في قسم «البداية» ببينالي الفنون الإسلامية... من السماء للأرض وما بينهما

أعمال لفنانين من الشرق والغرب تخاطب الإنسان المعاصر بلغة المقدس

TT

في قسم «البداية» ببينالي الفنون الإسلامية... من السماء للأرض وما بينهما

معروضات جناح «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)
معروضات جناح «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

التجول عبر قاعات بينالي الفنون الإسلامية يمكن للزائر رؤية الكثير وبالطريقة التي يريدها، ولكن لمن يريد التجول في الأقسام الداخلية أولا عبر القاعات الخمس، وهي البداية، المدار، المقتني، المكرمة والمنورة، فالأفضل الانطلاق من القاعة الأولى، وهي «البداية».

ننطلق في هذه القاعة من لوحة تعريفية ضخمة مكتوب عليها الآية الكريمة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، تأخذ بيد الزائر لفهم عنوان البينالي وهو «وما بينهما». ما بين السماء التي تمثل المقدس والأرض التي يقطنها الإنسان هناك المساحة الوسطى «وما بينهما».

«البداية» يتفرع إلى ثلاثة أقسام رئيسة، يعرض الأول مقتنيات ترتبط باثنين من أعظم المقدسات لدى المسلمين، القرآن والكعبة، كلام الله وبيت الله الحرام. ثم تعرض الأقسام التالية أعمالاً تركيبية ضخمة تعكس أحاسيس الهيبة على مستوى الفرد والجماعة، وينتهي العرض في القاعة بأعمال معاصرة تتأمل في النور الإلهي الذي يتجاوز الإدراك.

«نفس» للفنان السعودي سعيد جبعان (الشرق الأوسط)

لننطلق إذن مع أول المعروضات، وهو للحق يعتمد على خطف البصر أولاً بحجمها الضخم ثم بقيمتها التاريخية والمعنوية.

مصحف أثري صنع في الهند وأوقف على المسجد النبوي (الشرق الأوسط)

تبدأ القاعة بعرض سلم خشبي أو مدرج ضخم كان يستخدم للوصول للكعبة المشرفة في أوقات الزيارة وتغيير الكسوة. صنع المدرج في الهند ثم شحن على جدة في عام 1826 ميلادية، وقد استخدمه الملك عبد العزيز في أثناء مراسم تغير الكسوة بحسب صورة تاريخية مرفقة.

يجاور المدرج مصحف ضخم الحجم أحدث وجوده نوعاً من التوازن في القاعة إلى جانب المدرج الخشبي التاريخي. نعرف أنه نسخ في الهند، وأوقف على المسجد النبوي الشريف، ولا يعرف اسم الواقف حتى الآن، وبحساب بطاقة التعريف فقد تميزت هذه النسخة بغلاف مرصع بالجواهر، وقد أرسلت من الهند للمدينة، ورُكِّبت في عام 1834 - 35. تضم القاعة أيضاً عدداً من المصاحف التاريخية التي أوقفت كلها على كيانات دينية في المدينة المنورة وكثير منها أوقف على المسجد النبوي.

نمر من القاعة للمساحة التالية، ونلاحظ ميزاب الكعبة الذهبي معلقاً عالياً، القطعة ومكان تعليقها الذي يماثل ارتفاع الكعبة يحرك لدى الزوار مشاعر يختلط فيها الإجلال والانبهار. المعروف أن زوار الكعبة المشرفة كانوا يتبركون بمياه الأمطار التي كان الميزاب يصرفها للأرض، وبشكل ما يحس الزائر بأنه في مثل الموقف، وهو يمر أسفل الميزاب، وكأنها ينتظر تساقط قطرات الماء التي تباركت بالمرور على سطح الكعبة.

كسوة الكعبة في قاعة «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

 

الكسوة والمفتاح

الغرفة التالية تحمل عنوان «ذو الجلال والإكرام» ربما أكثر ما تحدث عنه زوار البينالي حتى الآن، فهنا تعرض الكسوة الكاملة للكعبة الشريفة للمرة الأولى. معلقة أجزائها في منتصف القاعة بالتوازي بدلاً من شكلها المعتاد، تسيطر هيبة وبهاء الكسوة على كل من مر بالقاعة، وكأنما تجسد معنى عنوان البينالي وهو «وما بينهما». تمتص كل الطاقة الروحانية والأحاسيس الإيمانية للزوار، وتصبح هي المنطقة الوسطى التي تربط الزائر بالمقدس. يكتمل العرض بإضافة نسخة من مفتاح الكعبة، وهو الوحيد الذي لا يزال ضمن مجموعة خاصة، ويعود تاريخه إلى فترة تمتد ما بين أربعينيات القرن السابع وأربعينات القرن الثامن الهجري.

 

من التاريخي للمعاصر

في القاعة التالية، نرى بعض القطع المعاصرة التي تكمل السردية الفنية للعرض، فنرى عمل الفنانة الليبية نورة جعودة المعنون «قبل السماء الأخيرة»، ويتكون من ثلاث منسوجات ضخمة الحجم موضوعة باتجاه مكة المكرمة في تعبير عن هيئات الصلاة من الوقوف والركوع والسجود. تعبر المنسوجات عن أثر سجادات الصلاة المتنقلة، وفي تحويل البقعة العادية التي تغطيها إلى مساحة مقدسة لتصبح بمكانة جسر يصل بين العالمين المادي والروحي.

 

بوابات ناعمة

نعبر لممر مبطن بلفافات القماش الملون الناعم الملمس، وهو للفنانة السعودية حياة أسامة بعنوان «بوابات ناعمة». نمر عبر الممر الملون نلمس الأقمشة الملونة الزاهية بينما نستمع لشرح الفنانة التي تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تعبّر بعملها عن مجتمع مصغر عاشت فيه لـ16 عاماً «هو مجتمع يتكون من جنسيات مختلفة، ولكنهم مجتمعون في تكوين هوية خالصة لهم». وتستطرد: «دأب سكان الحي على إضفاء لمسة ناعمة على منازلهم، وعلى الجدران للتخفيف من حدتها، وأيضاً لتكوين هوية خاصة لمجتمعهم تتميز بالألوان الحية والملمس الناعم». تقول إن أهم ما يميز المنطقة هو المناسبات والأفراح، حيث يحرص أهل المنطقة على إضافة الألوان التي تعبر عنهم عبر إسدال الأقمشة الملونة على الجدران والأبواب والنوافذ. تشير إلى شرائط بارزة على الأعمدة، وتقول إنَّها قطع أخذتها من سيدات الحي لتضيفها لعملها، وكأنها تحرص على وجودهن معها في هذا العمل.

«بوابات ناعمة» للفنانة السعودية حياة أسامة وفي الخلفية عمل الفنانة الليبية نورة جعودة المعنون «قبل السماء الأخيرة» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

من السماء للأرض

نمر من بوابات حياة أسامة الناعمة حاملين معنا ترددات من مجتمع صغير مترابط لنصل لغرفة ضخمة تأخذنا لمفاهيم وأجواء أوسع. الغرفة ثنائية الألوان، الأبيض يحتل الخلفية، ويتداخل مع الأسود الذي يسيطر على الأعمال والقطع المعروضة التي تنوعت في أحجامها ما بين الضخم جداً والصغير. يلفتنا العمل الجداري الضخم للفنان عبد القادر بن شامة «بين كل سماء»، حيث الرسوم المنفَّذة على الجدار، وكأنما تمثل حركة دائبة في رحاب واسع، هل هي السموات تتشكل في بداية الخلق؟ يعتمد الفنان على الحركة عبر إسقاطات ضوئية تتحرك على الجدارية.

تنتظم سبعة أعمدة أثرية أمام الجدارية، وكأنما تحيط بمشهد السماء، وترفعها عن الأرض. تكتسب الأعمدة بهاء خاصاً؛ إذ إنَّها كانت موجودة في الحرم المكي قبل التوسعة الأخيرة.

«بين كل سماء» للفنان عبد القادر بن شامة (الشرق الأوسط)

كيف يمكن لمشهد مهيب محلق مثل هذا أن ينزل على الأرض مرة أخرى؟ هذا ما نجح العمل الضخم على الجدار المقابل في تحقيقه وهو تحت عنوان «ذاكرة التحول»، هنا نرى قرصاً من اللون الأسود، دائم الدوران والذوبان، بالاقتراب نرى أن سائلاً أسود لزجاً يتساقط من القرص ليستقر في حاويات أسفل منه. العمل للفنان أركانجيلو ساسولينو من إيطاليا، ويعكس التوازن الحساس ما بين القوى الطبيعية والتغيير الحتمي.

 

نور على نور

تختتم القاعة بعرض للفنان آصف خان، «مصحف الزجاج» اسم العمل، ويتناول القرآن الكريم باعتباره مصدراً للنور واستلهاماً من قوله تعالى «نُّورٌ عَلَىٰ نُورۗ»، يتجاوز الشكل المعتاد للمصحف ليتخلى عن الورق، وعن الحبر، تاركاً المجال للضوء الغامر الذي ملأ الخزانة ليعبر عن الإيمان. يتألف العمل من 604 صفحات زجاجية، كل منها مطلية يدوياً بذهب عيار 24 قيراطاً بخط الخطاط عثمان طه.

«مصحف الزجاج» للفنان آصف خان (الشرق الأوسط)

يقول آصف خان لـ«الشرق الأوسط» إن عمله «تعبير عن القرآن بمادتين، هما الزجاج والذهب، استوحيت عملي من الآية «نُّورٌ عَلَىٰ نُورۗ»، ما أحاول تقديمه هو إعادة طباعة القرآن بالزجاج بدلاً من الورق، بكيفية تسمح للنور باختراق المصحف؛ وهو ما يعني أن كل كلمة تسبح في الضوء، وتعكسه لنا. «عبر صناعة المصحف بهذا الشكل يصبح أداة بصرية مثل العدسة التي تأخذ الضوء من العالم، وتعكسه وهو تجسيد لمفهوم الإيمان».


مقالات ذات صلة

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

يوميات الشرق ساحة الأوبرا تضم العديد من التماثيل والأعمال الفنية (الشرق الأوسط)

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

تحت عنوان «كنوز مقتنيات الأوبرا التشكيلية» نظمت دار الأوبرا المصرية معرضاً فنياً تضمن أعمالاً لرواد الفن التشكيلي المصري في التصوير والنحت والغرافيك والخزف.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض اعتمدت على الخط وهندسة الألوان (الشرق الأوسط)

هندسة الألوان وفلسفة الخطوط في معرض فني بالقاهرة

تتجلى فلسفة الخطوط والعلاقات الهندسية التي تربط الألوان وتصنع تناغماً بينها في معرض «حيث يستقر الخط» للفنانة المصرية مهري خليل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

نظَّم متحف المركبات الملكية ببولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
TT

جورج كلوني ينتقد البيت الأبيض لوصف تمثيله بـ«جريمة حرب»

الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)
الممثل الأميركي جورج كلوني (رويترز)

في خضم تصاعد التوترات السياسية والإعلامية، دخل النجم الأميركي جورج كلوني في سجال حاد مع البيت الأبيض، بعدما وُصف أداؤه التمثيلي بأنه «جريمة حرب». وقد ردّ كلوني على هذه التصريحات بنبرة ناقدة، داعياً إلى الارتقاء بمستوى الخطاب العام والابتعاد عن المهاترات، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب «نقاشاً جاداً» بدلاً من «تبادل الشتائم الصبيانية»، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا الجدل في سياق أوسع من التوتر، إذ واجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الانتقادات بعد تهديده بتدمير إيران، وذلك قبل ساعات من التوصل إلى اتفاق هشّ لوقف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على البلاد يوم الثلاثاء.

وكان ترمب قد صرّح عبر منصته «تروث سوشيال»، قبل ساعات من انتهاء مهلة لإيران، قائلاً: «ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبداً»، وهو تصريح أثار استنكاراً واسعاً.

انتقاد كلوني وتصعيد السجال

أدان كلوني هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها أمام طلاب مدرسة ثانوية في فعالية أقيمت بمدينة كونيو الإيطالية، حيث قال: «يقول البعض إن دونالد ترمب لا بأس به، لكن إذا قال أي شخص إنه يريد إنهاء حضارة، فهذه جريمة حرب».

وأضاف الممثل البالغ من العمر 64 عاماً أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتجاوز حدود الأخلاق، مؤكداً أنه «لا يزال بإمكانك دعم وجهة النظر المحافظة، ولكن يجب أن يكون هناك حدٌّ أخلاقي لا يجوز تجاوزه».

رد البيت الأبيض

في المقابل، جاء رد البيت الأبيض حاداً، إذ صرّح ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات، بأن «الشخص الوحيد الذي يرتكب جرائم حرب هو جورج كلوني بسبب أفلامه الرديئة وموهبته التمثيلية المتراجعة»، في تصريح أثار مزيداً من الجدل.

وردّ كلوني على هذه الانتقادات، مؤكداً أن القضايا المطروحة أخطر بكثير من أن تُختزل في تبادل الإهانات، وقال: «العائلات تفقد أحباءها، وأطفال يُحرقون، والاقتصاد العالمي على حافة الهاوية. هذا وقت لنقاش جاد على أعلى المستويات، لا وقت للشتائم الصبيانية».

وأضاف موضحاً موقفه القانوني: «تُعرَّف جريمة الحرب، وفقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ونظام روما الأساسي، بأنها وجود نية لتدمير دولة تدميراً مادياً». ثم تساءل بنبرة ساخرة: «ما هو دفاع الإدارة؟ بخلاف وصفهم لي بالممثل الفاشل—وهو وصف أوافق عليه بكل سرور بعد مشاركتي في فيلم (باتمان وروبن)؟».

يأتي هذا السجال في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في محاولة لاحتواء الصراع الذي هزّ استقرار الشرق الأوسط وأثّر على إمدادات الطاقة العالمية. ومع ذلك، لا تزال التوترات قائمة، إذ سُجّلت انتهاكات متفرقة للاتفاق.

ويُعرف جورج كلوني بمواقفه السياسية الصريحة ودعمه للحزب الديمقراطي، كما أنه سبق أن دخل في مواجهات لفظية مع ترمب، الذي وصفه في وقت سابق بأنه «نجم سينمائي فاشل» و«من أسوأ المتنبئين السياسيين». كما انتقد الرئيس حصول كلوني على الجنسية الفرنسية، موجّهاً انتقادات لسياسات الهجرة في فرنسا.


امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
TT

امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)

في واقعة نادرة ولافتة، شهدت رحلة جوية متجهة إلى الولايات المتحدة حدثاً استثنائياً تمثّل في ولادة طفل على متن الطائرة قبل لحظات من هبوطها. هذا الحدث لم يثر الاهتمام فقط لندرته، بل فتح أيضاً باب التساؤلات حول الوضع القانوني للمولود، وما إذا كان سيحصل على الجنسية الأميركية تلقائياً أم لا، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقعت الحادثة في الرابع من أبريل (نيسان) على متن رحلة الخطوط الجوية الكاريبية رقم BW005، التي كانت في طريقها من كينغستون، عاصمة جامايكا، إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك. وبحسب تسجيل صوتي بثته شبكة «سي بي إس نيوز»، أبلغ الطيار مراقبة الحركة الجوية بحدوث الولادة أثناء اقتراب الطائرة من المدرج.

وفي لحظة لافتة، سأل مراقب الحركة الجوية الطيار: «هل خرج؟»، ليأتي الرد سريعاً: «نعم، سيدي». بل إن المراقب اقترح، على سبيل الدعابة، تسمية المولود «كينيدي» تيمّناً باسم المطار الذي كانت الطائرة تستعد للهبوط فيه.

هل يحصل المولود على الجنسية الأميركية؟

تنص القوانين الأميركية على منح الجنسية تلقائياً لأي طفل يُولد داخل أراضي الولايات المتحدة، ويشمل ذلك المجال الجوي التابع لها. غير أن العامل الحاسم في هذه الحالة هو تحديد الموقع الدقيق للطائرة لحظة الولادة، وهو أمر لم يُحسم بعد بشكل رسمي.

وعقب هبوط الطائرة، كان الطاقم الطبي بانتظار الأم وطفلها عند بوابة الوصول، حيث تلقّيا الرعاية اللازمة. ولم تُكشف هوية الأم أو المولود، اللذين انضما إلى فئة نادرة للغاية، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد الولادات على متن الطائرات التجارية لا يتجاوز 100 حالة حول العالم.

وفي بيان رسمي، أكدت الخطوط الجوية الكاريبية وقوع حالة طبية طارئة على متن الرحلة، موضحة أن إحدى الراكبات وضعت مولودها خلال الرحلة من جامايكا إلى نيويورك، وأن الأم وطفلها حصلا على الرعاية الطبية فور الوصول. كما أشادت الشركة بكفاءة طاقمها في التعامل مع الموقف وفق الإجراءات المعتمدة، بما يضمن سلامة جميع الركاب.

التفاصيل القانونية للحالة

أوضح خوان كارلوس ريفيرا، وهو محامي هجرة مقيم في ميامي، أن الأساس القانوني في هذه القضية يقوم على مبدأ «حق الأرض»، المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي.

وبيّن أن المجال الجوي الأميركي يُعد جزءاً من أراضي الولايات المتحدة، وبالتالي، إذا وُلد الطفل أثناء وجود الطائرة ضمن نطاق 12 ميلاً بحرياً من الساحل الأميركي، فإنه يُمنح الجنسية الأميركية تلقائياً بحكم الميلاد، دون الحاجة إلى تقديم طلب رسمي.

لكن إثبات هذا الحق يتطلب توثيق موقع الطائرة بدقة وقت الولادة، وهو ما يستدعي الرجوع إلى بيانات الرحلة، مثل إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) المسجلة على متن الطائرة، لتحديد ما إذا كانت الولادة قد حدثت داخل المجال الجوي الأميركي أم خارجه.

وفي حال تأكدت الولادة داخل هذا النطاق، يمكن للعائلة التقدّم بطلب للحصول على جواز سفر أميركي أو شهادة ميلاد من الولاية المعنية —وغالباً ما تكون نيويورك في هذه الحالة— مع تقديم الوثائق اللازمة، مثل سجلات الرحلة، والتقارير الطبية الخاصة بالولادة، وأي مستندات صادرة عن شركة الطيران تؤكد موقع الطائرة.

وأشار ريفيرا إلى أن مختصي جوازات السفر في وزارة الخارجية الأميركية هم الجهة المسؤولة عن البت في مثل هذه الحالات. كما شدد على نقطة مهمة، وهي أن حصول الطفل على الجنسية الأميركية لا يمنح والديه تلقائياً أي امتيازات تتعلق بالهجرة.


دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
TT

دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)

«بعدو أليف... بعدك ظريف... بعدو بيعنيلك متلي الخريف»... كثيرون ردّدوا الجملة بعد السيدة فيروز وزياد الرحباني، لكنّ قلّةً استطاعت أن تضفي عليها الرقّة والإحساس كما فعلت دانية الصبّان.

«لا شكّ في أن فيديو أغنية (بيذكّر بالخريف) هو نقطة تحوّل في مسيرتي»، تقول الفنانة السعودية الشابة في حوار مع «الشرق الأوسط». على منصة «إنستغرام» وحدها، حقّق الفيديو البسيط شكلاً والمؤثّر مضموناً وصوتاً، والذي نُشر منتصف فبراير (شباط) الماضي، أكثر من 1.5 مليون مشاهدة كما اجتذب تعليقات عددٍ كبير من المشاهير العرب وتفاعُلَهم.

تجلس دانية خلف مقود السيارة، غالباً بعد أن يهبط الليل، تُوجّه كاميرا الهاتف صوب وجهها وتغنّي. هكذا تتوجّه إلى متابعيها مؤخّراً.

«لولا أبي وأمّي لما رآني أحد ولا سمع الناس صوتي، لكنتُ على الأرجح جالسة وحدي خلف باب غرفتي»، تبوح الصبّان (22 سنة). فالفتاة تحمل فوق وجهها قصة غير اعتيادية. هي قصة طفلةٍ كبرت لتكتشف إصابتها بداءٍ مزمن وعصيٍّ على العلاج. السمَكيّة تصيب البشرة بجفافٍ حادّ وتَقشُّر، ما يتسبّب بظهور طبقات إضافية من الجِلد.

لولا دعم والدَيها لبقيَت دانية أسيرة المرض وأحكام الناس (صور الصبّان)

لم يكن التعايش مع المرض صعباً على دانية، بِقَدر ما كان التعايُش مع نظرات الناس وأحكامِهم شبه مستحيل. «بعدما تأكّد والداي من أنني شخص يهاب المجتمع ويتجنب الاختلاط بالناس لئلّا يروا مرضي، وجدا في السوشيال ميديا الحل المثالي الذي قد يجعلني أتشجّع وأواجه الأمر الواقع». وقد أثبت ذلك فائدته فعلاً، ليس في إبراز موهبة الشابة الاستثنائية ومَنحِها دعماً معنوياً فحسب، بل في تسليحها كذلك ضد قسوة الآخرين. وهل من بيئةٍ أخصَب من وسائل التواصل الاجتماعي لتفجير الأحقاد وجَلد الآخرين من دون مبرّر؟

إلا أنّ دانية الصبّان كانت أقوى من التجريح الذي تعرّضت له وما زالت. وكما كان لصوتِها العذب فعلُ البلسَم على مسامع وقلوب عشرات آلاف المتابعين، كان لإطلالتها الرقميّة أثرٌ ساحر بأن جعلَتها تعبر باب الغرفة الموصَد إلى العالم الشاسع.

وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت دانية في الشفاء من خجلها ورهاب المجتمع (إنستغرام)

تغنّي دانية الصبّان منذ الرابعة من عمرها. اقتصرت الموهبة في البداية على جدران البيت وقاعات المدرسة، إلى أن أدركَ الوالدان أنّ ما في حنجرةِ ابنتهما يستحقّ أكثر. بدأت بإعادة أغانٍ معروفة على طريقتها، ثم فاجأها الاستوديو الذي تتعاون معه بأغنيةٍ مُعَدّةٍ لها. سجّلتها وأصدرتها لتنطلق منذ ذلك الحين رحلة الأعمال الخاصة المتعددة اللهجات، من الخليجية مروراً بالمصرية وليس انتهاءً بالعراقية.

لا تُنكر الفنانة الصاعدة أنّ الفيديوهات التي تؤدّي فيها أغاني معروفة لفنانين سواها، تحقّق أرقاماً أعلى من الأغاني الخاصة. «طبعاً هذا يضايقني قليلاً لأني أضع مجهوداً كبيراً في أعمالي الخاصة»، تقول الصبّان. لكنها سرعان ما توضح بصراحةٍ جريئة: «لولا تلك الأغاني الـcovers لما كنت وصلت إلى الناس وإلى حيث أنا اليوم».

يلعب والد دانية دوراً أساسياً في اختيار الأغاني الخاصة، وهو أيضاً يملك موهبة الغناء لكنه لم يحترفه. أمّا النصيحة التي يكرّرها لها فهي أنّ الأغاني يجب أن تضع ذوق الناس أوّلاً قبل أن تروقَ لها شخصياً. وهي تصغي باقتناعٍ إلى والدها الذي يشكّل بالنسبة لها السنَد والقدوة.

أما من بين الفنانين، فالصبّان متأثّرة بكلٍ من شيرين وحسين الجسمي، كما تحلم بأن يجمعها المسرح يوماً ما بأحدهما أو بأيٍ من كبار مطربي العالم العربي. فإطلالاتها المباشرة أمام الناس لا تزال معدودة على أصابع اليد الواحدة، كانت أبرزها مشاركة في مسابقة للأغنية الوطنية فازت فيها بالمرتبة الأولى. وهي تضع تلك اللحظة في صدارة أجمل لحظات حياتها.

تحلم الشابة السعودية بأن يجمعها المسرح بكبار الفنانين العرب (إنستغرام)

لم تدرس دانية الموسيقى غير أنّ المشروع على قائمة أحلامها كذلك، وهي تتفرّغ حالياً لتخصّصها الجامعي في الإعلان والتسويق. بين الدراسة والواجبات العائلية والاجتماعية، تمضي معظم وقتها. أما ما تبقّى من ساعات فتتواصل خلالها مع متابعيها عبر الأغاني والنغمات.

ما زالت حتى اليوم، وبعد أكثر من 6 سنوات على اتّخاذها قرار الخروج إلى الضوء، تواجه التنمّر والتعليقات السلبية والهدّامة على غرار: «كيف تغنّي وأنتِ شكلك هيك». «أواجه بالصمت وعدم الاكتراث»، تعلّق الشابة التي منحتها تجربة المرض حكمة مَن يكبرونها سناً. وغالباً ما تكرّر الصبّان أنّ صوتها هو أثمن ما لديها: «صوتي هو الهِبة التي عوّضني بها الله عن مرضي».

في زمنٍ تتحوّل فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصاتٍ لإطلاق السموم والأحقاد، استطاعت دانية الصبّان أن تجعل من السوشيال ميديا منصةً لانطلاقتها الفنية المدوية. وهي جعلت منها كذلك حليفةً لها في كَسر الخجل والحواجز بينها وبين الناس.

ما تقوم به الفنانة السعودية الصاعدة أكثر من مجرّد رحلة موسيقية، وأبعد من فيديوهاتٍ غنائية تنال الإعجابات والتعليقات. تختصر رسالتها الإنسانية بعبارةٍ بسيطة: «لو أحد عنده حلم ممنوع يوقفه أي شيء عن تحقيقه». ودانية الصبّان هي في الواقع الوجه الجميل والنغم الرقيق، بمواجهة عالمٍ افتراضيّ غالباً ما تتحكّم به أصوات الكراهية والتوحّش.