في قسم «البداية» ببينالي الفنون الإسلامية... من السماء للأرض وما بينهما

أعمال لفنانين من الشرق والغرب تخاطب الإنسان المعاصر بلغة المقدس

TT

في قسم «البداية» ببينالي الفنون الإسلامية... من السماء للأرض وما بينهما

معروضات جناح «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)
معروضات جناح «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

التجول عبر قاعات بينالي الفنون الإسلامية يمكن للزائر رؤية الكثير وبالطريقة التي يريدها، ولكن لمن يريد التجول في الأقسام الداخلية أولا عبر القاعات الخمس، وهي البداية، المدار، المقتني، المكرمة والمنورة، فالأفضل الانطلاق من القاعة الأولى، وهي «البداية».

ننطلق في هذه القاعة من لوحة تعريفية ضخمة مكتوب عليها الآية الكريمة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، تأخذ بيد الزائر لفهم عنوان البينالي وهو «وما بينهما». ما بين السماء التي تمثل المقدس والأرض التي يقطنها الإنسان هناك المساحة الوسطى «وما بينهما».

«البداية» يتفرع إلى ثلاثة أقسام رئيسة، يعرض الأول مقتنيات ترتبط باثنين من أعظم المقدسات لدى المسلمين، القرآن والكعبة، كلام الله وبيت الله الحرام. ثم تعرض الأقسام التالية أعمالاً تركيبية ضخمة تعكس أحاسيس الهيبة على مستوى الفرد والجماعة، وينتهي العرض في القاعة بأعمال معاصرة تتأمل في النور الإلهي الذي يتجاوز الإدراك.

«نفس» للفنان السعودي سعيد جبعان (الشرق الأوسط)

لننطلق إذن مع أول المعروضات، وهو للحق يعتمد على خطف البصر أولاً بحجمها الضخم ثم بقيمتها التاريخية والمعنوية.

مصحف أثري صنع في الهند وأوقف على المسجد النبوي (الشرق الأوسط)

تبدأ القاعة بعرض سلم خشبي أو مدرج ضخم كان يستخدم للوصول للكعبة المشرفة في أوقات الزيارة وتغيير الكسوة. صنع المدرج في الهند ثم شحن على جدة في عام 1826 ميلادية، وقد استخدمه الملك عبد العزيز في أثناء مراسم تغير الكسوة بحسب صورة تاريخية مرفقة.

يجاور المدرج مصحف ضخم الحجم أحدث وجوده نوعاً من التوازن في القاعة إلى جانب المدرج الخشبي التاريخي. نعرف أنه نسخ في الهند، وأوقف على المسجد النبوي الشريف، ولا يعرف اسم الواقف حتى الآن، وبحساب بطاقة التعريف فقد تميزت هذه النسخة بغلاف مرصع بالجواهر، وقد أرسلت من الهند للمدينة، ورُكِّبت في عام 1834 - 35. تضم القاعة أيضاً عدداً من المصاحف التاريخية التي أوقفت كلها على كيانات دينية في المدينة المنورة وكثير منها أوقف على المسجد النبوي.

نمر من القاعة للمساحة التالية، ونلاحظ ميزاب الكعبة الذهبي معلقاً عالياً، القطعة ومكان تعليقها الذي يماثل ارتفاع الكعبة يحرك لدى الزوار مشاعر يختلط فيها الإجلال والانبهار. المعروف أن زوار الكعبة المشرفة كانوا يتبركون بمياه الأمطار التي كان الميزاب يصرفها للأرض، وبشكل ما يحس الزائر بأنه في مثل الموقف، وهو يمر أسفل الميزاب، وكأنها ينتظر تساقط قطرات الماء التي تباركت بالمرور على سطح الكعبة.

كسوة الكعبة في قاعة «البداية» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

 

الكسوة والمفتاح

الغرفة التالية تحمل عنوان «ذو الجلال والإكرام» ربما أكثر ما تحدث عنه زوار البينالي حتى الآن، فهنا تعرض الكسوة الكاملة للكعبة الشريفة للمرة الأولى. معلقة أجزائها في منتصف القاعة بالتوازي بدلاً من شكلها المعتاد، تسيطر هيبة وبهاء الكسوة على كل من مر بالقاعة، وكأنما تجسد معنى عنوان البينالي وهو «وما بينهما». تمتص كل الطاقة الروحانية والأحاسيس الإيمانية للزوار، وتصبح هي المنطقة الوسطى التي تربط الزائر بالمقدس. يكتمل العرض بإضافة نسخة من مفتاح الكعبة، وهو الوحيد الذي لا يزال ضمن مجموعة خاصة، ويعود تاريخه إلى فترة تمتد ما بين أربعينيات القرن السابع وأربعينات القرن الثامن الهجري.

 

من التاريخي للمعاصر

في القاعة التالية، نرى بعض القطع المعاصرة التي تكمل السردية الفنية للعرض، فنرى عمل الفنانة الليبية نورة جعودة المعنون «قبل السماء الأخيرة»، ويتكون من ثلاث منسوجات ضخمة الحجم موضوعة باتجاه مكة المكرمة في تعبير عن هيئات الصلاة من الوقوف والركوع والسجود. تعبر المنسوجات عن أثر سجادات الصلاة المتنقلة، وفي تحويل البقعة العادية التي تغطيها إلى مساحة مقدسة لتصبح بمكانة جسر يصل بين العالمين المادي والروحي.

 

بوابات ناعمة

نعبر لممر مبطن بلفافات القماش الملون الناعم الملمس، وهو للفنانة السعودية حياة أسامة بعنوان «بوابات ناعمة». نمر عبر الممر الملون نلمس الأقمشة الملونة الزاهية بينما نستمع لشرح الفنانة التي تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تعبّر بعملها عن مجتمع مصغر عاشت فيه لـ16 عاماً «هو مجتمع يتكون من جنسيات مختلفة، ولكنهم مجتمعون في تكوين هوية خالصة لهم». وتستطرد: «دأب سكان الحي على إضفاء لمسة ناعمة على منازلهم، وعلى الجدران للتخفيف من حدتها، وأيضاً لتكوين هوية خاصة لمجتمعهم تتميز بالألوان الحية والملمس الناعم». تقول إن أهم ما يميز المنطقة هو المناسبات والأفراح، حيث يحرص أهل المنطقة على إضافة الألوان التي تعبر عنهم عبر إسدال الأقمشة الملونة على الجدران والأبواب والنوافذ. تشير إلى شرائط بارزة على الأعمدة، وتقول إنَّها قطع أخذتها من سيدات الحي لتضيفها لعملها، وكأنها تحرص على وجودهن معها في هذا العمل.

«بوابات ناعمة» للفنانة السعودية حياة أسامة وفي الخلفية عمل الفنانة الليبية نورة جعودة المعنون «قبل السماء الأخيرة» (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

من السماء للأرض

نمر من بوابات حياة أسامة الناعمة حاملين معنا ترددات من مجتمع صغير مترابط لنصل لغرفة ضخمة تأخذنا لمفاهيم وأجواء أوسع. الغرفة ثنائية الألوان، الأبيض يحتل الخلفية، ويتداخل مع الأسود الذي يسيطر على الأعمال والقطع المعروضة التي تنوعت في أحجامها ما بين الضخم جداً والصغير. يلفتنا العمل الجداري الضخم للفنان عبد القادر بن شامة «بين كل سماء»، حيث الرسوم المنفَّذة على الجدار، وكأنما تمثل حركة دائبة في رحاب واسع، هل هي السموات تتشكل في بداية الخلق؟ يعتمد الفنان على الحركة عبر إسقاطات ضوئية تتحرك على الجدارية.

تنتظم سبعة أعمدة أثرية أمام الجدارية، وكأنما تحيط بمشهد السماء، وترفعها عن الأرض. تكتسب الأعمدة بهاء خاصاً؛ إذ إنَّها كانت موجودة في الحرم المكي قبل التوسعة الأخيرة.

«بين كل سماء» للفنان عبد القادر بن شامة (الشرق الأوسط)

كيف يمكن لمشهد مهيب محلق مثل هذا أن ينزل على الأرض مرة أخرى؟ هذا ما نجح العمل الضخم على الجدار المقابل في تحقيقه وهو تحت عنوان «ذاكرة التحول»، هنا نرى قرصاً من اللون الأسود، دائم الدوران والذوبان، بالاقتراب نرى أن سائلاً أسود لزجاً يتساقط من القرص ليستقر في حاويات أسفل منه. العمل للفنان أركانجيلو ساسولينو من إيطاليا، ويعكس التوازن الحساس ما بين القوى الطبيعية والتغيير الحتمي.

 

نور على نور

تختتم القاعة بعرض للفنان آصف خان، «مصحف الزجاج» اسم العمل، ويتناول القرآن الكريم باعتباره مصدراً للنور واستلهاماً من قوله تعالى «نُّورٌ عَلَىٰ نُورۗ»، يتجاوز الشكل المعتاد للمصحف ليتخلى عن الورق، وعن الحبر، تاركاً المجال للضوء الغامر الذي ملأ الخزانة ليعبر عن الإيمان. يتألف العمل من 604 صفحات زجاجية، كل منها مطلية يدوياً بذهب عيار 24 قيراطاً بخط الخطاط عثمان طه.

«مصحف الزجاج» للفنان آصف خان (الشرق الأوسط)

يقول آصف خان لـ«الشرق الأوسط» إن عمله «تعبير عن القرآن بمادتين، هما الزجاج والذهب، استوحيت عملي من الآية «نُّورٌ عَلَىٰ نُورۗ»، ما أحاول تقديمه هو إعادة طباعة القرآن بالزجاج بدلاً من الورق، بكيفية تسمح للنور باختراق المصحف؛ وهو ما يعني أن كل كلمة تسبح في الضوء، وتعكسه لنا. «عبر صناعة المصحف بهذا الشكل يصبح أداة بصرية مثل العدسة التي تأخذ الضوء من العالم، وتعكسه وهو تجسيد لمفهوم الإيمان».


مقالات ذات صلة

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.