الفن العربي الحديث وباريس في القرن الـ20 ما بين الحب والرفض

في معرض «تجليات عربية: الفن الحديث والتحرر من الاستعمار باريس 1908 - 1988» بأبوظبي

جانب من المعرض (مؤسسة فرجام)
جانب من المعرض (مؤسسة فرجام)
TT

الفن العربي الحديث وباريس في القرن الـ20 ما بين الحب والرفض

جانب من المعرض (مؤسسة فرجام)
جانب من المعرض (مؤسسة فرجام)

ما سرُّ عشق الفنانين والمثقفين العرب في القرن العشرين لباريس «مدينة النور»، كما كان يطلق عليها؟ في بدايات القرن مثّلت باريس الوجهة التي احتضنت الفنانين العرب، درسوا هناك، وتعلموا واختلطوا مع فنانين من أوروبا وآخرين من أوطانهم. سافر إلى باريس الكتاب والشعراء والفنانون المناضلون ضد الاستعمار في بلادهم، جمعتهم المدينة بمناضلين آخرين، واحتضنت أعمالهم المقاومة للاستعمار الغربي، من الاحتلال البريطاني في مصر والفرنسي في دول المغرب العربي. ومع أن باريس في قلب أوروبا فإنها مثّلت مساحة حرية وحوار مفتوح للمبدعين العرب.

موضوع علاقة الفنانين العرب بباريس موضوع ثري، ويحمل في طياته سجلاً تاريخياً مهماً، ومن هنا جاءت أهمية تناوله في معرض، وهو ما حدث في أغسطس (آب) الماضي في متحف الفن الحديث في باريس تحت عنوان «حضور عربي: الفن الحديث وفك الارتباط بالاستعمار - باريس 1908 - 1988» عرض أكثر من 200 لوحة روت قصص الفنانين العرب ونضالهم ضد الاحتلال مع تأثرهم بالحركات الفنية الجديدة وقتها.

جانب من المعرض (مؤسسة فرجام)

الجميل في الأمر أن يعاد تقديم المعرض، وإن كان بصورة مصغرة في العالم العربي، وهو ما حدث في أبوظبي، حيث أقيم المعرض تحت عنوان «تجليات عربية: الفن الحديث والتحرر من الاستعمار باريس 1908 - 1988 - نظرة مقربة لمجموعة (فرجام)» ضمن فعاليات «فن أبوظبي». المختلف في المعرض هو أنه قدم أعمال معظم الفنانين الذين قدمت أعمالهم في باريس، ولكن في أبوظبي كان الاختيار من مقتنيات مجموعة «فرجام» الفنية، وهو ما قدم للزائر الذي شاهد معرض باريس متعة مزدوجة بمعاينة أعمال مختلفة للفنانين ذاتهم، ولمن زار معرض أبوظبي فالمتعة في مشاهدة مجموعة متفردة من أعمال أهم الفنانين العرب في تنسيق فني مبدع ومثير للفكر والتأمل.

علاقة حب - كراهية

ينطلق المعرض بجملة لأدونيس اختصرت ببلاغة العلاقة الحلوة المرة بين الفنان وباريس: «كيف لنا أن نتصالح مع رماد باريس وشمسنا التي تقطر دماً، كيف لنا أن نلائم بين شاطئي بحرنا المتوسط؟» (المدن الزمنية 1990).

محمود سعيد لوحة «منظر لسيروس» (1949) (الشرق الأوسط)

محملين بتلك الفكرة والأحاسيس المختلطة نبدأ الجولة في المعرض، نرى أعمالاً لعمالقة الفن بمصر في القرن العشرين محمد ناجي ومحمود سعيد ومحمود مختار، يربط سياق المعرض بين اختيار الفنانين الثلاثة والموضوع ببطاقة تعريفية تشير إلى أن الفنانين الثلاثة عُرضت أعمالهم في باريس ضمن المعرض العالمي للفنون في 1937 الذي أقيم بقصر طوكيو، وضم المعرض أجنحة دول عربية مثل تونس التي أوكلت مهمة زخرفة جناحها لرائد المدرسة التونسية علي بن سالم، بينما صممت الجزائر وبلاد الشام الجنوبية أجنحتها على شكل مستعمرات فرنسية. في إشارة إلى المعرض الباريسي نرى هنا من أعمال محمود سعيد لوحة «منظر لسيروس» (1949) وتمثالاً لمحمود مختار لفلاحة مصرية ترفع ذراعها لتغطي وجهها بعنوان «عند لقاء الرجل» (1929) إضافة إلى لوحة للفنان محمد ناجي.

يعرج الجناح من مصر للعراق، ويعرض أعمالاً لرواد من «جماعة بغداد للفن الحديث»، منها لوحة من النحاس المطروق للفنان جواد سليم «بائعات اللبن» (1956)، ثم عمل لشاكر حسن آل سعيد، ولوحة لكاظم حيدر.

جواد سليم «بائعات اللبن» (1956)

تتوسط القاعة الأولى مساحة يصدح فيها صوت أم كلثوم بالغناء «يا أغلى من أيامي، يا أحلى من أحلامي» من حفل أقيم بمسرح الأولمبيا في باريس عام 1967 مقتطفة من برنامج تلفزيوني فرنسي، بينما يقف تمثال لأم كلثوم للفنان آدم حنين من البرونز شاهداً على مرحلة مهمة في الثقافة المصرية.

تمثال لأم كلثوم للفنان آدم حنين

قضية فلسطين

يمر المعرض على أعمال فنية متضامنة مع فلسطين في قسم يحمل عنوان «الفن والصراع» يلقي الضوء على قضية فلسطين، كما تجسدت في نشاط جماعة الرسامين العرب وجماعة الرسامين المعادين للفاشية في باريس. ونرى بعض الأعمال من تلك المرحلة للفنانين فاتح مدرس من سوريا، ورشيد قريشي من الجزائر، وحامد عبد الله من مصر، إضافة إلى ملصقات لدعم فلسطين أنتجت في أواخر السبعينات والثمانينات تعكس أصداء الوضع الفلسطيني السياسي في فرنسا. وتوثق الملصقات تجارب الفنانين العرب الذين تجمعوا من مختلف دول العالم في فرنسا، منها ملصق للفنان الفلسطيني سليمان منصور، وآخر للفنان محمد المليحي وضياء العزاوي، وقد استعيرت الملصقات من مجموعة مقتنيات متحف تاريخ الفن المعاصر في نانتير من مجموعة «كلود لازار».

ملصقات لدعم فلسطين أُنتجت في أواخر السبعينات والثمانينات (مؤسسة فرجام)

مع باريس وضدها

يصف منسق العرض مراد منتظمي، العرض، بأنه يقدم «الفن العربي الحديث في مقابل مدينة باريس»، ويستكمل حديثه: «يمكنك القول إن الفن العربي الحديث تشكل من قبل باريس، ولكن يمكنك أيضاً القول إنه تشكل ضد باريس، فهي كانت علاقة متضاربة. فعدد كبير من الفنانين العرب درسوا في باريس، وأحبوها ووجدوا فيها منصة عالمية و(كوزموبوليتانية) لم يجدوها في بلدانهم»، يقول إنهم أيضاً «كانوا ضد باريس، وهي مفارقة، كانوا ضدها وضد عنف الاستعمار. هناك تاريخ للفنانين المنفيين في باريس منهم من اختار النفي أو العيش هناك، ومنهم من تم نفيهم إلى فرنسا».

يستطرد قائلاً: «كما نعلم، فإن تاريخ الاستعمار هو قصة عنف في حد ذاته، ومن هنا نرى أن معظم الفنانين العرب الذين كانوا يدرسون أو في المنفى كانوا لا يزالون يقاتلون أو يدافعون عن استقلال بلدانهم».

تمثال لمحمود مختار بعنوان «عند لقاء الرجل» (1929)

في باريس، كانت هناك «شبكة مناهضة للاستعمار» يشير منتظمي، ويستكمل: «من المفارقات أنه كان من الأسهل على القوميين الجزائريين أو المصريين أن ينظموا أنفسهم في باريس مقارنة ببلدانهم المستعمرة، على سبيل المثال، النحات المصري محمود مختار، الذي أصبح رمزاً قومياً في مصر درس في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، وباريس أيضاً كانت المكان الذي التقى فيه بالزعيم سعد زغلول، كان من الأسهل والأكثر ملاءمة أن يلتقيا في باريس. يذكر أن مختار بدأ صنع تمثاله الأشهر «نهضة مصر» عندما كان في باريس، وتم تشييده في النهاية في القاهرة لكنه صنع المجسم والتصميم أثناء وجوده في باريس.

أعمال الكاتب والفنان أدونيس (الشرق الأوسط)

عن الفرق بين المعرض الأصلي الذي أقيم في باريس ومعرض أبو ظبي يقول: «لقد أقمنا معرضاً في باريس أولاً، وكان في متحف الفن الحديث، وكان ضخماً، عملنا عليه لمدة 4 سنوات، وضم 130 عملاً فنياً، اسْتُعِيرت من مجموعات فرنسية خاصة وعامة، لأن الهدف الأساسي هو إظهار أن الكثير من الفن العربي الحديث مختبئ في مجموعات مختلفة في فرنسا غالباً في المخازن، وقد استكملنا من مجموعات كبيرة من العالم العربي، كان لدينا الكثير من الأعمال من مؤسسة بارجيل، من (متحف) للفن الحديث في قطر، من مجموعة الإبراهيمي، وهي مجموعة فنية عراقية مقرها في الأردن، والآن ما حدث هو أن مؤسسة (فرجام) كانت سعيدة بتوسيع هذا المشروع، لعمل نسخة من معرض باريس هنا، ولكن هنا الأعمال من مجموعة مقتنيات المؤسسة».


مقالات ذات صلة

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

يوميات الشرق ساحة الأوبرا تضم العديد من التماثيل والأعمال الفنية (الشرق الأوسط)

«كنوز الأوبرا» يستعيد تراث رواد الفن التشكيلي المصري

تحت عنوان «كنوز مقتنيات الأوبرا التشكيلية» نظمت دار الأوبرا المصرية معرضاً فنياً تضمن أعمالاً لرواد الفن التشكيلي المصري في التصوير والنحت والغرافيك والخزف.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض اعتمدت على الخط وهندسة الألوان (الشرق الأوسط)

هندسة الألوان وفلسفة الخطوط في معرض فني بالقاهرة

تتجلى فلسفة الخطوط والعلاقات الهندسية التي تربط الألوان وتصنع تناغماً بينها في معرض «حيث يستقر الخط» للفنانة المصرية مهري خليل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

نظَّم متحف المركبات الملكية ببولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
TT

المصريون يترقبون «فسحة الساعتين» في فتح المحال

سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)
سيتم تمديد مواعيد عمل المحلات لمدة ساعتين (محافظة القاهرة)

يبدي مينا فريد (مهندس مصري) سعادته، لأنه سيتمكن من الالتقاء بأصدقائه على المقهى، مساء الأحد المقبل، الذي يصادف عيد القيامة للمسيحيين الشرقيين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «لقاء الأصدقاء على المقهى عادة يحرص عليها منذ سنوات، لكنه كان يخشى أن يؤدي تبكير مواعيد الإغلاق لحرمانه منها على غرار ما حدث وقت جائحة كورونا».

وقررت الحكومة المصرية تعديل مواعيد غلق المحال التجارية، والمطاعم، ومراكز التسوق، والمولات، وغيرها بتمديد عملها لمدة ساعتين لتغلق عند 11 مساء بدلاً من التاسعة اعتباراً من الجمعة إلى الاثنين بمناسبة أعياد المسيحيين.

وسيكون لدى المواطنين «فسحة ساعتين» خلال هذه الأيام التي يحصل المسيحيون المصريون فيها على إجازات رسمية، بينما يستغلها آخرون للسفر، وتزداد فيها نسبة الإشغالات بالمناطق السياحية.

ويحتفل المصريون بعيد الربيع «شم النسيم» يوم الاثنين الذي سيشهد آخر أيام الاستثناءات، على أن تعاود المحلات الإغلاق في التاسعة مساء اعتباراً من الثلاثاء ضمن خطة ترشيد الطاقة التي تطبقها الحكومة منذ 28 مارس (آذار) الماضي، وتشمل الإغلاق المبكر للمحلات، وترشيد الإضاءات الليلية على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية، وهي الإجراءات التي يفترض أن تستمر حتى نهاية الشهر الجاري ما لم يتخذ قرار بتمديدها.

شوارع وسط القاهرة (أ.ف.ب)

موقف مينا لا يختلف كثيراً عن حمادة عبد الحميد الشاب الجامعي الذي اتفق مع أصدقائه على الذهاب للسينما مساء الاثنين المقبل في حفلة التاسعة، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنهم اعتادوا على دخول حفلات منتصف الليل في «شم النسيم»، لكن هذه المرة سيذهبون مبكراً، لعلمهم بعدم وجود حفلات لمنتصف الليل هذا العام.

ورغم ما تبديه عضو مجلس النواب (البرلمان) إيرين سعيد من ارتياح للقرار الحكومي بالاستثناء نظراً لاحتفالات العيد، والتي تشهد كثافة ورواجاً في الشارع المصري، فإنها كانت تأمل تمديد الوقت أكثر من ساعتين لبعض الأنشطة الترفيهية بشكل خاص باعتبار أنها تكون الأكثر إقبالاً.

الإغلاق المبكر أثر على دور العرض (أ.ف.ب)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «القرار الحكومي يعكس تفهماً لطبيعة احتفالات الأعياد، والتي لا تخص المسيحيين فقط، ولكن جميع المواطنين الذين يحتفلون بأعياد الربيع في اليوم التالي لعيد القيامة»، مؤكدة أن «هذه الفترة تشهد رواجاً اقتصادياً بعمليات البيع والشراء، الأمر الذي ربما يعوض جزءاً من الخسائر التي حدثت في الفترة الماضية».

وأكدت أن هذه الاستثناءات جاءت باعتبار أنها إجراء طبيعي يتسق مع مبادئ المواطنة، وتفهم حكومي لأهمية هذا الإجراء، وبتوقيت يأمل فيه المواطنون قضاء أوقات هادئة بلا قرارات جديدة في الزيادات بعد الضغوط التي حدثت في الأسابيع الأخيرة نتيجة تداعيات الحرب.

مظاهر الإغلاق المبكر بادية على بعض الشوارع (أ.ف.ب)

وأقرت الحكومة المصرية الاثنين المقبل إجازة رسمية بمناسبة عيد الربيع للقطاعين العام والخاص، وتعد هذه الإجازة من المناسبات التي استثنتها الحكومة من قرار سابق بترحيل الإجازات الرسمية لتكون يوم الخميس إذا ما صادفت أياً من أيام منتصف الأسبوع.

سائحون في شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

ويشير عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريعي، محمد أنيس إلى أن أي تمديد في مواعيد غلق المحلات يؤدي لتحقيق رواج أكبر بحركة البيع والشراء لأسباب عدة في مقدمتها أن الأوقات المسائية تعد الأكثر إقبالاً، لافتاً إلى أن التمديد بالتزامن مع فترة الأعياد والإجازات يدعم هذا التوجه الذي يحمل مردوداً اجتماعياً أكبر بكثير من المردود الاقتصادي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «وجود عطلات خلال فترة التمديد ستساهم في إحداث رواج بالفعل، لكن تأثيره الإيجابي من المنظور الاقتصادي سيظل محدوداً بشكل كبير، خصوصاً على الأنشطة التي تعتمد على العمل الليلي بشكل رئيس».


«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.


حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

أقر مهندس معماري من لونغ آيلاند بولاية نيويورك الأميركية، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، اليوم الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة من الجرائم التي لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة، والمعروفة باسم جرائم قتل «جيلجو بيتش».

وأدلى ريكس هورمان، البالغ من العمر 62 عاماً، باعترافاته في قاعة محكمة مكتظة بالصحافيين وأقارب الضحايا، حيث أجهش بعضهم بالبكاء في أثناء سرد هورمان تفاصيل جرائمه أمام المحكمة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتشكّل اعترافات هورمان بالذنب ختاماً لقضية أرهقت المحققين، وأصابت أقارب الضحايا بالألم، وأثارت فضول جمهور شغوف بجرائم القتل الحقيقية على مدى سنوات.

وقالت السلطات إن هورمان خنق النساء، وغالبيتهن من العاملات في الدعارة، على مدى 17 عاماً، وكان يدفن رفاتهن في أماكن نائية، منها على طول طريق سريع ساحلي معزول على الخليج مقابل منزله.

ويواجه هورمان حكماً بالسجن المؤبد، ومن المقرر أن يصدر حكمٌ ضده في موعد لاحق.