عامٌ من الاحتفالات بمئوية منصور الرحباني «الشاعر النادر»

هنري زعيب لـ«الشرق الأوسط»: كتب «زهرة المدائن» و«يا شام» وليس سعيد عقل

منصور الرحباني ترك روائعه قبل الرحيل (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
منصور الرحباني ترك روائعه قبل الرحيل (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

عامٌ من الاحتفالات بمئوية منصور الرحباني «الشاعر النادر»

منصور الرحباني ترك روائعه قبل الرحيل (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
منصور الرحباني ترك روائعه قبل الرحيل (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

يحتفي لبنان، السنة المقبلة، بمرور 100 عام على ولادة الكبير منصور الرحباني (1925 - 2025). بهذه المناسبة، أُعلن عن برنامج يستمرّ طوال العام، يشمل أنشطة عدّة؛ من بينها عرض عدد من مسرحياته المصوَّرة في مراكز ثقافية، منها في طرابلس (مركز الصفدي)، وبيروت (المركز الثقافي الفرنسي)، وزحلة (مركز البلدية)، وعجلتون (المركز الثقافي البلدي)، بالإضافة إلى مراكز ثقافية في مناطق أخرى من لبنان.

وأعلن عن البرنامج كاملاً في ندوة صحافية نظَّمتها «لجنة مئوية منصور الرحباني»، بحضور أولاد منصور؛ مروان وغدي وأسامة الرحباني، وذلك في «مسرح الأخوين رحباني» بكنيسة مار إلياس - أنطلياس.

«زهرة المدائن» كتبها منصور

كان لبنان قد احتفل عام 2023 بمئوية عاصي الرحباني. وشرح زغيب أنه وقد حانت مئوية منصور، فقد «تنادى أبناؤه مروان وغدي وأسامة، وفاءً لذكراه، وشاركوني أمر الاحتفال بمئوية ولادته في أنطلياس يوم 17 مارس (آذار) 1925. وها نحن اليوم، نتيجة اجتماعات متتالية لبرمجة المئوية، نعلن بعض الأنشطة التي هيّأناها طوال 2025، إِلى برامج أخرى في مرحلة التحضير».

كان زغيب قد رافق منصور الرحباني، مما أتاح له التعرُّف إليه وإلى أعماله وشخصيته من قرب. يرى فيه شاعراً كبيراً لا يقلّ مستوى شعره أبداً عن شعر الكبار في لبنان. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «بدليل أنّ كثيرين أحياناً يخلطون بين شعره وشعر سعيد عقل الذي نسبوا إليه قصائد ذاعت مثل (خذني بعينيك واهرب أيها القمر)، أو (زهرة المدائن)، أو (يا شام عاد الصيف متئداً وعاد بي الجناح)، وقصائد أخرى... في حين هي لمنصور. هذا لأقول إنّ قصائد منصور جديرة بالدراسة كما قصائد أي شاعر لبناني كبير».

إنها واحدة من مفاجآت المئوية؛ فهذه القصائد غالباً ما نُسبت لسعيد عقل أو للأخوين معاً. أنْ يُخبرنا هنري زغيب المُقرَّب من منصور وأولاده بهذا الخبر، فهو أمر قد يثير أخذاً ورداً في مقبل الأيام. أما سبَّب ذاك الخلط كما يشرحه زغيب، فهو أنّ «شعر الأخوين رحباني العالي المستوى أخذ اللحن فيه من وهج الشعر، وجاء صوت فيروز حاملاً الشعر واللحن إلى مدى أبعد، فخَفُت نوعاً ما وهج الشعر في الذاكرة الجماعية».

عاصي ومنصور الرحباني اسمان للتاريخ (وسائل التواصل)

كتبٌ تبصر النور

من خلال برنامج المئوية، سيتعرّف الجمهور أكثر على شعر منصور مكتوباً، إذ ستصدر دواوينه على مدار الأشهر المقبلة؛ وهي: «أنا الغريب الآخر»، و«أسافر وحدي ملِكاً»، و«القصور المائية»، و«بحَّار الشتي»، و«الأولى القصائد»... وكلها لدى «منشورات سائر المشرق».

على أي حال، يبقى الفصل بين الأخوين رحباني رغم مرور العقود، عصياً. فلم يكن فراق عاصي بالسهل على منصور، ويصفه زغيب بأنه كان حدثاً «صاعقاً». وإكمال المسيرة الفنّية وحيداً، لم يستسغه منصور بسهولة. «فهو منذ انفجار دماغ عاصي (سبتمبر/ أيلول 1972)، تولّى المواصلة وحده؛ يكتب ويلحّن باسم (الأخوين) حتى إذا عاد عاصي إلى العمل الإبداعي، تابع يتقاسم معه الأعمال كالعادة. وبعد غياب عاصي (يونيو/ حزيران 1986)، شعر بالفراغ الكبير، ونذر أن يكمل وفي قلبه نبض عاصي».

مخططات لمسرحيات طيّ الأدراج

يروي لنا الشاعر هنري زغيب حادثتين كان شاهداً بنفسه عليهما: الأولى حين كان يجلس زغيب إليه ليدوّن سيرة الأخوين التي أصدرها في كتابه «طريق النحل» (2000)، وطبعة ثانية بعنوان «في رحاب الأخوين رحباني» (2012). ويضيف: «كان دائماً يقول لي: (كتبنا)، (لحَّنا)، (قدَّمنا)، (هيأْنا)... دائماً بصيغة الجمع (هو وعاصي). ومرتين خلال أحاديثنا توقّف عن الكلام تأَثّراً. كان يتحدّث عن عاصي بصيغة الحاضر حتى كنت أشعر أنه سيدّق الباب ويدخل علينا».

أما الحادثة الأخرى، فوقعت يوم مأتم عاصي، إذ يقول: «في حين كان الشباب يُدخلون نعش عاصي في الضريح، التفت وقال لي: (إنكم الآن تدفنون مع عاصي نصف منصور). وحدها هذه العبارة تختصر ما تركه غيابه في قلبه».

وحين نستفسر عما إذا كانت ثمة تركة فنية لمنصور لا تزال طيَّ الأدراج، ولا نعرفها بعد، يجيب: «لمنصور مخططات ومختصرات لأعمال مسرحية كان ينوي إنجازها، وهي باقية بين أوراقه. ليس في علمي أن لديه غير ذلك شعرياً أو مسرحياً».

ندوتان تبحثان في كنوز منصور

رحل عاصي عام 1986، وبذلك انطوت مرحلة «الأخوين رحباني» التي أنتجت على مدار ثلث قرن تراثاً فنّياً فريداً من الأَعمال الخالدة. بعدها، أكمل منصور وحده نسْج تراثه الرحباني لما يقارب ربع قرن من الكتابة والأعمال الفنّية، من بينها 11 مسرحية، والقداس الماروني، وحلقات تلفزيونية، وأغنيات منفردة، و5 كتب شعرية؛ فكان حتى غيابه عام 2009 ورشة فنّية متواصلة في دأْب عجيب على الإبداع شعراً وموسيقى ونتاجاً لا يهدأ.

وستُبرز احتفالات المئوية غنى هذا المسار الذي قطعه منصور شراكةً مع عاصي، أو منفرداً بعد رحيل الأخير، من خلال الأنشطة؛ من ضمنها ندوتان: الأولى في جلستَين يوم 25 يناير (كانون الثاني) لدى الصالون الأدبي في «معهد فيلوكاليا» بمنطقة عينطورة، يتحدَّث فيهما كلٌّ من الأخت مارانا سعد افتتاحاً، والصحافي رفيق خوري، والشاعر سهيل مطر، والأب يوحنا جحا، والفنان غسان صليبا.

وثانية في جلستين، يستضيفها «مركز التراث اللبناني» في «الجامعة اللبنانية الأميركية»، يوم 17 مارس، يتحدَّث فيهما كلٌّ من الدكتور فيليب سالم (من هيوستن)، والإِعلامية وردة زامل، والأب الدكتور بديع الحاج، والشاعر عبد الغني طليس، والدكتور ناجي قزيلي.

ويتضمَّن برنامج المئوية إِعداد مجموعة حلقات تلفزيونية وبثّها عبر محطات لبنانية وعربية تتحدّث عن منصور وأَعماله. وستُصدر وزارة التربية تعميماً على المدارس الرسمية لتشارك في برامج عن الأخوين رحباني وعن منصور. وخلال «المهرجان اللبناني للكتاب»، في مارس، تُقام ندوة شعرية خاصة بصاحب المئوية.

منصور الرحباني إرثٌ خالد

كتَبَ حتى الرمق الأخير

ولمَن يودّ متابعة سير البرامج والإِعلان عن الآتي منها خلال سنة المئوية، بإمكانه العودة إلى صفحة «يوتيوب» ستنشأ لهذا الغرض باسم «منصور الرحباني». كما سيُطلق «أوراتوريو سمفوني» مع غناء كورالي ومنفرد من تأليف أسامة الرحباني موسيقياً، لقصائد منصور في كتابه «أُسافر وحدي ملِكاً»، على أن يصدر «الأوراتوريو» أيضاً على أسطوانة مدمجة.

وبقي منصور يكتب حتى أيامه الأخيرة، فيروي زغيب: «لا أزال أذكر آخر لقاء لي معه في بيته عشية الميلاد، حين أسمعني قصيدة جديدة كان فرغ من كتابتها. في نهاية السهرة، وكنا وحدنا، أوصاني بأولاده، شاعراً بأن دخوله المستشفى بعد يومين سيكون الأخير. وهكذا كان (توفي 13 يناير 2009). فقدتُ به صديقاً نادراً وشاعراً نادراً».


مقالات ذات صلة

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

ثقافة وفنون صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

تشارك كندا للمرة الأولى في «يوروفيجن» العام المقبل، بينما تواصل آيرلندا وهولندا مقاطعتهما بسبب مشاركة إسرائيل، وسط ترقب قرارات إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق أغلب الأعمال وُلدت من مواد أُعيد تدويرها (وزارة الثقافة)

«ربع تون»... معرض فني جديد للفنان العراقي نصير شمّة

يقوم المعرض على إعادة توظيف نشارة الأخشاب وبقايا صناعة آلة العود، وتحويلها من وظيفتها التقليدية إلى تكوينات تشكيلية تنبض بالمقام والإيقاع.

عمر البدوي (الرياض)
أوروبا علم مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» يرفرف في ميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا حيث تقام النسخة الـ71 من المسابقة عام 2027 (أ.ب)

هولندا تنسحب من «يوروفيجن» 2027 بسبب مشاركة إسرائيل

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة الهولندية «إن بي أو» انسحاب هولندا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» 2027، عازية القرار إلى الجدل حول مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (أمسترادم)
يوميات الشرق محمد عبده حاضر بأغنياته في ذاكرة الأغاني العاطفية (روتانا)

من «ليلة خميس» إلى «سويعات الأصيل»… هيئة الموسيقى توثّق 30 أغنية عاطفية

تعيد هيئة الموسيقى السعودية تقديم جانب من التراث الغنائي من خلال إصدار كتاب «من ذاكرة الأغاني العاطفية»، الذي يجمع 30 أغنية في 129 صفحة

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق تسعى الفرقة إلى إيصال رسائل إنسانية إلى جانب رسالتها الفنّية (الشرق الأوسط)

«صبايا بيروت»... فرقة تمتهن الغناء والعزف في رسالة لتمكين المرأة

«صبايا بيروت» هي في الأساس فكرة الملحّن أندريه المسنّ، بدأت بالظهور خلال الحفلات عام 2015.

فيفيان حداد (بيروت)

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش... فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية «زينا لبست خلخالها» (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

«كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها». على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر «الشرق الأوسط». وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة «زينا لبست خلخالها» بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي «دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص»، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ«كثارسيس (catharsis)» أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق (يوسف) درّبته كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها «اللي شبكنا يخلّصنا» كممثل أساسي. «يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن»، توضح دكّاش.

في «اللي شبكنا يخلصنا» تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

«في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي»، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت «الكثارسيس» الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ «زوزو» أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في «زينا لبست خلخالها» تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – (زينة دكّاش)

«قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها»، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى «تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح»، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ«زينا لبست خلخالها»، تقول دكّاش: «إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي».

«إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف» – (زينة دكّاش)

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: «أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين». رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أي خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة «الكثارسيس» خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ «المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج». تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: «في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل».

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مَن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.


ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

رغم مرور 81 عاماً على المأساة، تستعيد اليابانية ساداي كاساوكا (94 عاماً) لحظات نجاتها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945، وتقول بتأثر لـ«الشرق الأوسط» إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات وأحياناً تبكي.

ومع تلك المعاناة سعت السيدة إلى نقل تجربتها للأجيال؛ إذ عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً وبدأت تروي تجربتها علناً عام 2000.

وكانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أُنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما». وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة. لا تخفي كاساوكا أنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية التي تسميها بـ«كتلة شر» بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام. وقالت: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية».


إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
TT

إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)

أطلق وزير السياحة أحمد الخطيب جدول فعاليات برنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، الذي يجمع باقة واسعة من الفعاليات والأنشطة السياحية المتنوعة في عدة وجهات شتوية داخل البلاد، بما يمنح الزوار خيارات متعددة لقضاء موسم حافل بالتجارب التي تلائم مختلف الاهتمامات والأعمار.

واستعدت مجموعة من الوجهات لاستقبال الزوار، منها الرياض والعلا والقصيم وحائل وجدة والخبر والأحساء والمدينة المنورة والبحر الأحمر، ويقدم الجدول تحت شعار «شتاء السعودية على ما تحب»، نافذة متكاملة لاستكشاف أبرز الفعاليات والأنشطة والتجارب التي تحتضنها خلال الموسم.

وتجمع الفعاليات بين الترفيه والثقافة والمغامرة والاسترخاء، بدءاً من المهرجانات والفعاليات الرياضية والعروض الحية والتجارب الثقافية والتراثية، وصولاً إلى الرحلات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، والإقامة في المنتجعات.

ويُوفِّر الموسم خيارات متنوعة من المطاعم والمقاهي والتسوق والجلسات المطلة على البحر، بما يتيح للزوار من العائلات والأصدقاء تصميم رحلاتهم وفق اهتماماتهم، والجمع بين تجارب متعددة خلال زيارة واحدة.

ويعكس جدول فعاليات «شتاء السعودية» تنوع الخيارات التي تقدمها الوجهات الشتوية في المملكة، من الفعاليات العالمية الكبرى والتجارب الترفيهية في المدن، إلى المواقع التاريخية والمسارات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، بما يمنح كل زائر مساحة لاختيار تجربته الخاصة، واكتشاف المزيد مما تقدمه البلاد خلال هذا الموسم.

كانت «هيئة السياحة» نظمت ورشة عمل لبرنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، بمشاركة أكثر من 100 شريك من القطاعين العام والخاص، حيث يشمل البرنامج أكثر من 1800 منتج سياحي، إلى جانب العديد من الفعاليات والأنشطة النوعية والتجارب الثقافية والطبيعية، التي تلائم مختلف الشرائح وتعزز تنافسية الوجهات وترفع جاذبيتها خلال الموسم.