معرض يُوثّق تاريخ الفن التشكيلي الأرميني في مصر

عبر 60 عملاً يُبرز إسهاماتهم في التصوير والنحت والكاريكاتير

اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
TT

معرض يُوثّق تاريخ الفن التشكيلي الأرميني في مصر

اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)

شهدت الحركة التشكيلية المصرية منذ بداياتها حضوراً كبيراً للفنانين الأجانب من مختلف الجنسيات، لكن كان لأبناء الجالية الأرمينية على وجه الخصوص بصمات بارزة على الفن المصري الحديث؛ حيث شكّلت إبداعاتهم فرعاً أصيلاً من أفرع هذا الفن، بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي والثقافي المحلي.

وفي معرض جماعي للفنانين التّشكيليين من أصول أرمينية بعنوان «الأرمن في مـصر» بمركز «محمود سعيد للمتاحف» في الإسكندرية (شمال مصر)، يستمتع الزائر بروائع تشكيلية تُمثّل عرضاً بحثياً يضيء على إسهامات الأرمن في الفنون الجميلة المصرية، خصوصاً التّصوير والنحت والكاريكاتير، وتشكل في الوقت نفسه وثائق أثنوغرافية وتاريخية نادرة لحقبة زمنية مضت إلى الأبد.

لوحة «بائعة الذرة» للفنانة إليزبارتام (إدارة المعرض)

ويتنقل المشاهد ما بين ملامح الفن الأرميني الخالص وسمة الازدواجية الإنسانية الثقافية للفنانين وتأثير ذلك على أعمالهم؛ التي اتسمت بمزيج بين الثقافتين المصرية والأرمينية، في توليفة من العناصر الحضارية والبيئية؛ على مدى أجيال عدّة تُغطي أكثر من 125 عاماً من الفن الأرميني في مصر، منذ قَدَّم أول فنان أرميني مصري في العصر الحديث، وهو يرفاند دمردغيان، لوحته الشهيرة «فتاة أرمينية» عام 1900، وذلك بعد أن جاء إلى مصر سنة 1896، ومنه إلى فنانين آخرين من أجيال أخرى.

لوحة للفنان بيوزانت جودجامنيان المعروف بولعه بالريف المصري (الشرق الأوسط)

ولا نستطيع التأريخ لبدايات الحركة التشكيلية المصرية من دون تناول دور الفنانين من الجاليات الأجنبية الذين نزحوا إلى مصر، وعاشوا فيها طويلاً، وأصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع، وفق الدكتورة نُهى يوسف مديرة مركز «محمود سعيد للمتاحف والمعارض» وصاحبة فكرة المعرض.

وتواصل نُهى: «ومن أهم هؤلاء الفنانين هم الأرمن الذين احتلوا مكانة مميزة في الفنون الجميلة، وهم يمثّلون حالة خاصة، لأنهم استمروا في مصر ولم يغادروها، على العكس من فناني الجاليات الأخرى، وهو ما ضاعف من تأثُّرهم وتأثيرهم في الفن المصري».

و«سجل الأرمن حضورهم اللافت في جميع مجالات الفنون التشكيلية بمصر، وهو ما يوثقه هذا المعرض المهم، الذي يُضيء على أعمالهم خلال أجيال فنية مختلفة، عبر أساليب ومدارس عدة» وفق نُهى يوسف.

لوحة زيت على قماش من مقتنيات جمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة (الشرق الأوسط)

وأضافت نُهى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا المعرض أهمية خاصة، لأنه يضمّ أعمالاً نادرة، معظمها لم يُعرض من قبل؛ ومنها المجموعة المتحفية المخزونة وهي من مقتنيات (متحف الفنون الجميلة) في الإسكندرية، وتُعرض للمرة الأولى، وتضم 17 لوحة تصوير وقطعتي نحت، إضافة إلى أعمال حصلنا عليها من الفنانين أنفسهم، أو من أُسر الراحلين منهم».

ويكشف المعرض الذي يُنظّم بالتعاون مع «جمعية القاهرة الخيرية الأرمينية العامة» عن قيمة فنية مميزة لأعمال الأرمن، كما أنه يعكس أيضاً دفء علاقاتهم بالمصريين وذوبانهم في المجتمع، ومن ذلك أعمال الفنانة ماركريد بالطايان التي كانت تهتمُّ برسم جيرانها في حيّ شبرا حيث تقطن، وأعمال أخرى تبرز إحساسهم في الاحتماء بالمجتمع من ذكريات المأساة التي تعرضوا لها ودفعتهم للنزوح إلى مصر، فتلمس الرومانسية والشّجن فيها، وكأن المعرض يسرد حكاياتهم الإنسانية مثلما يعرض فنّهم وإبداعاتهم، حسب مديرة المركز.

لوحة «الفلاحة» زيت على قماش من مقتنيات متحف الفنون الجميلة (إدارة المتحف)

يضم المعرض نحو 60 عملاً فنياً، من أبرزها أعمال همبارهمبرتسوميان صاحب لقب «فنان الأحياء الشعبية في الإسكندرية»؛ حيث جسّد أجواء الحارة وأزقتها وتفاصيلها في المدينة، معبّراً عن السكينة والهدوء النفسي فيها بريشته، منجذباً بشكل خاص إلى الجدران الرّطبة والمباني المتهالكة، مؤكداً حقيقة انصهار هؤلاء الفنانين في النسيج المجتمعي.

وتأتي أعمال الفنانة ساتينغ تشاكر التي استقرّت في مصر بعد عام 1919 بعدما أكملت دراستها في إنجلترا لتستكمل التأكيد على ذلك الانصهار؛ فتأمُّل لوحاتها يُمثّل رحلة داخل مصر بين أحيائها وناسها، بوجوه مصرية خصوصاً الفلاحات، وتُشاهد أمكنة متنوعة مثل حديقة الحيوان في الجيزة، وغير ذلك، في حين تعكس لوحات بيوزانت جود جامنيان ولعه بالريف المصري.

لوحة «شارع تيمور بك» حبر شيني على ورق لفنان الأحياء الشعبية همبارهمبرتسوميان (الشرق الأوسط)

إرفاند دميردغيان أحد الفنانين الأرمن الذين تستطيع من خلال لوحاته في المعرض أن تستكشف الهوية المصرية وطِباع المصريين ببساطة، ومن دون أي تكلّف أو تنميق؛ كان دميردغيان شغوفاً باكتشاف البلاد ورسم كل شيء حوله، ويُركّز أثناء ذلك على المهمّشين؛ إذ يعكس دواخلهم ومشاعرهم على مسطح أعماله، ساعده على ذلك أنه اختار أن يعيش في شقة على سطح خان (وكالة) في 155 شارع محمد علي بوسط القاهرة.

لوحة بعنوان «ولد جالس» زيت على قماش من مقتنيات متحف الفنون الجميلة (إدارة المتحف)

وتلتقي على مسطّح لوحات فنانين آخرين بتفاصيل مختلفة من قلب مصر، فنشاهد على سبيل المثال باب زويلة، وعباس محمود العقاد وبائعة الذرة، والمراكب في نهر النيل، والبيوت القديمة إضافةً إلى وجوه ومشاهد من الطبيعة في مصر والخارج.

الكاريكاتير ورسوم الإعلانات والأعمال الأدبية في الصُّحف المصرية على أيدي الفنانين الأرمن، جانب آخر يكشف عنه هذا المعرض المقام حتى 25 فبراير (شباط) الحالي؛ فتستعيد من خلاله ذاكرة الصحافة أعمال ديكران الشهير بـ«ديك» في مؤسسة «الأهرام»، فضلاً عن أعمال الفنان ألكسندر صاروخان الكاريكاتيرية، ومساهمته البارزة في الصحافة، خصوصاً صحيفتي «آخر ساعة» و«أخبار اليوم».

عباس العقاد بريشة صاروخان (الشرق الأوسط)

كما تتعرّف من خلال المعرض على أعمال هرانت آنترانغيان مبتكر مصمّم غلاف مجلة «سمير» للأطفال، الصادرة عن مؤسسة «دار الهلال»، ومبتكر الشخصية الرئيسية فيها «سمير».

ويواكب المعرض ملتقيات حوارية وفعاليات فنية، تكشف جوانب جديدة موثّقة من تاريخ الأرمن في مصر، كما تبرز ملامح الثقافة الأرمنية، ومنها الندوة الافتتاحية، وحفل كورال الجمعية الخيرية الأرمنية على مسرح «متحف الفنون الجميلة» في الإسكندرية، والندوة الختامية التي يُشارك فيها فنانون ونُقاد وباحثون أرمن ومصريون.


مقالات ذات صلة

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

يوميات الشرق «دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز للدراويش المولوية، وما يمثلونه من طاقة روحية محملة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية» يُقام معرض «فن القاهرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
TT

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي
مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

أكد مسؤول في برامج هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية أن الهيئة تسعى ضمن خططها في العام الجديد لتخريج 20 كاتباً، وتعريف الجمهور بهم، كاشفاً أن الهيئة تعمل على ضخّ المزيد من الطاقات الشبابية لدعم الحراك الثقافي.

وقال مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة، خالد الصامطي، لـ«الشرق الأوسط» إن الهيئة تعتزم خلال العام الحالي 2026 تخريج 20 كاتباً من خلال برنامج «حاضنة كُتّاب» التي تهدف إلى دعم المؤلفين السعوديين، ومساعدتهم على إطلاق إصداراتهم الأولى، وتشجيع الإنتاج الثقافي، وتطوير المحتوى السعودي بما يتواءم مع احتياجات المشهد الثقافي المتجدد.

مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

وأوضح الصامطي أن الهيئة تنفذ حزمة من البرامج، والمبادرات، من بينها «أسابيع الطفل الأدبية» التي تُقام في عدد من مناطق المملكة، وتُقدَّم من خلالها مادة ثقافية وأدبية موجهة للطفل، يتم من خلالها اكتشاف المواهب الجديدة في سن مبكرة، موضحاً أنه بعد رصد المواهب، وتسجيل بياناتهم ضمن قواعد بيانات مخصصة، ويجري التواصل مع أهالي الأطفال، مع تقديم ورش تعليمية للأسر حول كيفية التعامل مع الطفل الموهوب، ودعمه، وتوفير المواد التي يحتاجها في مجاله الإبداعي، والأدبي.

أجناس أدبية جديدة

في هذا السياق أشار الصامطي إلى أن هذه المبادرات لا يقتصر تفعيلها في المهرجانات، بل هي مستمرة ضمن برنامج «حاضنة كُتّاب» التي تخرّج سنوياً أكثر من 15 كاتباً في أجناس روائية غير شائعة يحتاجها المشهد الثقافي، وتُعد أكثر قدرة على جذب قراء جدد، مثل أدب «الجريمة والغموض، والرواية البوليسية»، مبيناً أن الكاتب ينهي رحلته في الحاضنة بكتاب مطبوع، ويحصل على عقد نشر مع دار نشر، ليصدر عمله الأول رسمياً عبر هذه الحاضنة.

المعرض يعد إحدى أدوات هيئة الأدب لإبراز الكُتاب وإيصالهم للجمهور (الشرق الأوسط)

منصات النشر

تهتم هيئة الأدب بدعم الكُتاب بشكل خاص، وفقاً للصامطي، الذي أوضح أن الهيئة تتيح مشاركتهم في المهرجانات الأدبية، وكان آخرها «مهرجان الطائف»، من خلال فرصة مقابلة الكُتاب الذين أثّروا في مسيرتهم القرائية، إضافة إلى المبادرات النوعية من بينها «مختبر النقد» الذي يتيح للكاتب الناشئ صاحب التجربة النقدية نشر عمله عبر المختبر من خلال رمز (كود) خاص.

وأشار إلى أنه في حال كان هناك مهتم بالقصة القصيرة، يمكنه نشر قصته عبر قنوات أجهزة «ق، ق»، بعد توقيع نموذج إلكتروني يمنح الحقوق اللازمة للنشر عبر هذه القنوات، موضحاً أن هذه الأجهزة تنتشر في معظم أماكن الانتظار في السعودية، وتُنظمها وتشرف عليها هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الأدباء العالميون

عن الاستفادة من حضور الأدباء العالميين للسعودية، قال الصامطي إن أي فعالية تقيمها الهيئة ويستضاف خلالها كُتاب وأقلام عربية وعالمية، يجري الاتفاق مع هؤلاء الضيوف على تنفيذ جولات ثقافية من خلال «مبادرة الشريك الأدبي»، أو مبادرات أخرى، يلتقون خلالها بشكل مباشر مع الجمهور في مواقع مختلفة، ويقيمون ندوات في عدد من مدن المملكة، وهناك الكثير من الأسماء العربية والفرنسية التي حضرت إلى المقاهي الأدبية في السعودية، وتحدثت بفخر عن تجربة الشريك الأدبي واصفين إياها بالتجربة الناجحة.

برامج ومسابقات

وحول البرامج، قال الصامطي إن قطاع الأدب يركز على عدد من المسارات، من بينها الحاضنات التي يجري تقديم مخرجاتها ضمن فعاليات الشريك الأدبي، إلى جانب «أسابيع الطفل»، وكذلك «مسابقة الإبداع الأدبي» التي يُعلن عنها في أوساط الشباب، والجامعات السعودية، وأوضح أن المنافسة تُقام في 4 أجناس أدبية هي: «الرواية، والقصة القصيرة، والشعر الفصيح، والشعر النبطي» لتفرز في النهاية أسماء فائزة تشارك في فعاليات مختلفة، وتبرز إعلامياً، مع توفير منصات وفعاليات تمكّن هؤلاء الكُتاب الشباب من الاحتكاك بالكُتاب الكبار، والاستفادة من خبراتهم.

قدمت الهيئة في المهرجان الثالث العديد من الكتاب الشباب وأبرزت قدراتهم الفكرية (الشرق الأوسط)

المهرجانات الأدبية

وأكد الصامطي أن المهرجانات الأدبية تلعب دوراً مهماً، وتعد فرصة حقيقية للقاء الكُتاب، والأدباء الكبار مع الجمهور، وطرح أفكارهم عبر جلسات فردية واستشارية مباشرة مع زوار المهرجان، يجيبون خلالها عن تساؤلاتهم، معتبراً أن هذا الجانب يُعد من أهم أدوار المهرجانات.

وعرج الصامطي على مهرجان «الطائف» الذي أتيحت فيه للطفل فرصة التعرف على «المانغا» و«الكوميكس» واللتين تُعدان في الأساس أجناساً أدبية، وأن ما يشاهده على شاشة التلفاز من أفلام كرتونية قائم في جوهره على روايات أدبية، وهو ما قد يفتح عينيه على الأدب بطريقة غير مباشرة.

وتحدث مدير قطاع الأدب عن الكاتب الناشئ الذي يسجل في ذاكرته المهرجان بوصفه محطة أولى يكتشف فيها شغفه بالكتابة، ويقرر خلالها أن يصبح كاتباً، عندما يرى حجم الاهتمام بالأدب، وتنوع الفعاليات، وتعدد الأوعية والقنوات التي يصل من خلالها الأدب إلى الناس.

المدن الأدبية

يرى الصامطي أن المدن الأدبية اعتادت تنظيم مهرجانات قريبة من الشارع، وموجهة إلى مختلف الفئات الفكرية، والعمرية، وتتضمن فعاليات للأطفال، وأخرى للكبار، وفعاليات للعارف بالأدب، والمهتم به، وكذلك لغير المتخصصين، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الأدب والثقافة العامة، ويكشف للفرد علاقة الأدب بمختلف الأجناس الفنية الأخرى.

لذا يأتي مهرجان «الكُتاب والقراء» الذي أقيم مؤخراً في الطائف ضمن هذا السياق الذي يتوافق مع العُرف الدولي القاضي بأن تتمتع المدن الأدبية بخصوصية ثقافية، وهو ما دفع لاختيار الطائف كونها مدينة إبداعية في مجال الأدب، وجرى تسجيلها قبل عامين بالتعاون بين الهيئة وأمانة ومحافظة الطائف في «اليونيسكو» بوصفها مدينة أدبية، كاشفاً أن المهرجان حظي بحضور كبير تفاعل مع كل الفعاليات، ومنها التي تُجسد الأساطير العربية المنتشرة في الجزيرة العربية، والشخصيات التي كُتبت عنها روايات، واستخدمت في الأدب العربي، حيث جرى تقديمها عبر الرسوم، والمسرحيات، واللوحات الرقمية.


استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
TT

استعادة سحر «دراويش المولوية» في قلب القاهرة التاريخية

«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)
«دراويش المولوية» في معرض نحتي بالقاهرة التاريخية (وزارة الثقافة)

استعاد المعرض الفني «المسار» الطابع الفني المميز لـ«دراويش المولوية» وما يمثلونه من طاقة روحية محمّلة بسحر الماضي وجماله، عبر أعمال فنية جسدتهم في تماثيل من البرونز، مصاحبة بغناء صوفي ورقصات تعبيرية تحمل سمات تراثية، لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر.

المعرض، الذي نظمه صندوق التنمية الثقافية بالتعاون مع غاليري «Le Lab» للنحات خالد زكي في قبة السلطان الغوري بالقاهرة التاريخية، جاء ضمن تجربة ثقافية متميزة تقوم على الشراكة بين قطاعات وزارة الثقافة والقطاع الخاص المعني بالفنون؛ بهدف إعادة قراءة التراث بصياغات معاصرة وتعزيز الحوار بين الماضي والحاضر.

ويعيد المعرض تعريف علاقة المصريين بالمواقع التراثية، لتكون ليست مجرد آثار جامدة، بل أماكن حية قادرة على التفاعل مع المجتمع والفعل الثقافي، وفق تصريحات صحافية لرئيس صندوق التنمية الثقافية حمدي السطوحي.

جانب من افتتاح المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

وأوضح في بيان للوزارة، الاثنين، أن «قبة الغوري تشهد على مدار العام أنشطة ثقافية ينظمها صندوق التنمية الثقافية ممثلاً لوزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، إلا أن هذا المعرض يكتسب خصوصية كونه تجربة جديدة للشراكة مع القطاع الخاص المتخصص في الفنون، حيث يتم العرض بطريقة مبتكرة تحقق تناغماً بين القيمة المعمارية للمكان والمنتج الفني المرتبط بهوية الموقع».

ويقدّم معرض «المسار» مجموعة من المنحوتات البرونزية للفنان خالد زكي، من سلسلتي «الصوفي» و«الرحلة»، حيث تستدعي الأجساد هيئة الدراويش في حالة عبور دائم، متأرجحة بين الأرض والسماء، وبين الثبات والدوران، في صياغة بصرية تسائل الزمن أكثر مما تمثله، وتتقاطع الأعمال بصرياً مع الخطوط الرأسية للعمارة المملوكية لقبة الغوري، لتعيد تفعيل المكان بوصفه عنصراً أساسياً وفاعلاً في التجربة الفنية، وتتيح للزائرين استكشاف التفاصيل والتفاعل مع الفن والتراث معاً.

وعدّ رئيس صندوق التنمية الثقافية المعرض «نموذجاً ناجحاً للتناغم بين الماضي والحاضر، بين الإرث التاريخي والمنتج الفني المعاصر، حيث يتمكن الزائر من التوغل داخل تفاصيل المكان والتفاعل مع الفن، بما يعزز شعور الفخر بالقيمة المعمارية والتراثية».

فعاليات للغناء الصوفي والتعبير الحركي صاحبت المعرض (وزارة الثقافة المصرية)

ويستضيف مركز إبداع قبة الغوري في القاهرة التاريخية أنشطة فنية عدّة ذات طابع تراثي ملائم لروح المكان، وفق مدير النشاط الفني بالمركز عبد الناصر ربيع، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض، الذي يستمر حتى 25 يناير (كانون الثاني) الحالي، يضم مجموعة من الأعمال المناسبة والمتناغمة مع روح المكان، والربط بين الحاضر والماضي، وصَاحَب افتتاح المعرض غناءٌ صوفي للفنانة التونسية غالية بن علي، بالإضافة إلى تعبير حركي مصاحب للغناء».

وأضاف أن الافتتاح، الذي شهده وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو ورئيس صندوق التنمية الثقافية المهندس حمدي السطوحي وعدد كبير من مسؤولي وزارتي الثقافة والآثار، شهد أيضاً حضوراً جماهيرياً كبيراً من جنسيات متعددة.

ويُقيم مركز إبداع قبة الغوري أنشطة فنية دورية لفرقة التنورة التراثية، وهو عرض دائم على الأجندة السياحية كل أسبوع يومي السبت والأربعاء، ومعظم جمهور هذه الفعالية من الأجانب، وفق تصريحات ربيع.

وأوضح أن «هناك فعاليات متنوعة يشهدها المركز الثقافي المجاور للجامع الأزهر والمواجه لمسجد الحسين في قلب القاهرة التاريخية، من بينها فرق الإنشاد الديني التي تشارك في فعاليات كثيرة، مثل فرقة (الحضرة المصرية) وفرقة (راحة الأرواح) من البحيرة، وفرقة (وصال) للإنشاد والرقص المولوي، وكذلك فرق للموسيقى العربية مثل فرقة (فلكلوريتا) وفرقة (دربكة) للفنانة منال محيي الدين عازفة الهارب، بالإضافة إلى فرقة (المولوية المصرية) التي ستقدّم حفلاً خلال شهر فبراير (شباط) المقبل».


عبد المحسن النمر... عمود الدراما السعودية

عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
TT

عبد المحسن النمر... عمود الدراما السعودية

عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)
عبد المحسن النمر في مشهد من مسلسل «المرسى» الذي فاز عنه بجائزة «جوي أوردز» (شاهد)

في كل مرة يظهر فيها الممثل السعودي عبد المحسن النمر على الشاشة، يتكرّر سؤال الجمهور عن سرّ الشباب الذي يرافقه، قبل أن ينتقل سريعاً إلى ما هو أعمق؛ من ثبات واستمرارية في الحضور، نابعين من روح شابة تبدو لدى «أبو بدر» وكأنها جزءٌ أصيل من تعريفه المهني. فالنمر في الدراما السعودية أشبه بعمود الخيمة؛ ثابت في المنتصف، يسمح للأطراف بأن تتحرّك وللشكل بأن يتبدّل، بينما يبقى التوازن قائماً. وبهذا الوصف، يظل حاضراً ومتجدّداً دائماً على الشاشة، بخلاف كثير من الممثلين السعوديين الذين مرّت مسيرتهم بفترات انقطاع وغياب.

يأتي فوزه في «جوي أوردز» 2026 عن فئة أفضل ممثل في المسلسلات، نظير تجربته في مسلسل «المرسى»، المعروض حالياً على «إم بي سي»، وكأنه تلخيص مكثّف لمسار طويل يقوم على الاستمرارية بوصفها قيمة فنية بحد ذاتها، وعلى الحضور بوصفه التزاماً تجاه المهنة والجمهور في آنٍ واحد.

تجارب فنية تعبر المراحل الزمنية

لطالما تميّز عبد المحسن النمر بقدرته على التنقّل بين مراحل الدراما السعودية المتعاقبة؛ من الأعمال الشعبية والبيئية، إلى الدراما ذات الطابع التاريخي، مروراً بالمسلسلات الاجتماعية الحديثة، ثم موجة «المسلسلات المعربة» التي فرضت إيقاعاً مختلفاً ومتطلبات أداء أكثر حساسية للتفاصيل اليومية. ومنذ ظهوره الأول في مسلسل «الشاطر حسن» عام 1981، تشكَّلت علاقة النمر بالدراما كمسار طويل النفس، يبدأ مبكراً وينمو مع الزمن، مواكباً تحوّلات المشهد من داخله.

قد يكون الجمع بين المرونة والثبات من أصعب المعادلات، وهي سمة بارزة في مسيرة النمر، فهو من الممثلين الذين يراهنون على الأداء من الداخل أكثر من الخارج؛ بنبرة محسوبة، ووقفة تملك ثقلاً، وإيقاع يترك مساحة للصمت بوصفه لغة. ومن هنا، يتعامل معه الوسط الفني والجمهور بوصفه ممثلاً قادراً على حمل الشخصيات التي تتطلب وقاراً وعمقاً، وفي الوقت نفسه تمرير لمعة إنسانية بسيطة تغيّر قراءة المشهد بأكمله.

«المرسى»... قبطان على حافة العاصفة

في مسلسل «المرسى» تحديداً، قدّم عبد المحسن النمر شخصية القبطان سلطان؛ رجل البحر الذي تقوده طبيعة عمله إلى السفر لفترات طويلة بعيداً عن المنزل، قبل أن يضعه القدر أمام علاقة عاطفية مع امرأة تُدعى نوال (ميلا الزهراني)، لتتفجّر صراعات قاسية بين الرغبة والعائلة، وبين حياة جديدة تلوّح بالإغواء وحياة قديمة تتمسّك بالمسؤولية.

يقدّم النمر في العمل صراعاً حساساً لرجل اعتاد القيادة والسيطرة في البحر، ثم يجد نفسه داخل برٍّ عاطفي متحرِّك، تفرض عليه أسئلة اعتاد تأجيلها. ومع تصاعد الأحداث، تتحوَّل العلاقة مع نوال إلى قوة ضغط، بينما تتحوّل الزوجة خولة (عائشة كاي) إلى مرآة أخرى للواجب العائلي، فتتشابك الخيوط وتتسارع الانفجارات داخل البيت وخارجه.

وتبرز براعة النمر في منطقة أداء صعبة، عبر شخصية تحمل سلطة «القبطان»، وتحتاج في الوقت نفسه إلى هشاشة داخلية تتسلّل عبر العينين وهدوء الصوت؛ إذ إن سلطان ليس شريراً بالمعنى التقليدي، بل رجل مرتبك، يقرّر كثيراً، ثم يكتشف أن القلب قادر على تعديل القرار في لحظة. ويأتي ذلك ضمن مسلسل يمتد لنحو 90 حلقة، ويحتل حالياً مكانة بارزة في قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في السعودية وفي دول عربية عدّة على منصة «شاهد» التابعة لشبكة «إم بي سي».

أدوار متنوّعة... من الشر إلى التعقيد الإنساني

إجمالاً، تتّسم أدوار عبد المحسن النمر بتنوّعها بين التاريخي والاجتماعي والكوميدي، في مسار يعكس مرونة أدائية وقدرة على التنقّل بين أنماط درامية مختلفة. ومن أبرز هذه الأدوار شخصية «أبو عيسى» في مسلسل «خيوط المعازيب» (2024)، حيث قدّم نموذجاً لشخصية تحمل ملامح الشر المرتبط بالبيئة والتراث الأحسائي، في أداء اعتمد على الثقل الداخلي والحضور المكثّف. كما قدَّم أدواراً بطولية ومعقَّدة، من بينها شخصية «راشد» في مسلسل «خريف القلب» (2024)، جامعاً بين البعد الإنساني وتعقيدات التحوّل الداخلي للشخصية.

في الدراما الخليجية، يتعزَّز هذا الحضور عبر قدرة واضحة على عبور الحدود السردية بين «المحلي» و«الخليجي»، وهو ما يتجلّى في محطّاته المتنوّعة، ومن أبرزها مسلسل «أم هارون» (2020)، حيث قدّم واحدة من أكثر شخصياته إثارة للنقاش من خلال دور «الحاخام داود»، الشخصية المحورية التي تمثّل يهودياً ينتقل إلى المنطقة في سياق درامي يستعيد حقبة تاريخية حسّاسة. واتسم أداء النمر بتركيب إنساني مزدوج، جمع بين ملامح الطيبة والشر داخل شخصية واحدة، مقدّماً نموذجاً درامياً يعتمد على التناقض الداخلي أكثر من الأحكام المباشرة.

أما في السينما، فقد سجَّل النمر حضوراً لافتاً من خلال أفلام ذات طابع إنساني وبصري، يتصدرها فيلم «هجّان» (2023)، الذي شكّل محطة مهمة في مسيرته السينمائية، وشارك في عدد من المهرجانات الدولية؛ أبرزها «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي»، مؤكداً قدرة أدائه على الانتقال إلى الشاشة الكبيرة بنفس الهدوء والكثافة.

وعلى صعيد حضوره السينمائي، حظي الفنان عبد المحسن النمر بتكريم خاص من «مهرجان أفلام السعودية» في دورته العاشرة عام 2024، بوصفه أحد الأسماء التي شكَّلت ملامح التمثيل المحلي على مدى عقود. ويأتي هذا التكريم، الصادر عن منصة تُعنى بالتوثيق والذاكرة، ليضع تجربته في سياق أوسع من موسم درامي أو دور ناجح، ويثبَّت اسمه ضمن المسارات التي أسهمت في بناء المشهد الفني السعودي المعاصر.