جاهدة وهبة «تعيش مع الضوء» وتجول العواصم بصوتها دعماً للبنان

الفنانة اللبنانية تطلق أغنية جديدة من شعر أدونيس و«تقاوم الفناء بالغناء»

الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة (صور الفنانة)
الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة (صور الفنانة)
TT

جاهدة وهبة «تعيش مع الضوء» وتجول العواصم بصوتها دعماً للبنان

الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة (صور الفنانة)
الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة (صور الفنانة)

من قلب الليل الحالك الذي يلفّ لبنان وفلسطين، تطلّ جاهدة وهبة لتعلن أنها تعيش مع الضوء. تستعير من شعر أدونيس لتشعل شمعةً في العتمة، على هيئةِ أغنية. بالنسبة إلى الفنانة اللبنانية، الوقتُ صالحٌ دائماً للغناء، لأن «الفنّ يقاوم الفَناء».

تخبر جاهدة وهبة، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنها، وبعد خروجها من «صومعة الحزن» الذي انتابها كما اللبنانيين جميعاً بسبب «صدمة الحرب»، تساءلت عن إمكانات النضال المتاحة أمامها. فتحت الصندوق الذي يخبّئ أغلى مقتنياتها وسحبت أغنية.

«أجمل ما تكون أن تُخلخل المدى

والآخرون بعضهم يظنّك النداء

بعضُهم يظنّك الصدى...

أعيش مع الضوء عُمري عبيرٌ يمرّ وثانيتي سنوات

وأعشق ترتيلةً في بلادي تَناقلَها كالصباح الرُعاة

رمَوها على الشمس قطعة فجرٍ نقيّ

وصلّوا عليها وماتوا»

هذا بعضٌ من قصيدتَي أدونيس اللتَين دمجتهما جاهدة في أغنيةٍ لحّنتها، وتعاونت فيها توزيعاً وعزفاً مع الثنائي ساري وعيّاد خليفة ضمن مشروعٍ من القصائد المغنّاة، يكتمل إصدارها قريباً في ألبوم يحمل عنوان «ملح وظلال».

جرى تسجيل الأغاني قبل جائحة «كورونا»، غير أن كل الجوائح التي تلت أخّرت الإصدارات. لم يكن قرار استئناف النشاط الفني سهلاً على الفنانة في ظلّ ما يجري من قتلٍ وتدميرٍ وتشريد، لكنّ القصيدة فرضت نفسَها حبلَ أملٍ أصرّت جاهدة وهبة على أن تمدّه لأهل بلدها. تشرح أن هذه «الأغنية تحمل في طيّاتها صراعاً بين الحياة والموت، لكنها تنتهي بانتصار الضوء على العتمة».

أعطى الشاعر السوري أدونيس بركتَه للأغنية، كما يفعل مع سائر الأغاني التي تستعين فيها جاهدة وهبة بقصائده. أما اللحن الذي جاء من بنات أفكارها، فأرادته واسع المدى «يمنح أفقاً للصوت في ترجمةٍ لمعاني النص وصوَرِه». ولم تغِب عن الأغنية إيقاعات الحنين إلى طفولةٍ هانئة هي انعكاسٌ لضوء الأمل، ليتكامل ذلك مع نغمات الصلوات المشرقية التي تضفي إلى «أعيش في الضوء» بُعداً روحياً.

تلاقى الصوت واللحن مع بيانو عيّاد وتشيللو ساري. تقول إنها تؤمن بـ«موهبة الشابَين اللبنانيَين اللذَين أضافا الكثير إلى قصائد الألبوم بإحساسهما وجدّيتهما واحترافهما»، وقد انضمّ إليهما شقيقهما زاد خليفة على الإيقاع. ثلاثُ آلاتٍ رابعتُهما حنجرة جاهدة وهبة، بدت وكأنها «أوركسترا متكاملة لفرط التناغم الفني والانسجام الروحي بيننا خلال مرحلتَي التحضير والتسجيل»، وفق تعبيرها. أما الميكساج والماسترينغ فقد تولّاهما إيلي كلّاب.

جاهدة وهبة مع الأخوين الموسيقيين ساري وعيّاد خليفة (صور الفنانة)

«الأغنية لا تردّ صاروخاً ولا تستطيع أن تكبح جماح الهمجيّة»، لكن في هذا الصراع الأبدي بين البناء والهدم، بين الجمال والقبح، تقف الفنانة على ضفة البناء والجمال. عندما شعرت بالحاجة للتواصل مع الناس، قررت أن تقدّم جديداً يتجاوز الحدود ويذكّر العالم بإرث لبنان الثقافي والجمالي. بالنسبة إليها، «الأغنية هي مكانٌ نقيّ نلجأ إليه لنرتاح من تعب الأخبار الدامية»، ومن هذا المنطلق فهي لم تقدّم يوماً أغاني ظرفية، بل حمّلت كلاً من أعمالها زوّادةً روحيّة وإنسانية. يأتي ذلك تماشياً مع قناعتها التي تقول إن «الفن ليس ترفاً بل حاجة نفسية للناس، ولكرامتهم، ولصمودهم في وجه الخراب والبشاعة».

قد لا تصدّ الأغنية صاروخاً لكنها قادرةٌ أحياناً على صدّ بعضِ عوَزٍ وحرمان. لذلك، فقد استتبعت جاهدة وهبة الغناء بالفعل، مجهّزةً نفسها لجولة تقودها من أثينا إلى باريس، مروراً بالمنامة، والدوحة، ودبي. تأتي هذه الجولة الموسيقية دعماً للبنان، على أن يعود ريع الحفلات إلى المؤسسات والهيئات الإغاثية العاملة في الميدان إلى جانب المتضررين من الحرب كـ«الصليب الأحمر» اللبناني، و«الدفاع المدني».

أما على برنامج الحفلات الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول)، فأغانٍ وطنية، وأخرى صوفيّة، وترانيم، إضافةً إلى أعمال جاهدة وهبة الخاصة وكلاسيكياتٍ طربية وعالمية. «حرصاً على إيصال رسالة الأمل بلبنان إلى أكبر عدد ممكن من الناس، سأغنّي بالعربيّة، والفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، واليونانية، والفارسية»، تقول جاهدة وهبة.

تؤمن بأنّ الموسيقى والقصيدة والأغنية تُداوي. «إذا بكى مستمعٌ بسبب أغنية فهذا ليس بالضرورة حزناً إنما شفاء»، تؤكد الفنانة. ثم تتذكّر تلك السيدة التي اقتربت منها بعد حفلها في بعلبك عام 2018، لتقول لها إنّ أداءها أغنية «أرض الغجر» في ليل القلعة التاريخيّة، أشعرَها بأنّ ابنَها المتوفّى منذ شهرَين جالسٌ بقربها.

يعود هذا العلاج الموسيقيّ بالمنفعة على الفنانة كذلك، وليس على الجمهور فحسب. تقول إن «منطقة شفائها الخاص تتّسع بوصول الصوت إلى الناس وتَفاعلِهم معه»، مفصحةً بأنها تترقّب في كل مرة تُصدر فيها عملاً جديداً، هذا التضميد المجاني الذي يأتيها من جمهورها.

لا يمكن تصنيف أعمالها في خانة السهولة. هي بنفسها تُقرّ بأنّ «الاستماع إليها يبدو مهمة صعبة أحياناً». إلا أنها، وبصبر نحّات، تواصل «الحفر في الجدار لفتح كوّةٍ تأخذ المستمعين إلى القصيدة». فالشعرُ توأم أغنية جاهدة وهبة، وكأنها عاهدت نفسها بأن تنهل من نبعه. كلّما راودتها الرغبة في إنجاب أغنية، غاصت في محابر الرومي، ودرويش، وأدونيس، ونزار قباني، وأحلام مستغانمي، وخليل حاوي، وغونتر غراس وغيرهم من كبار الكلمة.

في أحد أحدث إصداراتها «بيروت تفّاحة للبحر»، دمجت 4 نصوص لكلٍ من درويش، وأدونيس، وخليل حاوي، وبلند الحيدري. عن تجربة دمج القصائد تلك، التي تشكّل البصمة الخاصة في ألبوم «ملح وظلال»، توضح جاهدة وهبة: «عندما أمزج قصائد لأكثر من شاعر في أغنية واحدة، أحرص على أن يكون ثمة خيط يربطها ببعضها وعلى أن يكون الإيحاء الشعري موحّداً».

الشعر توأم أغنية جاهدة وهبة ومعظم أعمالها عبارة عن نصوص لكبار القصيدة العربية والعالمية (صور الفنانة)

غالباً ما تتمخّض دهشة جاهدة وهبة أمام القصيدة عن ألحانٍ تؤلّفها بنفسها. تُفرحها صفة «الملحّنة» رغم «المخاض الذي يسبق أحياناً اكتمال اللحن». أرادت التلحين لأنها وجدت في القصائد «مساحة للذرف اللحني» كما أنها شعرت بأنّ لديها الكثير لتقوله. غير أنّ تلحينها لأغانيها لا يعني أنها ستقفل باب التعاون مع ملحنين آخرين.


مقالات ذات صلة

إلغاء حفليْ مغني الراب كانييه وست في روسيا

يوميات الشرق مغني الراب الأميركي كانييه وست (أرشيفية-رويترز)

إلغاء حفليْ مغني الراب كانييه وست في روسيا

أعلنت وكالة ساي المنظِّمة للحفلات إلغاء حفلين لمغني الراب الأمريكي كانييه وست في روسيا، كان من المقرر إقامتهما الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
آسيا المغنية الصينية نا ينج (أرشيفية)

الصين تمنح إعفاء نادراً لمغنية بعد أدائها أغنية غير مصرح بها مسبقاً

منحت السلطات الصينية إعفاءً نادراً من الرقابة للمغنية الشهيرة نا ينج، الثلاثاء، بعدما أضافت أغنية غير مصرَّح بها مسبقاً إلى قائمة أغانيها، تكريماً لمطرب راحل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق تايلور سويفت تتسلم جائزة «فيديو العام» عن أغنية «The Fate of Ophelia» خلال حفل توزيع جوائز «إم تي في» للأغاني المصورة في مسرح «بيكوك» بمدينة لوس أنجليس (أ.ب)

تايلور سويفت تكتب التاريخ في ليلة جوائز «إم تي في»

فازت أغنية تايلور سويفت «ذا فايت أوف أوفيليا» المستوحاة من أجواء فتيات الاستعراض، بأهم جوائز حفل «إم تي في» السنوي للأعمال الموسيقية المصورة «في إم إيه»، أمس.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق شطة أثار الجدل في وقائع عدة بالسنوات الماضية (حسابه على فيسبوك)

محاكمة مجدي شطة تعيد قضايا «مخدرات مطربي المهرجانات» للواجهة بمصر

أعاد خبر إحالة مطرب المهرجانات مجدي شطة إلى المحاكمة الجنائية «قضايا مطربي المهرجانات» المتعلقة بالمخدرات للواجهة في مصر.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
TT

في 6 ساعات... الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة لنابليون عمرها 217 عاماً

لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)
لوحة تجسّد نابليون بونابارت خارجاً من قبره (أرشيفية - رويترز)

استخدم مهندسٌ الذكاء الاصطناعي لفك شفرة عسكرية تعود إلى الحقبة النابليونية، ظلت عصيةً على الحل لأكثر من قرنين من الزمان.

وقد نجح الذكاء الاصطناعي في فك رموز رسالة كُتبت بأمر من نابليون بونابرت، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 200 عام، حسبما أفادت شبكة «يورونيوز».

لم تكن الوثيقة رسالة كتبها نابليون مباشرة؛ فقد صدرت عن مقر يوجين دي بوهارنيه، نائب الملك في إيطاليا، وكانت عبارة عن إيجاز مشفّر حول القوات أُرسل إلى مارمونت بناءً على أوامر نابليون.

وذكر كارتر تشرش، وهو مهندس في شركة الأمن السيبراني «سنتينل ون» (SentinelOne)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن نموذج «أسترا جي بي تي -6» التابع لشركة «أوبن إيه آي» قد نجح في فك شفرة رسالة تعود لعام 1809 كانت مُرسلة إلى الجنرال الفرنسي أوغست دي مارمونت.

وأوضح تشرش أن نموذج الذكاء الاصطناعي قام بتحويل محتوى الصورة إلى نص لفك الشفرة في غضون ست ساعات تقريباً.

كتب تشرش في تدوينة له: «قامت أسترا بتقسيم اللوح -الذي تبلغ أبعاده 1202 في 1836- إلى صفوف، وقرأت الرموز، وحددت أيّاً من العلامات المرسومة يدوياً (والبالغ عددها 175 علامة) تمثل الرمز نفسه مكتوباً مرتين، وعندها فقط بدأت في فك الشفرة».

كان العديد من الباحثين قد حاولوا على مدى عقود إعادة تكوين محتوى الوثيقة، لكن أحداً منهم لم ينشر حلاً كاملاً للشفرة.

تولت «أسترا» إنجاز العمل من بدايته إلى نهايته، بما في ذلك نسخ محتوى الصورة، وتحليل شفرة الاستبدال المتماثل صوتياً (homophonic substitution cipher)، وكتابة البرمجيات اللازمة، ومطابقة المعلومات مع السجلات التاريخية. وقد كشف النص عن مواقع القوات البافارية والبولندية والفرنسية.

في عام 1809، كانت أوروبا تقترب بخطى حثيثة من الحرب؛ إذ كانت النمسا تستعد لمواجهة فرنسا، في حين ظل جزء كبير من القوات الفرنسية منشغلاً في القتال داخل إسبانيا. وكان «مارمون»، قائد القوات الفرنسية في دالماسيا، يواجه خطر العزلة في حال شنت النمسا هجوماً.

وفي 16 مارس (آذار)، أصدر نابليون أمراً لـ«أوجين» بإطلاع مارمون على مواقع القوات الفرنسية وحلفائها الرئيسية، مشدداً على ضرورة أن تكون الرسالة «مكتوبة بشفرة سرية» وأن ينقلها ضابط موثوق.

وجاء في الوثيقة: «إن الروس يزحفون ضد النمسا، ويبلغ قوام جيش فريولي اليوم ثمانين ألف جندي». وأفادت الوثيقة: «أضف إلى ذلك فيلق دالماسيا - ودون احتساب قوات الاحتياط التي يجري تنظيمها في كل مكان في الخطوط الخلفية - وستدرك أن النمسا ستتعرض لهجوم فوري وشامل من جميع الجهات. وبالتالي، فهي تسير مسرعة نحو حتفها. وعندما تتلقى أمر الزحف، لا تدع بضع وحدات عسكرية أو حشوداً من الغوغاء ترهبك».

وبالاستناد إلى أعداد القوات ورتب الضباط ومواقع الوحدات التي تم فك شفرتها، أعاد «تشرش» تحديد تاريخ الوثيقة ليكون في أواخر شهر مارس 1809، أي قبل نحو أسبوعين من شن القوات النمساوية لهجومها.

وفي 18 سبتمبر (أيلول)، نشر تشرش سجله البحثي الكامل، متضمناً النص المنقول، وجداول الشفرات، والنصوص البرمجية التي تتيح للآخرين إعادة إنتاج النتائج والتحقق منها.

وفقاً لتشرش، قام ساتوشي توموكيو، وهو باحث مقيم في طوكيو يتولى إدارة موقع «كريبتيانا» (Cryptiana)، بمراجعة الحل ووسم الإدخال بعبارة «تم الحل».


محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
TT

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)
محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

كان محمود درويش حاضراً في متحف سرسق بأكثر من عُمُر شِعري. ظهر الرجل الذي صوَّرته سيمون بيتون عام 1997، وسمعنا الشاعر الذي صار جزءاً من الذاكرة العربية، ثم جلس شِعره إلى جوار نصوص فلسطينية كُتبت بعده وفي زمن أشدّ ضراوة. بين هذه الأزمنة، صنعت أمسية «درويش والشِّعر الفلسطيني المعاصر» مادّتها.

في قصيدته كانت فلسطين اسماً وأمّاً وحبّاً وذاكرة (الشرق الأوسط)

أُقيم اللقاء ضمن «يوم محمود درويش للشِّعر»، الذي نظّمه مركز «بومبيدو» بالتعاون مع «معهد العالم العربي»، وتوزَّعت فعالياته على نحو 30 موقعاً ثقافياً في فرنسا والعالم ضمن «موسم البحر الأبيض المتوسّط 2026». تولّى «البيت الدولي للكتّاب» تنظيم الموعد البيروتي، وقدَّمه الروائي شريف مجدلاني، أحد وجوه الأدب اللبناني المكتوب بالفرنسية، ورئيس «البيت»، وريما عبد الملك، وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة وصاحبة الحضور الطويل في المؤسّسات الثقافية. جمعهما موقعٌ يليق بطبيعة المشروع، في بيروت التي خَبِرَت درويش وعرفت زمناً كان فيه الشِّعر الفلسطيني جزءاً من مشهدها الثقافي.

ذاكرة سرسق تستقبل ذاكرةً جاءت من فلسطين (الشرق الأوسط)

عاد فيلم «محمود درويش: والأرض، كما اللغة» إلى مرحلة مفصلية من حياة صاحبه. درويش عام 1997 ليس شاعر البدايات الذي تكفيه الهوية مادةً للمواجهة، وليس منفيّاً ينتظر فَتْح الطريق. الطريق فُتِح جزئياً، وأمكنه الوصول إلى فلسطين بعد «اتفاق أوسلو» الذي اعترض على صيغته. وصل، ولم يجد في الوصول نهايةً للمنفى. فالإنسان قد يبلغ المكان ولا يستعيد الزمن الذي عاشه فيه.

حيفا وقبرص وتونس وعمّان وباريس والقاهرة وبيروت ورام الله، تُشكّل جغرافيا رجل صار كثير الأمكنة بعدما فَقَدَ بداهة المكان الواحد. المنفى يستقرّ في الداخل. لا تُنهيه تذكرةُ عودة، لأنّ البروة، قريته في الجليل التي خرج منها الطفل، بقيت في ذاكرته على صورة لا يستطيع الرجل استعادتها.

شريف مجدلاني وريما عبد الملك يجمعان أزمنة القصيدة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

وجد درويش في اللغة ما يُبقي صلته بالأرض قائمة بعدما غدت العودة إليها مُحمَّلة بما تغيَّر وفُقِد. ومن المعنى المزدوج لكلمة «بيت»، المنزل وبيت الشِّعر، بَنَت سيمون بيتون وإلياس صنبر جانباً من قراءة الفيلم لعلاقة درويش بالمكان واللغة. المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه. لم تُعوّض اللغة ما ضاعَ، لكنها أبقته بعيداً عن التلاشي ومنحت الذاكرة سبيلاً لمواجهة ما فعله الزمن بالمكان.

درويش الذي أخذ فلسطين إلى أبعد من حدود القضية (الشرق الأوسط)

فلسطين لم تُغادر شِعره، لكنه رفض أن تَستهلك الشِّعر. دخل إليها من الأُم والحبّ والجسد والموت والوحدة والقهوة، حتى صار الفلسطيني في قصيدته إنساناً مُحدّداً، لا صورة معلَّقة على قضية. بذلك أصاب الفيلم في قراءة درويش، رغم أنّ خللاً في وضوح الصوت جعل مُتابعة بعض أجزائه مُرهِقةً، وأضاع شيئاً من حميمية العلاقة التي أرادها بين صوت الشاعر والمُشاهد.

بعده، جاءت قراءات ضنا مخايل وريما عبد الملك وطارق يعقوب وأنطوان غسبار ورائد طيّان، تُرافقها موسيقى جاك اسطفان، لنصوص درويش ورِفعت العرعير ونجوان درويش وسمر عبد الجابر وهند جودة ومصعب أبو توهة ونعمة حسن ورائد طيّان وكريم قطّان وسامر أبو هواش.

أصوات فلسطينية متعدّدة... لكلّ منها جرحها وطريقتها في حمله (الشرق الأوسط)

فَرَضَ الاختلاف في مستويات النصوص نفسه على القراءات. تفاوتت معالجة الصورة الشِّعرية، فبدت بعض النصوص أكثر اشتغالاً عليها، ومالت أخرى إلى القول المباشر.

تبقى هذه المختارات أضيق من أن تختصر مسار الشِّعر الفلسطيني المُعاصر أو تجارب أصحابه. حضور درويش بينها رفع سقف المقارنة من تلقائه. فالشاعر الذي أمضى عقوداً في إبعاد فلسطين عن القول المباشر، جَلَسَ إلى جوار كتابةٍ يولد بعضها على تماس شديد مع الحدث، حتى تبدو الفاجعة أسرع من قدرة اللغة على تحويلها إلى شِعر.

وظهر في القراءات شرخٌ جمالي أكثر من كونه جيلياً. عند درويش، نادراً ما بقي الحدث على حاله داخل القصيدة. كان يأخذه بعيداً حتى يصبح أكبر من اللحظة التي خرج منها. نصوصٌ سمعناها ظلَّت أقرب إلى الحدث، وخصوصاً ما اتصل منها بغزة. قسوة ما جرى تُفسِّر هذه المباشَرة إلى حدّ ما، وتضع الشِّعر أمام مَهمّته الأصعب في العثور على لغته وسط كلّ هذا الألم.

كان الاكتظاظ في سرسق جزءاً من صورة الليلة. امتلأت القاعة وبقي وافدون خارجها بعدما تعذَّر إيجاد مقاعد لهم. فاتهم حدثٌ أثبت جمهوره أنّ الشِّعر لا يزال قادراً على ملء المكان وترك آخرين عند بابه.

مرَّ على رحيل محمود درويش 18 عاماً، ومرَّت على فلسطين خسارات متلاحقة، وجاء شعراء وُلدت تجاربهم في عالم آخر، ومع ذلك لم يتحوَّل أثره إلى ذكرى تُستَعاد في المناسبات. كلّما ابتعد زمنُه، وجدناه ينتظرنا في زمننا.


«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
TT

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»
فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز» (Arab Views)، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات العامة السعودية والسفير الأسبق لدى المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

ويهدف البرنامج، الذي يحمل بالعربية معنى «وجهات نظر عربية»، إلى استضافة شخصيات وأصوات مؤثرة من الشرق الأوسط، إلى جانب خبراء دوليين، لمناقشة أبرز القضايا والتطورات التي تشهدها المنطقة.

ويتناول الأمير تركي الفيصل في الحلقة الأولى عدداً من الملفات الإقليمية، بينها علاقة السعودية بإيران، والحرب في اليمن، إلى جانب قضايا راهنة أخرى، في سياق يستعرض توجهات السياسة السعودية على المدى الطويل ومقاربتها للموازنة بين ضبط النفس والردع.

وقال عباس إن الهدف من «عرب فيوز» هو تقديم «شروحات مطولة وشرح السياق في وقت نحن في أمسّ الحاجة إليه»، في ظل التدفق المتسارع للأخبار العاجلة والمنشورات المقتضبة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأضاف أن البرنامج «سلسلة قصيرة مستقلة» تهدف إلى التكامل مع المحتوى الذي تنتجه «عرب نيوز» يومياً بمختلف لغاتها ومنصاتها وبرامجها.

ووصف عباس البودكاست بأنه «مجرد الخطوة الأولى لمبادرة أوسع بكثير»، مضيفاً: «نؤمن بأنه حان الآن، وربما أكثر من أي وقت مضى، الوقت لأن نُسمع صوتنا للعالم».

وسيتوافر «عرب فيوز» عبر قنوات مستقلة خاصة به، إضافة إلى حسابات «عرب نيوز» على منصات التواصل الاجتماعي وموقعها الإلكتروني وقناتها على «يوتيوب».

كما ستُعرض حلقات مختارة منه باللغة العربية على شاشة «الشرق بلومبرغ» ومنصاتها الرقمية.