مصر: مطالب بتشديد الرقابة على المواقع الأثرية لتفادي التخريب

بعد واقعة مقبرة ميروكا في منطقة سقارة

جانب من العمل التخريبي (فيسبوك)
جانب من العمل التخريبي (فيسبوك)
TT

مصر: مطالب بتشديد الرقابة على المواقع الأثرية لتفادي التخريب

جانب من العمل التخريبي (فيسبوك)
جانب من العمل التخريبي (فيسبوك)

أثار تشويه بعض نقوش مقبرة ميروكا الأثرية في منطقة سقارة بالجيزة (غرب القاهرة) غضباً في مصر، وارتباكاً في أروقة وزارة السياحة والآثار التي أصدرت بياناً مساء الاثنين، أكدت فيه ترميم الجدار بعد محاولة تخريبه.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر في المجلس الأعلى للآثار خبر نقل 7 مفتشي آثار ومسؤولي أمن من المنطقة الأثرية في سقارة إلى مكان آخر في نوع من العقاب لهم جراء تقصيرهم في حماية المقبرة.

وطالب أثريون ونشطاء بتشديد الرقابة على المواقع الأثرية لتفادي التخريب، من خلال زياد أعداد الحراس والاستعانة بتقنيات المراقبة الحديثة.

مقبرة ميروكا تتمتع بنقوشها الفريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وبعد مرور ساعات على نشر صور الأعمال التخريبية للمقبرة عبر مواقع التواصل، قالت وزارة السياحة والآثار المصرية، إنه في أثناء قيام مفتشي آثار المنطقة بالمرور الدوري اليومي على المقابر المفتوحة للزيارة بالمنطقة تبين وجود خطوط بيضاء على أحد الجدران الداخلية لمقبرة ميروكا.

وقد قام مديرو المنطقة باتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة كافة وتحرير محضر بالواقعة، حيث أثبتت التحريات قيام أحد زائري المنطقة بالكتابة على الجدار في أثناء زيارته المقبرة، مما نتج عنه وجود هذه الخطوط البيضاء.

وقد قام المجلس الأعلى للآثار بترميم الجدار وإزالة هذه الخطوط وإعادة الجدار كما هو في حالة جيدة من الحفظ.

لكنَّ الصور التي أرفقتها الوزارة بالبيان أظهرت وجود بقايا خط أفقي غائر في نقوش ورسومات المقبرة مما يدل على أن التشويه كان بآلة حادة وليس مجرد خطه بلون أبيض، وفق متابعين.

صورة نشرتها وزارة السياحة والآثار بعد معالجة العمل التخريبي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقوم الجهات المعنية بالتحقيقات اللازمة لمعرفة الجاني ومعاقبته وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته، والذي تنص المادة 45 منه على أنه «يعاقَب كل من وضع إعلانات أو لوحات للدعاية أو كتب أو نقش أو وضع دهانات على الأثر أو شوه أو أتلف بطريق الخطأ أثراً عقارياً أو منقولاً أو فصل جزءاً منه بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنية ولا تزيد على 500 ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين».

ووفق خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، فإن «المقابر الفرعونية تحتاج إلى توثيق ونشر علمي لكل محتوياتها، إلى جانب رقمنة هذا التوثيق وإتاحته على مواقع معروفة متاحة للباحثين والإعلاميين».

المقبرة تعد واحدة من كبرى مقابر عصر الملك «تتي»... (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه جرى «تسجيل المتحف المفتوح بالكرنك بواسطة المركز المصري الفرنسي ووضع محتوياته على قاعدة بيانات دولية، وإذا تمت سرقتها أو تشويه أحد معالمها سيُكشف كل ذلك».

وقال الباحث الأثري أحمد عامر إن معظم المقابر الأثرية غير مراقَبة بالكاميرات، إذ يتم الاكتفاء في أغلب الأحيان بوجود حارس على كل مقبرة مفتوحة للزيارة مع وجود مفتش آثار».

وتوقع أن يكون قد تم تشويه مقبرة ميروكا خلال وجود أحد الزائرين داخل المقبرة عندما كان بعيداً عن أعين الحراس، وبالإضافة إلى توقيع جزاء إداري ضد مسؤولي حراسة المقبرة، يتوقع عامر تحويل القضية إلى النيابة الإدارية لإصدار حكم في الواقعة حيث تتوافر عناصر الإهمال، وفق تعبيره.

جدران المقبرة تتضمن كثيراً من المناظر التي تعرض الحياة اليومية خلال الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتعد سقارة من أبرز المناطق الأثرية في مصر، حيث تلقَّب بـ«أقصر الشمال»، فهي تعد الجبانة الشمالية الموازية لجبانة طيبة (الأقصر) في جنوب البلاد، ولا تزال مليئة بالأسرار، بوصفها مكان الدفن الأساسي لجبانة «منف» عاصمة مصر لعصور طويلة.

وترجع تسمية منطقة سقارة إلى إله الجبانة «سوكر»، وهي إحدى المناطق الموجودة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو منذ عام 1979، ومن أشهر آثارها هرم زوسر المدرج، أول بناء حجري في التاريخ.

وإلى جانب كون ميروكا وزيراً في عهد الملك تتي (2345 - 2323 ق.م)، فإنه كان كذلك زوج ابنة الملك وكان يتمتع بنفوذ كبير، وهي الفترة التي بدأ فيها زيادة نفوذ طبقة كبار رجال الدولة خلال نهاية الأسرة السادسة.

يُذكر أن ميروكا قد دفن في مقبرة على شكل مصطبة شمالي هرم تتي بسقارة، وتعد واحدة من كبرى مقابر عصر الملك «تتي» كما أنها الأروع من حيث المناظر والزخارف التي تزينها من بين مقابر الدولة القديمة، وتضم أكثر من ثلاثين حجرة تتضمن ست حجرات لزوجته وخمساً لابنه «مري تتي»، وفق موقع وزارة السياحة والآثار المصرية.

وتتضمن جدران المقبرة كثيراً من المناظر التي تعرض الحياة اليومية في الدولة القديمة، مثل مناظر رعي الماشية، وصيد فرس النهر، ومناظر صيد الطيور.


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.