«نوستالجيا»... محاولة تشكيلية لاستعادة الذكريات السعيدة

معرض قاهري يضم مشاركات لـ50 فناناً عربياً

الطبيعة والمنازل القديمة في أبها السعودية (الشرق الأوسط)
الطبيعة والمنازل القديمة في أبها السعودية (الشرق الأوسط)
TT
20

«نوستالجيا»... محاولة تشكيلية لاستعادة الذكريات السعيدة

الطبيعة والمنازل القديمة في أبها السعودية (الشرق الأوسط)
الطبيعة والمنازل القديمة في أبها السعودية (الشرق الأوسط)

بذكريات من الماضي في البلدان العربية، شارك نحو 50 فناناً من مصر وأكثر من بلد عربي في معرض تحت عنوان «نوستالجيا _ حنين» بكلية الفنون الجميلة (وسط القاهرة)، في محاولات لاستعادة الذكريات السعيدة تشكيلياً عبر خامات متنوعة ومدارس فنية مختلفة.

المعرض الذي نظمته جماعة «بصمة فن» القاهرية استمر من 26 إلى 30 يناير (كانون الثاني) الجاري، وضم نحو 40 فناناً من مصر و10 فنانين من دول عربية، خصوصاً الكويت والبحرين وسوريا وتونس.

تقول الفنانة المصرية أماني زهران إن «المعرض تضمن أعمالاً متنوعة تعبر عن الحنين إلى الماضي، عبر تقنيات وأساليب تعبر عن مدارس فنية مختلفة مثل الواقعية والرمزية والتعبيرية والتأثيرية، بأساليب وخامات مختلفة مثل الديكوباج والرسم، بالإضافة إلى فن الفيلوجرافيا الذي قدمته الفنانة السورية بسمة حميد الخليل».

إحدى لوحات المعرض تعبر عن النوستالجيا عبر الخط العربي (الشرق الأوسط)
إحدى لوحات المعرض تعبر عن النوستالجيا عبر الخط العربي (الشرق الأوسط)

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم الأعمال رصدت أماكن متنوعة في دول عربية مختلفة تعبر عن حنين الأشخاص لهذه الأماكن، أو ما تمثله الأماكن من ذكريات سعيدة لديهم»، وضربت مثالاً بأحد الفنانين المصريين، هو الفنان رضا عوض، الذي رسم منازل وتلال منطقة أبها بالسعودية، فقد عاش هناك فترة من حياته ويعتبرها مكاناً للذكريات السعيدة.

وشارك في المعرض مجموعة من الفنانين الكويتيين هم فضيلة عيادة، والدكتور عبد الحميد الرباح، والفنان عبد الرحمن التكريت، ومريم البشر، وهند الدمخي وأماني العرفج وزهرة العلي، بينما شارك من البحرين الدكتور إبراهيم شريف وعلي الأحمدي وآية محمد جاسم، ومن تونس شاركت الفنانة زينات التريكي وآمنة التركي، وبسمة حميد الخليل من سوريا.

تقول الفنانة بسمة لـ«الشرق الأوسط»: «اللوحة التي شاركت بها كانت باستخدام فن الفيلوجرافيا الذي يقوم على استخدام الخيوط المعدنية المطلية بألوان مختلفة، ومن خلالها جسدت الخط الكوفي بعبارة (مقامك حيث أقمت نفسك)، وهي لوحة على خلفية قماشية وبرواز خشبي، استخدمت فيها فن التعتيق لإكمال العمل الفني».

إحدى لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
إحدى لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

فيما قدمت الفنانة التونسية زينات التريكي عملاً بعنوان «يجب إنهاؤه» وتقول عنه: «العمل عبارة عن خزف حائطي لممارسة تشكيلية تهدف إلى جعل المتلقي ينتقل من المكان الذي هو فيه إلى مكان آخر، ليشعر بإحساس جديد يمكن أن يجعله ينغمس في ذاكرته ويستعيد ذكرياته. إنه محاولة لمحاكاة الزمكان خارج سياقه وسعي للعثور على بعض الأشياء المنسية».

وعبرت الفنانة الكويتية هند الدمخي عن الحنين إلى الماضي برسم المزارع الذي ينقل الخضار والطعام على الدراجة القديمة وسط البيوت الريفية، بينما قدمت الفنانة الكويتية فضيلة عيادة لوحتها لباب الدار القديم الخاص بالأجداد وباقة زهور على الدار القديمة، ودمجت الفنانة مريم البشر بين الرسم وقطع النسيج في لوحتها الفنية «سفينة الصحراء». وجسدت أماني العرفج الحنين إلى الماضي عبر رسم إعداد كحك العيد من منظور عين الطائر.

نوستالجيا تضمن لوحات متعددة من أماكن قديمة (الشرق الأوسط)
نوستالجيا تضمن لوحات متعددة من أماكن قديمة (الشرق الأوسط)

ومن الفنانين المصريين المشاركين كما توضح أماني زهران، جاءت لوحتها هي لتستعيد من خلالها الساقية الموجودة في بيت السحيمي حتى الآن، وتعبر عن الحنين للماضي من خلال هذه التيمة، بينما قدم الفنان المصري ياسر القرني لوحة عن أبناء الحارة الشعبية، ولوحة عن التحطيب في الصعيد.

وتابعت أماني: «الجميع عبّر عن النوستالجيا أو الحنين بأسلوبه الخاص، فهناك من رسم العروسة القماش التي كان الأطفال يلعبون بها، وآخرون رسموا طفلة تمسك فانوس رمضان، أو العديد من الطقوس والعادات الرمضانية مثل السحور والإفطار، والبعض رسم لوحات تجمع بين الحضارات المختلفة التي مرت على مصر».

بعض الفنانين استخدموا خامات متنوعة، مثل إعادة عناصر الخشب القديمة والرسم عليها بالزيت والزخارف لتقديم عمل فني من الخامات القديمة المستعملة، وأحد الفنانين عبر عن «ألف ليلة وليلة» بقصصها الشهير.


مقالات ذات صلة

معرض تشكيلي مصري يحتفي بتجارب «فنانين منسيين»

يوميات الشرق لوحة غير معروف صاحبها (إدارة المعرض)

معرض تشكيلي مصري يحتفي بتجارب «فنانين منسيين»

من خلال معرض «من؟ متى؟» الذي يحتضنه غاليري «ليوان» بالقاهرة نتعمق في تجارب فنية متميزة لأسماء ربما نسمعها لأول مرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق الشخصيات آسرة بأشكالها وتوظيفها تسرد جَمْعه المذهل بين الخرافة والحقيقة (فيسبوك)

وائل شوقي يُبدِّد غموض العالم بجَمْعه المذهل بين الخرافة والحقيقة

هذا فيلم وائل شوقي الأول حول تصوّرات مبنية على الأساطير الإغريقية؛ عبره يطرح مفهوم نشأة الكون من وجهة نظرها، حيث البداية من الصمت قبل تحوّله إلى فوضى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «حفارات النفط» عمل للفنانة الإيطالية سيمونا غلورياني (مؤسسة أرتوداي)

«ألوان النيل والتيبر»... حوار عابر للقارات بين فناني مصر وإيطاليا

رغم أن نهري النيل والتيبر لا يلتقيان جغرافياً، فإنهما يجتمعان فنياً في الوقت الحالي، عبر معرض تشكيلي في القاهرة.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من أغلفة وصور مجلة المصوّر في المعرض (مجلة المصور)

مئوية «المُصوّر» تفتح نافذة على ذاكرة الصحافة المصرية

تبدو كل صورة في المعرض كأنها تفتح كادراً واسعاً على التاريخ والحكايات السياسية والاجتماعية والفنية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق مشاعر الحنين إلى الوطن وذكريات الطفولة في أعمال غادة جمّال (الشرق الأوسط)

معرض «من القلب إلى الوطن» للبنانية غادة جمال: أماكن مألوفة تُثير التوقّعات

في معرضها «من القلب إلى الوطن» في غاليري «آرت أون 56» ببيروت، تُقدّم التشكيلية اللبنانية غادة جمّال لزائره مساحة حرّة، فيتلقف موضوع كل لوحة وفق رؤيته الخاصة.

فيفيان حداد (بيروت)

معرض تشكيلي مصري يحتفي بتجارب «فنانين منسيين»

لوحة غير معروف صاحبها (إدارة المعرض)
لوحة غير معروف صاحبها (إدارة المعرض)
TT
20

معرض تشكيلي مصري يحتفي بتجارب «فنانين منسيين»

لوحة غير معروف صاحبها (إدارة المعرض)
لوحة غير معروف صاحبها (إدارة المعرض)

من الجوانب الأكثر لفتاً للانتباه في الفن المصري، هو الثراء العميق للقصص غير المروية، والأعمال التي لم يسلط عليها الضوء بشكل كافٍ.

ومن خلال معرض «من؟ متى؟» الذي يحتضنه غاليري «ليوان» بالقاهرة» حتى 27 فبراير (شباط) الحالي نتعمق في تجارب فنية متميزة لأسماء، ربما نسمعها لأول مرة، لكنها تمثل مساحة مهمة من المشهد التشكيلي المصري.

عمل للفنان أحمد لطفي (الشرق الأوسط)
عمل للفنان أحمد لطفي (الشرق الأوسط)

يضم المعرض «مجموعة مختارة من أعمال الفنانين المصريين الذين طواهم النسيان رغم أعمالهم المتميزة»، حسب وصف مصطفى عز الدين، جامع الأعمال الفنية ومدير الغاليري، ومن هؤلاء الفنانين أحمد لطفي، منير مرقص، جورج عياد أبو السعد، سعد صادق، كامل غندر، أليس تادرس، عواطف رمزي النحال، مارجوري حمودة، ماري لويز خير الله، وعزيز يوسف، نظير خليل وهبة، ومحمد يوسف، وغيرهم.

ويرى «أن الاعتراف بهذه الإبداعات، ومشاركتها من خلال المعارض، والفعاليات الفنية، يعزز العملية الإبداعية، ويكشف عن ثراء تجارب غنية جديدة، بصرف النظر عن أسماء مبدعيها المنسيين».

عمل للفنان سعد صادق (الشرق الأوسط)
عمل للفنان سعد صادق (الشرق الأوسط)

من بين الفنانين الذين يحتفي بهم المعرض فنانون كان له مشوار فني حافل بالنشاطات، ومنهم من بقي بعيداً تماماً عن الأضواء، لكن ما يجمعهم هو أن إبداعهم لم يلق الاهتمام الذي يستحقه، ومن هنا يأتي هذا المعرض؛ ليضيء على أعمالهم التي تستحق أن تُكتشف من جديد.

وحول فكرة إقامة المعرض، يقول عز الدين لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداياتي كجامع للأعمال الفنية، كنت شغوفاً بالقراءة عن الفن، وأثناء ذلك اكتشفت أسماء فنانين، أدركت أن لا أحد يعرفهم، أو يسمع عنهم شيئاً، وكأنهم غابوا عن الذاكرة تماماً»، مضيفاً: «كنت محظوظاً حين التقيت صديقاً، شاركني الشغف نفسه بالفن، واستوقفني أنه يقدر اللوحات الفنية؛ لجمالها وأصالتها، وقيمتها الفنية، وليس لشهرة الفنان، وكان هذا الشغف المشترك بيننا سبباً في تعاوننا لتنظيم هذا المعرض».

تحتفي مارجوري حمودة بدور المرأة المصرية في المجتمع (الشرق الأوسط)
تحتفي مارجوري حمودة بدور المرأة المصرية في المجتمع (الشرق الأوسط)

اللافت أنه برغم أن بعض هؤلاء الفنانين درسوا في الخارج، وأن آخرين تعمقوا في دراستهم الأكاديمية داخل مصر، وأنهم كذلك أقاموا معارض وشاركوا في العديد من الفعاليات الفنية، فإن أسماءهم ظلت مجهولة للكثيرين، حتى بالنسبة للنقاد والمتخصصين.

ويبرر عز الدين ذلك قائلاً: «في ذلك الوقت، ربما لم تكن هناك وسائل الإعلام التي توجه اهتماما كافياً بالفن التشكيلي، بشكل كافٍ، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن موجودة في وقتهم؛ مما ساهم في عدم انتشار أعمالهم وشهرتهم».

واعتبر عز الدين ابتعاد هؤلاء الفنانين المنسيين عن الأضواء «سلاحاً ذا حدين»؛ فبينما جعل أعمالهم متميزة ومتفردة في ظل تركيزهم على أعمالهم الفنية، وعدم التفاتهم إلى إرضاء الجمهور، أو النقاد، فإنهم في الوقت نفسه لم يحققوا شهرة لافتة.

ويعد مصطفى عز الدين المعرض «فرصةً جديدةً لتقدير إبداعهم، وإعادة التوازن بين الماضي والحاضر، بعد رحيلهم، فبناء نسيج فني أكثر ثراءً هو أحد مكتسبات هذه النوعية من المعارض؛ إذ يكون الفن في أفضل حالاته عندما يعكس التنوع الجميل للتجربة الإنسانية؛ وقد جلب هؤلاء الفنانون المهمشون الخطوط والألوان والأصوات الأساسية إلى هذا النسيج منذ سنوات طويلة».

وحين تتأمل لوحاتهم التي يضمها المعرض، تشعر كم شهدت الحركة التشكيلية المصرية تنوعاً في المدارس والاتجاهات الفنية على مدى تاريخها.

لوحة للتشكيلية أليس تادرس (الشرق الأوسط)
لوحة للتشكيلية أليس تادرس (الشرق الأوسط)

من خلال المعرض الذي يضم نحو 60 لوحة لـ20 فناناً، يتعرف الجمهور على أعمال مصور المناظر الطبيعية كامل غندر، عاشق البيئة المصرية، الذي عاش متنقلاً بين أنحاء القاهرة، وأقاليم مصر، مجسداً وجوه ناسها، وشواطئ النيل، وتلال الأقصر، وجنادل أسوان، عبر أسلوب فني يشغي بالعذوبة، مستخدماً الألوان المائية بلمساتها الرومانسية المؤثرة.

ويظهر تأثر الفنان سعد صادق بالفلكلور الشعبي، والطقوس الاحتفالية المصرية، خصوصاً المولد النبوي الشريف، وينقل المشاهد إلى القاهرة الفاطمية، والعمارة والزخارف الإسلامية.

عمل للفنانة عواطف النحال
عمل للفنانة عواطف النحال

ولد سعد صادق عام 1929 في محافظة المنيا (جنوب مصر)، حيث درس فنون البورتريه والمنظر الطبيعي على يد كبار الفنانين مثل أحمد صبري، ويوسف كامل، وحسني البناني، وكامل يوسف، وحصل على دبلوم المعلمين شعبة التربية الفنية، وأكمل دراساته الحرة بكلية الفنون الجميلة في الخمسينات من القرن الماضي.

ومن بين أعمال المعرض تبرز اللوحات التأثيرية للفنان نذير خليل، الذي اهتم بشكل كبير بالطبيعة، وصفوف الأشجار المنتشرة في المدن الصغيرة والريف، وكانت الطبيعة مرسومة بعناية ودقة، وفي إحدى لوحاته تتعانق روعة الطبيعة مع دفء البيوت في الريف المصري، واعتمد الفنان على إبراز الضوء، واستعمال الألوان المتكاملة في الظلال.

نذير خليل يعبر عن جمال الطبيعة والحياة الريفية (الشرق الأوسط)
نذير خليل يعبر عن جمال الطبيعة والحياة الريفية (الشرق الأوسط)

وتصور الفنانة ماري لويز (1923-2016) الأسواق الشعبية القديمة، والبيوت السكندرية في الأزقة والشوارع الضيقة المطلة على البحر، وعرضت الفنانة أعمالها في معارض بمصر، وفرنسا، وقبرص، والولايات المتحدة، ولا تزال لوحاتها تزين العديد من المنازل حول العالم، ورحلت في الثالثة والتسعين من عمرها تاركة وراءها فناً يعكس حيوية وجمال مصر.

ويعبر الفنان أحمد يوسف عن نعومة الفتيات الحالمات، بينما تحتفي مارجوري حمودة بالدور المبكر للمرأة المصرية في المجتمع.

لوحة للفنان أحمد يوسف (الشرق الأوسط)
لوحة للفنان أحمد يوسف (الشرق الأوسط)

ويكشف المعرض عن أعمال للفنان أحمد لطفي (1896ـ 1966) الذي صمم مناظر «أوبريت العشرة الطيبة».

ورغم إسهامات لطفي في الحركة التشكيلية المصرية، ظل غير معروف لكثيرين، حتى بعد أن اقتنى «متحف الفن المصري الحديث» 4 لوحات له تعكس جرأته اللونية، وأسلوبه المميز، الذي يجمع بين التأثيرية والتعبيرية.