«إيميليا بيريز» و«الوحشي» يقودان قراءةً في ترشيحات «الأوسكار» الـ97

المجال كبير للمواجهات الصعبة واحتدام المنافسة

أدريان برودي في «الوحشي» (بوكستريت)
أدريان برودي في «الوحشي» (بوكستريت)
TT

«إيميليا بيريز» و«الوحشي» يقودان قراءةً في ترشيحات «الأوسكار» الـ97

أدريان برودي في «الوحشي» (بوكستريت)
أدريان برودي في «الوحشي» (بوكستريت)

في حين لا تزال الحرائق مشتعلةً في غرب مدينة لوس أنجليس وشمالها، أعلنت «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» عن ترشيحاتها الرسمية في جميع أقسام الدورة الـ97 لجوائز «الأوسكار» المقرَّر توزيعها في 2 فبراير (شباط) المقبل.

لم تكن الحرائق لتتسبَّب في تغييب مواعيد هذه المناسبة السنوية، فالناس في المدينة الشاسعة ما زالوا يعيشون حياتهم العادية، باستثناء تضخّم سكاني مفاجئ طرأ عليها عندما اضطر عشرات ألوف القانطين في المناطق الجبلية القريبة للنزوح إليها بسبب التهام النيران منازلهم.

تبرَّع كلٌّ من ليوناردو ديكابريو وأرنولد شوارتزنيغر وجيمي لي كيرتس (التي خسرت بيتها نتيجة الحرائق)، بمليون دولار للجهود المبذولة لاحتواء النيران، لكننا لم نسمع أن النيّة متّجهة بسينمائيين آخرين للاقتداء بذلك. ربما عمد بعضهم سراً، لكن لا يبدو أنّ غالبيتهم بذلت أي نوع من المساعدات، وإلا لأعلنت ذلك من باب التباهي إعلامياً على الأقل.

حفلة «الأوسكار»، بدورها، ستكون مجالاً كبيراً لنوع آخر من المواجهات الصعبة. النيران لا تزال بعيدة عن قلب المدينة في 6021 هوليوود بوليفارد حيث موقع «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» التي تُشرف على هذه الجائزة وتوزّعها منذ عام 1931. لكن هذا لا يمنع احتدام شرارة المنافسة بين مَن أُعلن عنهم مِن صانعي أفلام، والأفلام ذاتها.

زوي سالدانيا عن «إيميليا بيريز» (واين نت برودكشنز)

أفلام مختلطة

تحتوي قائمة الأفلام المتنافسة على «أوسكار» أفضل فيلم، 10 أعمال، بعضها - كما جرت العادة مؤخراً - من إنتاج غير أميركي، من بينها مثلاً «إيميليا بيريز» للمخرج جاك أوديار وهو إنتاج فرنسي، و«أنا ما زلت هنا» لوالتر سالس وهو إنتاج برازيلي؛ مما دعا المدير العام لمهرجان «كان» تييري فريمو أكثر من مرّة لتجنّبه وحصر المسابقة المذكورة بالأفلام الأميركية؛ لكن هذه الدعوة لم تُستجب حتى الآن.

يمكن إضافة طلب آخر هنا هو رفع عدد الأفلام الأجنبية التي تتسابق في قسم «الفيلم الدولي» من 5 إلى 10 أسوةً بتلك الأميركية، وذلك بسبب العدد الكبير من الدول (والأفلام) التي تُرسَل لدخول مسابقة هذا القسم (ما بين 75 و82 فيلماً معدلاً سنوياً).

الأفلام الواردة في مسابقة «أفضل فيلم» هي، حسب ورودها أبجدياً في الإعلان الرسمي:

«أنورا» لشون بيكر، و«الوحشي» لبرادي كوربيت، و«مجهول تماماً» لجيمس مانغولد، و«اجتماع مقدّس» لإدوارد بيرغر، و«ديون الجزء الثاني» لديني فيلنوف، و«إيميليا بيريز» لجاك أوديار، و«أنا ما زلت هنا» لوالتر سالس، و«نيكل بويز» لراميل روس، و«المادة» لكورالي فارغيت، ثم «شرير» لجون إم. تشو‪.

يتكرّر ذكر «أنا ما زلت هنا» و«إيميليا بيريز» في قائمة مسابقة أفضل فيلم عالمي. الأفلام الثلاثة الأخرى المكمّلة للقائمة الأجنبية هي «الفتاة ذات الإبرة» لماغنوس فون هورن (دنمارك)، و«فلو» لغينتس زيلبالوديس (لاتفيا)، و«بذرة التين المقدسة» لمحمد رسولوف (إيران).

اللافت هنا تأثير اختيارات مهرجانَي «فينيسيا» و«كان» في هذه السباقات. الأول وفَّر فيلمين هما «الوحشي» (الذي خطف جائزة أفضل إخراج) و«أنا ما زلت هنا» (الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو)، والثاني حشد بـ6 أفلام هي «أنورا» الذي فاز بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم، و«إيميليا بيريز» (جائزة لجنة التحكيم) الذي فاز و«بذرة التين المقدّسة» (جائزة لجنة التحكيم الخاصة)، و«فلو» و«المادة» و«أنورا». الباقي ورد من 3 مهرجانات؛ كل منها حظيت بعرضه العالمي الأولى، هي سيدني وتيلورايد وتورنتو.

يُذكر أنّ «الغرفة التالية» لبيدرو ألمودوبار الذي حصد الجائزة الأولى من «فينيسيا»، لم يرد ذكره في أي من أقسام الترشيحات هنا.

«فلو» في سباق أفلام الرسوم (آرت فرانس سينما)

أفلام عن حروب... ومشكلات

كالعادة، لا يتمتّع كلّ مخرجي الأفلام الـ10 بنصيب متكافئ في سباق أفضل مخرج. الـ5 المحظوظون الذين وجدوا أسماءهم مذكورةً في هذه المسابقة المفصلية هم جاك أوديار (إيميليا بيريز)، وشون بيكر (أنورا)، وبرادي كوربيت (الوحشي)، وكورالي فارغيت (المادة)، وجيمس مانغولد (مجهول تماماً).

في نطاق أفلام الأنيميشن، نجد «فلو» مرّة ثانية، ثم 3 أفلام أميركية، هي «إنسايد آوت 2»، و«مفكرة الحلزون»، و«ذا وايلد روبوت». الفيلم الخامس بريطاني هو «والاس وغروميت: الانتقام الأكثر غرابة».

على صعيد الأفلام التسجيلية الطويلة، فإنّ الـ5 المختارة هي «مذكرات الصندوق الأسود» لشيوري إيتو، عن حادثة اغتصاب تعرَّضت لها (الفاعل أحد أصحاب المراكز)، ومحاولاتها النيل منه بتقديمه للمحاكمة.

الثاني هو «لا أرض أخرى» الذي قُدِّم باسم «الأراضي المحتلة» في فلسطين منذ عرضه في مهرجان «برلين» قبل نحو سنة من اليوم، وفاز بجائزة أولى منه. وهو من إخراج رباعي للفلسطينيَّيْن باسل عدرا، وحمدان بلال، والإسرائيليين يوفال أبراهام وراتشل شور.

هذا الفيلم عن فلسطين قبيل حرب غزة، ويدور حول الحقوق المهضومة للفلسطينيين عموماً. الفيلم الثالث في عداد هذا القسم هو عن الحرب في أوكرانيا، براندان بيلومو وسلافا ليونتييف ويدور حول كيف لا يمكن قهر حبّ الحياة لدى الأوكرانيين رغم الحرب. هناك أيضاً «ساوندتراك لانقلاب» من صنع بلجيكي، فرنسي، هولندي أخرجه يوهان غريمونبريز عن دور الموسيقى في مواجهة الانقلاب الذي أطاح بحكم باتريس لومومبا وقتله.

الفيلم الخامس أميركي، لا يقلّ أهمية عمّا سبقه، وهو «قصب سكر»، حول اختفاء أطفال من القبائل الأصلية (الهنود الحمر)، وما أدّى إليه ذلك من ردّ فعل. الفيلمان الرابع والخامس كانا شوهدا العام الماضي في مهرجان «صندانس».

مشهد من «مجهول تماماً» (فاريتيس بيكتشرز)

الممثلون والممثلات

4 من الأفلام الواردة في سباق «أوسكار» أفضل فيلم تردُ في سباق «أوسكار» أفضل ممثل في دور رئيسي. هؤلاء هم أدريان برودي عن «الوحشي»، وتيموثي شالامي عن «مجهول تماماً» (يلعب دور المغنّي بوب ديلان) ورالف فاينس عن بطولته لفيلم «اجتماع مقدّس»، وسيباستيان ستان عن «المادة».

الاستثناء كامن في كولمان دومينغو عن فيلم «سينغ سينغ»، وهو بدوره الذكر الوحيد لهذا الفيلم في قائمة الترشيحات.

بالنسبة إلى الممثلات، تتبارى فرناندا توريس عن «أنا ما زلت هنا»، وديمي مور عن «المادة» (يكمن هنا التنافس الأكثر حدّة في هذا القطاع)، وكارلا صوفيا غاسكون عن «إيميليا بيريز»، وسينتيا إيريفو عن «شرير»، ومايكي ماديسون عن «أنورا».

أما بالنسبة إلى سباق الممثلات في أدوار مُساندة، فهناك زوي سالدانيا عن «إيميليا بيريز»، وإيسابيلا روسوليني عن «اجتماع مقدّس»، ثم مونيكا باربارو عن «مجهول تماماً»، وأريانا غراندي عن «شرير»، وفيليسيتي جونز عن «الوحشي».

في المقابل الرجالي ضمن سباق أفضل ممثل مساند، هناك الروسي يورا بوريسوف (أنورا)، وكيران كولكين (ألم حقيقي)، وغاي بيرس (الوحشي)، وجيريمي سترونغ (المادة)، كما إدوارد نورتون (مجهول تماماً).

في الحصيلة الأخيرة، وإلى أن نعود في قراءة بالتوقّعات والتنبؤات، وبضمِّ مسابقات التصوير والكتابة والصوت والموسيقى والتوليف وتصاميم الإنتاج؛ فإنّ أعلى الأفلام ذكراً في كلّ أقسام المسابقة هي على النحو التالي:

- «إيميليا بيريز» (13 ترشيحاً)

- «الوحشي» (10 ترشيحات)

- «شرير» (10 ترشيحات)

- «مجهول تماماً» (8 ترشيحات)

- «اجتماع مقدّس» (8 ترشيحات).

- «أنورا» (6 ترشيحات).

- «دون» (5 ترشيحات).

- «المادة» (5 ترشيحات).


مقالات ذات صلة

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.