة، الذي أقيم في يونيو (حزيران) الماضي بمدينة لاهاي الهولندية.

يُسلط «فوتوغراف» الضوء على تداعيات الحرب في سوريا، وأثرها على عمالة الأطفال وحرمانهم من التعليم لدعم أسرهم مادياً، وأنتجت الفيلم المؤسسة العامة للسينما السورية، وكتبت السيناريو والحوار بثينة نعيسة، والفيلم بطولة سليمان الأحمد، وغالب شندوية، وجمال العلي، وصفوح ميماس، وإخراج المهند كلثوم.

ويروي الفيلم حكاية صبيين تربطهما صداقة عميقة؛ «سلطان» و«يحيى»، اللذين يتجولان في مدينتهما وسط أنقاض المباني وبقايا الأثاث ومتعلقات بقيت شاهدة على حياة كانت هنا ولم تعد، بينما يقيمان في معسكرات الإيواء، ويقود سلطان صديقه يحيى، بعد أن فقد بصره ليقوما بجمع بقايا أدوات تحت الأنقاض لبيعها لأحد التجار مقابل ليرات معدودة، وبينما يبحثان في أنقاض بيت «يحيى» يعثران على كاميرا تخص عائلته، ينجحان في تشغيلها، فيلتقطان صوراً لبعضهما وسط البنايات المنهارة، لتصبح هذه اللقطات الفوتوغرافية شاهداً على ذكرياتهما، وفيما يحاول سلطان أن يلتقط مزيداً من الصور يسقط ركام المبنى فوق رأس صديقه.

ويقول المخرج المهند كلثوم إن «الجائزة التي حصل عليها الفيلم أكدت لي أن السينما ما زالت قادرة على أن تفتح حواراً بين البشر على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا وصل هذا الفيلم إلى الناس، و«منذ بدايته وفيلم (فوتوغراف) لم يكن يبحث عن التعاطف، ولا عن إدانة أحد، بل كان يحاول أن يقترب من الإنسان عندما يكون مضطراً لأن يتمسك بما تبقى من ذاكرته وكرامته، لذا شعرت أن اسم الجائزة يلتقي مع روح الفيلم»، على حد تعبيره.

بطلا الفيلم السوري «فوتوغراف» (الشرق الأوسط)

ويوضح كلثوم أن «إخفاء الكاميرا خلف الشخصيات كان هاجسه الأكبر أثناء التصوير، فقد كنت أبحث عن صورة تتنفس بهدوء، وعن ضوء يشبه الحياة، وعن أماكن تحمل آثار الزمن من دون أن تتكلم، لم أرد صورة جميلة بقدر ما أردت صورة صادقة، لأن الصدق يبقى في ذاكرة المشاهد أكثر من أي إبهار بصري، ولهذا أقول دائماً إن (فوتوغراف) ليس فيلماً عن الحرب، بل عن الإنسان وهو يقاوم النسيان، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يفقد بيته بل أن يفقد حكايته».

وتُعد جائزة «العدالة والسلام» تتويجاً لمسيرة خاضها الفيلم بين عدة مهرجانات عربية ودولية، حصل خلالها على جوائز عدة، لكن المهند كلثوم لا ينظر لهذه المشاركات كسباق، بل كرحلة يتغير فيها الفيلم مع كل جمهور يشاهده، ويقول عن ذلك: «أحياناً كنت أخرج من قاعة العرض وأنا أشعر أن الجمهور اكتشف في الفيلم ما لم أكن واعياً له، وهذه واحدة من أجمل مفاجآت السينما، لهذا لا أحب أن أقيس نجاح الفيلم بعدد الجوائز، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يترك أثراً صامتاً في قلب المشاهد بعد أن تُطفأ الشاشة».

ويفسر كلثوم سبب اختيار عنوان الفيلم «فوتوغراف» قائلاً: «لقد كنت أبحث عن عنوان لا يصف الفيلم، بل يفتح باباً للدخول إليه، فالصورة الفوتوغرافية بالنسبة إليّ تعد ذاكرة تقاوم الزمن، أحياناً تكفي صورة واحدة حتى تحمل حياة كاملة وتعيد إلينا أشخاصاً وأماكن لم تعد موجودة إلا في داخلنا، من هنا وُلد الفيلم».

المخرج السوري المهند كلثوم (الشرق الأوسط)

ويحمل «فوتوغراف» بعداً إنسانياً واضحاً، ويبدو كما لو كان يحاكم الذاكرة، لكن كلثوم يؤكد أنه «لا ينظر للذاكرة كمكان نهرب إليه كلما اشتقنا للماضي، بل هو المكان الذي نحمي فيه إنسانيتنا من النسيان، لذلك لم تكن الذاكرة في (فوتوغراف) مساحة للحنين، بقدر ما كانت مساحة للتأمل، ولإعادة طرح الأسئلة»، وفق قوله.

ويؤكد كلثوم أنه تعامل مع السيناريو كمساحة للحوار بين رؤية الكاتبة ورؤيته كمخرج، ويقول: «كان يهمني أن يصبح كل مشهد أكثر قرباً من الشخصيات، وأكثر قدرة على التعبير بالصورة والصمت، لا بالكلمات، وقد ترجمت هذا الحس للغة بصرية هادئة، تترك للمشاهد مساحة ليشعر بأكثر مما يُقال له، لأنني أؤمن أن أجمل الأفلام هي تلك التي تثق بإحساس المتلقي، ولا تفرض عليه تفسيراً واحداً».

وحول السينما السورية، وهل تجاوزت الحرب لتطرح أسئلة عن الهوية؟ يقول كلثوم: «أعتقد أن السينما السورية اليوم تقف أمام فرصة مهمة لإعادة اكتشاف نفسها، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن السينما لا تستطيع أن تبقى أسيرة الحدث إلى الأبد، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نروي ما جرى، وإنما أن نفهم ما الذي تركه داخل الإنسان».

وقدّم المهند كلثوم أعمالاً عديدة روائية ووثائقية شاركت في مهرجانات دولية، وحاز العديد من الجوائز الدولية، ومن بين أفلامه الروائية «لماذا» و«يالا نلعب»، و«على سطح دمشق»، و«أمل إيمان حب»، ومن الوثائقية «البرزخ»، و«رحلة الحرير السوري»، و«هذه الأرض»، وهو مؤسس مشروع «يلا سينما» ومهرجان «أيام دمشق السينمائية» لأفلام الطفولة واليافعين.