«غرامي 2025»... بيونسيه تفوز أخيراً وشاكيرا تتضامن مع المهاجرين

الاحتفالية الموسيقية العالمية تتجنَّب السياسة وتتجنَّد لضحايا حرائق لوس أنجليس

بيونسيه تحتضن ابنتها بلو آيفي كارتر بعد فوزها بـ«غرامي» أفضل ألبوم (رويترز)
بيونسيه تحتضن ابنتها بلو آيفي كارتر بعد فوزها بـ«غرامي» أفضل ألبوم (رويترز)
TT

«غرامي 2025»... بيونسيه تفوز أخيراً وشاكيرا تتضامن مع المهاجرين

بيونسيه تحتضن ابنتها بلو آيفي كارتر بعد فوزها بـ«غرامي» أفضل ألبوم (رويترز)
بيونسيه تحتضن ابنتها بلو آيفي كارتر بعد فوزها بـ«غرامي» أفضل ألبوم (رويترز)

بعد سنواتٍ من الانتظار كادت أن تتحوَّل إلى قطيعة بين بيونسيه و«أكاديمية تسجيل الفنون والعلوم»، فازت المغنية الأميركية أخيراً بـ«غرامي» ألبوم العام. هي المرة الأولى التي تحقق فيها بيونسيه فوزاً عن هذه الفئة تحديداً، وذلك عن ألبومها «Cowboy Carter»، على الرغم من أنَّها تتصدَّر قائمة الفنانين الفائزين بـ«غرامي» وفي حوزتها 32 جائزة.

برفقة ابنتها الكبرى بلو آيفي كارتر، صعدت بيونسيه إلى مسرح ميدان «كريبتو.كوم» في لوس أنجليس، وتسلَّمت جائزتها من ممثلين عن فريق الإطفاء الذي تولَّى إخماد حرائق لوس أنجليس المدمِّرة. وفي خطابها أمام الحضور، قالت بيونسيه إنها تشعر «بالاكتمال والفخر»، معلِّقةً على التأخير في نَيلها هذه الجائزة: «لقد مضت سنواتٌ طويلة».

وعندما تكرّر نداؤها إلى المسرح لتسلُّم جائزة أفضل ألبوم عن فئة موسيقى الكانتري، بدت بيونسيه في قمَّة الذهول. وقد تسلَّمت جائزتها الثانية من زميلتها تايلور سويفت، التي كان عليها أن تغادر الحفل هذا العام خالية الوفاض. فوسط المنافسة المحتدمة، لم يتمكَّن ألبوم سويفت «The Tortured Poets Department» من الحصول على ما يكفي من تصويتٍ يخوِّله الفوز بأي جائزة، مع العلم بأنه كان قد نال 6 ترشيحات.

على خلفيّة حرائق لوس أنجليس، سارت الاحتفالية الموسيقية العالمية، إذ تعدَّدت التحيات التي وُجِّهت إلى الضحايا، وإلى كل مَن ساهموا في إخمادها. وفي وقتٍ أُطلقت حملة تبرُّعات بالتزامن مع الحفل فاق مجموعها الأوَّلي 7 ملايين دولار، جرى عرض فيديو عن الحرائق، تلاه فاصل موسيقي مباشر قدَّم خلاله برونو مارس وليدي غاغا إعادة لأغنية «California Dreamin».

برونو مارس وليدي غاغا في تحية غنائية لضحايا حرائق لوس أنجليس (أ.ب)

الثنائي مارس وغاغا كُرّم بدَوره، إذ فاز المغنِّيان بجائزة أفضل أداء لديو موسيقي عن أغنيتهما «Die With a Smile».

من أبرز الفائزين هذا العام، مغنِّي الراب كندريك لامار الذي حصد «غرامي» أفضل أغنية عن «Not Like Us»، وقد سلَّمته تلك الجائزة الفنانة ديانا روس. كما نال لامار 4 جوائز أخرى عن فئة موسيقى الراب، ليتصدَّر بذلك قائمة الفائزين هذه السنة من حيث العدد. ومن المعروف عن أغنيته الرابحة أنها تتضمَّن رسائل مباشرة إلى المغنِّي دريك من دون أن تسمِّيه، وقد أطلقها عقب خلافٍ بينه وبين زميله.

كندريك لامار الفائز الأكبر عن فئة الراب (رويترز)

في وقتٍ كان من المتوقّع أن يتحوَّل كل خطابٍ من قِبَل الفنانين إلى رسالة موجَّهة ضد عهد دونالد ترمب، اقتصرت الرسائل السياسية على أليشيا كيز وشاكيرا، على الأرجح حتى لا يُسلَب الضوء من قضية حرائق لوس أنجليس.

شاكيرا، وبعد تسَلُّمها جائزة أفضل ألبوم عن فئة الموسيقى اللاتينية من زميلتها جنيفر لوبيز، أهدت فوزها إلى «جميع أشقَّائي وشقيقاتي المهاجرين في هذا البلد»، وأضافت: «أنتم محبوبون ولديكم قيمة. سأحارب دوماً إلى جانبكم».

وبعد غياب 18 عاماً عن مسرح الـ«غرامي»، قدَّمت الفنانة اللبنانية الكولومبية عرضاً غنائياً راقصاً على نغمات «Ojos Asi» ومجموعة من الأغاني التي أشعلت القاعة. وقد رافق شاكيرا إلى الحفل ابناها ميلان وساشا اللذان أظهرا فائضاً من الحماسة والفرح لفوز والدتهما.

بعد غياب دام 18 عاماً قدَّمت شاكيرا عرضاً غنائياً راقصاً على مسرح الـ«غرامي» (إ.ب.أ)

أما أليشيا كيز، وبعد تسلُّمها جائزة «Dr. Dre للتأثير العالمي»، فوجَّهت رسالة مبطَّنة إلى البيت الأبيض قائلةً: «هذا ليس وقت إسكات الأصوات المتنوِّعة. لقد رأينا على هذا المسرح أشخاصاً موهوبين وكادحين من خلفياتٍ متعدِّدة، وأصحاب وجهات نظر كثيرة، وهذا يغيِّر اللعبة». تابعت الفنانة الأميركية: «التنوُّع والعدالة والإدماج ليست تهديداً إنما هدية». وكانت كيز قد أضاءت على قضية أخرى تُعنى بحقوق المرأة في مجال الموسيقى، وهي المساواة بين المنتِجات الإناث والمنتجين الذكور.

ضمن ما تبقّى من أبرز جوائز ليلة الـ«غرامي»، حصلت المغنية الصاعدة تشابيل روان على لقب أفضل فنانة جديدة.

وقد سيطرت الوجوه الشابة، لا سيّما النسائية منها على الاحتفالية الموسيقية، مع فوز سابرينا كاربنتر بجائزة أفضل ألبوم عن فئة البوب، إضافةً إلى أفضل أداء منفرد عن الفئة ذاتها. أما عن فئة البوب الراقص فقد فازت تشارلي إكس سي إكس. وللراب النسائي حصته كذلك مع «غرامي» أفضل ألبوم للمغنية دوتشي. ولم تغب الوجوه النسائية عن فئة موسيقى الـR&B حيث فازت كلٌ من SZA وموني لونغ.

تشابيل روان و«غرامي» أفضل فنانة صاعدة (إ.ب.أ)

المغنية تشارلي إكس سي إكس وجائزة أفضل أغنية عن فئة البوب الراقص (أ.ب)

رغم ذهاب غالبية الجوائز إلى الأصوات الصاعدة، فإنَّ المؤسسين في عالم الموسيقى لم يغيبوا عن ليلة الـ«غرامي». إذ فاز فريق «البيتلز» بجائزة أفضل أداء عن فئة الروك، وذلك عن أغنية «Now & Then» التي ألَّفها جون لينون قبل وفاته ولم يترك منها سوى تسجيل بدائي. غير أنه، وبمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، أعيد ترميم الأغنية التي تُوّجت بجائزة العام. وقد تسلَّم الجائزة ابنُ لينون، شون، الذي وجَّه التحية إلى أعضاء الفريق، الراحلين منهم والأحياء.

من بين العائدين من الحقبة الموسيقية الذهبية كذلك، فريق «رولينغ ستونز»، الذي حصد «غرامي» أفضل ألبوم عن فئة الروك لـ«Hackney Diamonds».

ولم تقتصر لحظات الحنين على تلك الجوائز المقدَّمة إلى كبار الموسيقى، إنما انسحبت على فقراتٍ كُرِّم فيها مَن غابوا عن هذا العالم خلال السنة الماضية. وجَّهت مجموعة من الفنانين تحية موسيقية إلى المنتج والمؤلف الراحل كوينسي جونز. وبصوت كريس مارتن وعلى نغمات أغنية «كولدبلاي» (All my Love)، عبرت صور باقي الفنانين الراحلين في خلفيَّة المسرح، وفي طليعتهم مغنّي فريق One Direction ليام باين.

تكريم الفنانين الذين رحلوا خلال العام الماضي بصوت مغنّي كولدبلاي كريس مارتن (أ.ف.ب)

كبرى مفاجآت حفل الـ«غراميز» كانت عودة غير متوقَّعة للمغنِّي «ذا ويكند» إلى المسرح الذي قاطعه خلال السنوات الـ4 الماضية، متهماً القيِّمين عليه بالعنصريَّة والفساد وغياب الشفافية.

ذا ويكند عائداً إلى مسرح الـ«غراميز» بعد قطيعة استمرت سنوات (موقع Grammys)

بعد أن قدَّمه رئيس مجلس إدارة «الأكاديمية» هارفي مايسون جونيور شخصياً، أطلَّ الفنان الكندي الإثيوبي الأصل خلف نظارة سوداء وتحت معطف واسع، مؤدياً أغنيتَين من ألبومه الجديد. وبذلك وضع ذا ويكند حداً للقطيعة التي أثارها استبعاده عن الترشيحات لفترة طويلة، رغم نجاحه العالمي الساحق.


مقالات ذات صلة

أمسية «A Night of Honour & Heroes» الأوركسترالية تحتفي بالموسيقى في موسم الرياض

يوميات الشرق جانب من العرض الموسيقي «A Night of Honour & Heroes» (موسم الرياض)

أمسية «A Night of Honour & Heroes» الأوركسترالية تحتفي بالموسيقى في موسم الرياض

أمسية موسيقية ملحمية وتجربة أوركسترالية عالمية جمعت بين الموسيقى الكلاسيكية والحديثة، احتضنها مسرح بكر الشدي في منطقة «بوليفارد رياض سيتي».

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.