أطفال لبنان عرضة لتغيرات سلوكية عدة وسط الحرب... ما أبرزها؟ وكيف تتعامل معها؟

تصاعد القصف الإسرائيلي تسبب في موجة نزوح ضخمة طالت نحو 400 ألف طفل

أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
TT

أطفال لبنان عرضة لتغيرات سلوكية عدة وسط الحرب... ما أبرزها؟ وكيف تتعامل معها؟

أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)
أطفال يتجمعون في أحد المراكز التي تستقبل نازحين بالقرب من صيدا (رويترز)

يعيش أطفال لبنان تحت وطأة القصف الإسرائيلي المتصاعد منذ أكثر من شهر؛ مما أجبر آلاف العائلات على مغادرة منازلهم، خصوصاً من مناطق الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، آملين في إيجاد بلدات آمنة نوعاً ما تؤمن حماية، ولو غير مضمونة، من الصواريخ وكل من يترتب عليها من دمار ومشاهد عنيفة.

ومع تقديرات بنزوح أكثر من مليون و200 ألف شخص في لبنان حتى الآن، بينهم قرابة الـ400 ألف طفل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام»، اليوم (الأربعاء)، بأن هناك حركة نزوح كثيفة من بعلبك في شرق البلاد، بعد إصدار الجيش الإسرائيلي أمراً بالإخلاء.

وذكرت الوكالة أن النازحين يتدفقون من «مدينة بعلبك وبلدتي دورس وعين بورضاي المجاورتين باتجاه طريقي بعلبك-زحلة، وبعلبك-دير الأحمر-عيناتا-الأرز باتجاه الشمال». من جانبه، أوضح رئيس بلدية بعلبك، مصطفى الشل، أن نحو 100 ألف شخص نزحوا من المدينة.

ووسط الحالة الأمنية والنفسية الصعبة للبنانيين، يبرز التأثير الأكبر على الأطفال، خصوصاً مع توقف العام الدراسي لكثير منهم، أي طلاب المدارس الرسمية؛ بسبب تحولها إلى مراكز إيواء، وغياب الأنشطة الترفيهية أيضاً بسبب الأوضاع الحرجة.

أطفال يلعبون داخل مركز تدريب حيث يتم استضافة النازحين وسط الحرب بالقرب من صيدا اللبنانية (رويترز)

وينجم عن كل هذه العوامل تغيرات سلوكية عدة لدى الأطفال، منبعها القلق والخوف، وفقاً لاختصاصية العلاج النفسي والحركي لِيلا بشاشي، التي تختص أيضاً بتدريب وتأهيل الأسرة.

6 تغيرات سلوكية متوقعة

تقول ليلا بشاشي لـ«الشرق الأوسط»، إن من أبرز التغيرات السلوكية التي قد يعانيها الأطفال وسط الحرب والنزوح «ازدياد الخوف، فالطفل قد يُطوّر هاجس يرتبط بمفارقة أهله أو حتى الجلوس بمفرده في غرفة ولو كانت مألوفة، كما أن الأصوات القوية تكون ذات تأثير سلبي عليه، وهذا الخوف يقودنا إلى التغيير السلوكي الثاني البارز، وهو ما يعرف بـ(regression) أو التراجع عن العادات المكتسبة».

وتشرح الاختصاصية النفسية، ومؤسسة مركز «لوتس» للمعالجة والتأهيل الأسري: «يُعبّر الأطفال عن خوفهم عبر تغيير سلوكيات وعادات كانوا قد اكتسبوها مثل النوم بمفردهم أو الدخول إلى الحمام أيضاً دون مساعدة... نرى لدى الكثير من الأطفال اليوم تحوّلاً في هذه السلوكيات... هناك أطفال تنمي عادات سيئة جديدة أيضاً مثل وضع اليد داخل الفم بوصفه طريقة للتعبير عن الشعور بعدم الأمان».

وعن التغيير الثالث في سلوكيات الأطفال التي قد نصادفها، توضح ليلا بشاشي: «تقلّب المزاج من الأمور الأساسية التي يراها الأهل، فمثلاً، يمكننا أن نرى طفلاً يلعب سعيداً، ومن ثم يبدأ بالبكاء بشكل مفاجئ.. يرتبط ذلك بالانزعاج النفسي وعدم الاستقرار، أي العوامل الناجمة عن النزوح أو حالة الحرب ككل».

أطفال فروا من القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان يحضرون ورشة رسم داخل أحد مراكز الإيواء في بيروت (أ.ف.ب)

أما التغيير السلوكي الرابع فهو الانعزال، وعدم الرغبة في ممارسة أي نشاطات خارج المنزل، وتقول ليلا بشاشي، «يُظهر بعض الأطفال حاجة مرتفعة إلى العزلة، وعدم الرغبة في الخروج من المنزل لممارسة أي نشاط، خوفاً على أمنهم وأمن أهلهم، إذ إن الوجود في مكان واحد محدد هو ما يؤمن الراحة النفسية لهم».

بالمقابل، تظهر سلوكيات تناقض العزلة لدى أطفال آخرين، مثل فرط النشاط والحركة. وتضيف ليلا بشاشي: «يُعبّر بعض الأطفال عن الخوف والقلق عن طريق فرط الحركة والنشاط الزائد وعدم الرغبة في الجلوس، وقد تتطور هذه الحالات إلى استخدام العنف أحياناً، مثل رغبة بعض الأطفال في تحطيم الألعاب أو ضرب أخوتهم، بوصفه وسيلة للتنفيس عن الغضب».

أما التغيير السادس والمهم، يرتبط بمشاكل النوم. توضح الأخصائية والمعالجة النفسية أن من أبرز التغيرات السلوكية للأطفال اللبنانيين تظهر في عدم قدرتهم على النوم لأسباب عدة مثل سماع الأخبار برفقة الأهل ومشاهدة صور وفيديوهات صادمة وعنيفة، وتقول: «تراكم الأفكار السلبية خلال أجواء الحرب يمنع الأطفال من النوم السليم، ويتسبب في تغيير جدول وطريقة نومهم. والآثار السيئة تتضاعف طبعاً لدى الأطفال النازحين بسبب عدم وجودهم في غرفهم الخاصة، وأحياناً اضطرارهم إلى الانخراط مع أشخاص جُدد وإجبارهم على التأقلم معهم».

أطفال فروا من القصف الإسرائيلي يحضرون ورشة رسم نظمها متطوعون في مركز إيواء ببيروت (أ.ف.ب)

كيف نتعامل من هذه التغيرات؟

أولاً، تؤكد ليلا بشاشي لـ«الشرق الأوسط» ضرورة مراقبة ما يتابعه أو يسمعه الطفل من أخبار ومشاهد عنيفة، إن كان ذلك عبر التلفاز، أو عبر الهواتف والأجهزة المحمولة الأخرى، لتجنب تخزين المشاعر السلبية.

وتشرح الاختصاصية النفسية: «ثانياً، من المهم أن نشجع الطفل على التواصل مع الآخرين، مثل اللعب مع أولاد الجيران أو التحدث مع الأقارب... وإذا كان الطفل في وضع النزوح، علينا تشجيعه على اللعب مع أطفال آخرين داخل المدارس، وإيجاد نشاطات يمكنهم تنفيذها معاً... يساعد ذلك على تحفيز الطفل وتفريغ طاقاته».

أطفال يتفاعلون مع راوية قصص تزورهم لرفع معنوياتهم ومساعدتهم على التعامل مع صدماتهم في شارع الحمرا ببيروت (رويترز)

وتتابع: «الوسيلة الثالثة التي يجب على الآباء اعتمادها هي محاولة التمتع بالصبر، والتأقلم مع أي تغيرات سلوكية، والتعامل مع الطفل على أساس التفهم الكامل في هذه المرحلة... من الضروري أن نطرح أسئلة عليه ترتبط بأحاسيسه، والتحدث معه بشفافية عنها... على الأهل أن يؤكدوا للطفل أن الشعور بالقلق أمر عادي وطبيعي في ظل هذه الظروف».

أما الوسيلة الرابعة التي تنصح ليلا بشاشي الأهل باتباعها، هي الالتزام بروتين يومي محدد، وتقول «إذا كنا نازحين أم لا، يجب على كل عائلة تخصيص روتين للاستيقاظ وتناول الطعام، وقراءة الكتب، واللعب ووضع لائحة لكل النشاطات اليومية الممكنة، والالتزام بجدول لتحقيقها»، وتؤكد الخبيرة أن ذلك يجعل الطفل يشعر بالأمان والطمأنينة.

ومن هنا، تتطرق ليلا بشاشي إلى وسيلة خامسة للتعامل مع الأطفال، تصفها بأنها ضرورية جداً، وهي ممارسة الهدوء، تشرح الاختصاصية النفسية أنه «من الضروري على الأهل أن يمارسوا الهدوء أمام الأطفال قدر الإمكان، لأن الطفل يتأثر بشكل كبير بمشاعر وتصرفات والديه، فكلما سيطرا على مشاعرهما، خفت تأثيرات الحرب والنزوح على الطفل».

نصيحة «ذهبية» للأهل

في خضم الحالة النفسية المزرية للآباء في لبنان، تنصح ليلا بشاشي الأهل بـ«إعطاء أنفسهم وقتاً مخصصاً للذات».

والنصيحة «الذهبية» التي تقدمها لهم هي «قضاء الوقت عبر اللعب مع الأطفال، والابتعاد عن سماع الأخبار قدر الإمكان، وممارسة نشاطات متنوعة تبعدهم عن أجواء الحرب، مثل مشاهدة فيلم جديد، أو الجلوس مع صديق مقرب، أو ممارسة الرياضة، أو حتى تحضير الطعام المفضل... كل هذه النشاطات تساعد على الترفيه عن الذات».

وتشير ليلا بشاشي إلى أن «مفهوم الـ(me time) أو الوقت المخصص للذات يُعد من الأمور المهمة التي تساعد الأشخاص، خصوصاً الآباء، على مواجهة التحديات ومراكمة الطاقة الإيجابية اللازمة لتحقيق الطمأنينة للأطفال».


مقالات ذات صلة

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

المشرق العربي الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش وهناك مبادرتان أوروبيتان قيد التداول تجري مناقشتهما في الوقت الحاضر لمساندة لبنان عسكرياً ومالياً.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب اللبناني، لم يصوّت «حزب الله» لسحب الثقة منها ولإسقاطها، بل اختار نوابه الانسحاب من القاعة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي «حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

فرضت حرب 2024 وما أعقبها من مواجهات وتحولات ميدانية واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)

ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.


جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً»، والأكثر مشاهدة، للواجهة، وذلك بالتزامن مع إعلان وجودهما ومنافستهما لأول مرة في الماراثون الرمضاني القادم معاً، وكل منهما في صدارة البطولة لمسلسلات تصنف ضمن «الدرامية الشعبية».

وكتب محمد رمضان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه «نمبر وان» في الأجر، و«أنه ليس طماعاً... بل عشماوي»، بينما كرر العوضي تصريحاته بأنه الأعلى أجراً، والأكثر مشاهدة، في عدد من الفعاليات، أبرزها ظهوره في بودكاست «قصتي»، وخلال ندوته في «ملتقى الإعلام العربي» بدبي.

ويشكل «عشماوي» عودة لمحمد رمضان للدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات، انشغل خلالها بالإصدارات الغنائية والأفلام السينمائية، وتحديداً منذ تقديمه مسلسل «جعفر العمدة»، بينما اعتاد أحمد العوضي تصدر البطولة الدرامية الرمضانية بانتظام منذ سنوات، أحدثها سيكون مسلسل «سلطان الديب»، الذي ينافس به في الموسم المقبل.

ويشهد مسلسل «عشماوي»، الذي يجمع بين محمد رمضان، والمخرج بيتر ميمي، لأول مرة، مفاجآت لافتة، أبرزها مشاركة مي عمر، وأيضاً زوجها المخرج محمد سامي، بالتمثيل، بينما يتعاون العوضي مع صناع مسلسلات سابقة له، مثل «على كلاي»، وهما المخرج محمد عبد السلام، والسيناريست محمود حمدان.

بدوره أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، أن «المتاجرة من قبل البعض بكونهم الأعلى أجراً أمر غير صحي بالوسط الفني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «صدارة أي عمل ونجاحه ليس بالضرورة أن ينسب للبطل الأوحد، فهناك أدوار مساعدة وثانية وثانوية، وفريق كامل بالصفوف الخلفية هم العمود الفقري للأحداث وبإمكانهم جذب المشاهد ببساطة بعيداً عن النجم».

وأشار النجار إلى أن هذه التصريحات تزداد انتشاراً في الآونة الأخيرة ويجب الحد منها، مضيفاً: «البطل لا بد وأن يتحدث بفنه وإبداعه وتجسيده ببراعة وإتقان، وعليه أن يترك أمر التصدر للمنصات المتخصصة، وإلا فليظهر الدليل والعقد الذي يثبت أنه الأعلى أجراً، طالما أنه يتحدث بثقة مطلقة».

الفنان المصري أحمد العوضي (حسابه على «فيسبوك»)

وفي سياق معركة الصدارة، التي ظهرت مؤشراتها أخيراً، خاض العوضي بطل فيلم «شمشون ودليلة»، التجربة نفسها مع محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، خلال موسم الصيف السينمائي، فبينما أكد إمام تصدره «شباك التذاكر» وتحقيقه لإيرادات مليونية، أعلن العوضي عن إيرادات ضخمة حصدها فيلمه خلال أسبوع واحد فقط.

واشتعلت المعركة بين العوضي وإمام عبر منشورات «سوشيالية»، شهدت على تدخل نقيب الممثلين أشرف زكي حينها لفض الاشتباك، وطالبهما بحذف كل المنشورات، وقبل ذلك شهد موسم دراما رمضان الماضي منشورات متبادلة بين الفنانتين مي عمر بطلة «الست موناليزا»، وياسمين عبد العزيز بطلة «وننسى اللي كان»، عن التصدر والأكثر مشاهدة، ودخل على خط الأزمة حينها الفنان عمرو سعد الذي نافس بمسلسل «إفراج».

ووصف الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل «الصراع الدائر على الإيرادات والترند والأعلى أجراً بأنه نوع من (الإفلاس الفني) والاستفزاز للمشاهد»، مؤكداً أن «غالبية المسلسلات أصبحت عجينة واحدة، لذلك فالمخرج الوحيد لإثبات الوجود هو الحديث عن ذاتهم وتصدرهم، وبات ملاذهم هو مقولة الأكثر نجاحاً وأجراً بدون دليل مادي يثبت الأمر».

وعن رأيه في ثيمة «البطل الشعبي» في الدراما المصرية حالياً، أكد سمير لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يعرض لا يعبر عن الحارة الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الناس، فالحارة الأصيلة لا تؤوي البلطجي والنصاب والسارق، وما يقدم ويصدر للناس هو صورة وهمية لا تمثل الفن المصري، بل عشوائيات درامية لن تعيش في الذاكرة».

وختاماً طالب الناقد الفني بالتوازن والتنوع في الدراما لعدم إفساد القيم الشعبية من خلال مفاهيم مغلوطة تعرض من أجل «الترند»، لافتاً إلى أن «الفن يقود المجتمع وليس العكس، لأنه الأقوى بإبداعه وفكره»، على حد تعبيره.

Your Premium trial has ended


قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

مع انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس والجامعات المصرية، برزت توجهات رسمية مُشددّة لفرض الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال قرارات تستهدف حماية المعلمين والحفاظ على هيبة المنظومة التعليمية داخل المدارس، أو عبر تطبيق ضوابط خاصة بالمظهر العام للطلاب داخل الجامعات.

وبدأ نحو 4 ملايين طالب وطالبة العام الجامعي الجديد 2026 - 2027، بداية هذا الأسبوع، بالجامعات والمعاهد المصرية، فيما استقبل أكثر من 60 ألف مدرسة بدايةً من الأسبوع الماضي نحو 25 مليون طالب وطالبة بمختلف المراحل.

وفي سياق فرض الانضباط، أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، الاثنين، توجيهات مشددة لجميع المدارس على مستوى الجمهورية بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل لأي طالب يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير المُعلّم داخل المدرسة، بهدف الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، وتوفير بيئة تعليمية منضبطة داخل المؤسسة التعليمية، يمثلان ثوابت أساسية للعملية التعليمية».

كانت واقعة قد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ في إحدى المدارس تتم معاقبته في الطابور ويقدم اعتذاراً لمدرّسته بعد أن صوّرها وهي تشرح في الفصل ونشر المقطع عبر وسائل التواصل مع تعليقات ساخرة.

قيادات جامعة القاهرة في جولات ميدانية بالكليات مع انطلاق العام الجامعي الجديد (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وامتدت محاولات ضبط الإيقاع التعليمي إلى الجامعات، التي شددت على تطبيق ضوابط المظهر العام داخل الحرم الجامعي، حيث أعلنت عن «مدونة سلوك» أو أصدرت تعليمات تحظر ارتداء الملابس الممزقة أو الشفافة أو القصيرة، إلى جانب الشورتات والأحذية المفتوحة وبعض أشكال الإكسسوارات التي لا تتناسب مع البيئة الأكاديمية.

وشهد أول أيام العام الجامعي الجديد عدة وقائع أثارت تفاعلاً، منها منع طالب وطالبة من دخول جامعة بنها بسبب ارتدائهما «بناطيل ممزقة»، كما شهدت الجامعة منع أحد الطلاب من الدخول بسبب انتعاله حذاءً مفتوحاً (شبشب)، ورغم أن الطالب أوضح لأفراد الأمن أنه خضع مؤخراً لعملية جراحية بالقدم، وأن انتعاله هذا الحذاء جاء بناءً على توصية طبية، إلا أن الأمن اشترط تقديم تقرير طبي رسمي يُثبت حالته الصحية، حسبما أفادت به تقارير صحافية محلية.

وجددت هذه الوقائع نقاشاً قديماً ومكرراً بشأن ضوابط «الزي اللائق» وآليات تطبيقها، وسط انقسام بين تأييد موقف الجامعات في وضع قواعد للانضباط والمظهر العام داخلها، وبين معارضين رأوا أن ملابس الطالب لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من حق تلقي التعليم، كما أثار البعض تساؤلات حول وجود أكواد موحدة (dress code) داخل الجامعات تلزم الطلاب بملابس ذات مواصفات محددة.

كانت مصادر بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية قد أكدت في تصريحات صحافية سابقة عدم وجود قانون محدد ينظم ملابس الطلاب داخل الجامعة، من خلال وضع مواصفات محددة للملابس داخل الحرم الجامعى سواء للطلاب أو الطالبات، موضحةً أن الجامعات تتمتع بشخصية مستقلة، وبالتالي يكون لرئيس كل جامعة الحق في تنظيم شؤون الجامعة والحرم الجامعي في جميع الأمور بما فيها الملابس.

ويوضح الخبير التربوي، عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن الجامعات المصرية لا تستند إلى قانون موحد يحدد بصورة تفصيلية شكل الزي المسموح به داخلها، وإنما تعتمد في الغالب على اللوائح الداخلية أو قرارات تنظيمية، مؤكداً أن «غياب كود موحد ومحدد للزي داخل الجامعات، يجعل بعض القرارات خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية عند التطبيق».

طلاب بجامعة بنها داخل إحدى القاعات الدراسية في أول أيام العام الدراسي (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل المتكرر حول هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى وجود إطار أكثر وضوحاً تصدره الجهات المسؤولة عن التعليم العالي»، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي «دريس كود» لن يكون قادراً على تغطية جميع التفاصيل المرتبطة بالأزياء، فالموضة تتطور بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل من الصعب صياغة قواعد تستوعب كل جديد.

ويفسر حجازي تكرار هذه الأزمات مع بداية كل عام دراسي لكونها «تقع في منطقة حساسة بين رؤيتين متباينتين داخل المجتمع، فهناك تيار مُحافظ يرى أن للجامعة الحق في فرض معايير للمظهر، يقابله تيار آخر ينظر إلى مسألة اللباس بوصفها حرية شخصية، وبالتالي يتحول الأمر إلى صراع قيمي يأخذ أبعاداً فلسفية وجدلية كبيرة».

بدورها، تؤكد الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، المنسق العام للبرنامج الوطني لتعزيز الحق في التعليم بمجلس الشباب المصري، أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الدراسي، وإنما يشمل أيضاً غرس قيم والسلوكيات الإيجابية، موضحةً أن «للأسرة دوراً أساسياً في ذلك، سواء بتعليم الأبناء الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي واحترام خصوصية الآخرين، وكذلك التدخل والتوجيه فيما يرتدونه داخل الجامعة».

وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «توجيهات معاقبة تصوير المعلم داخل المدرسة تأتي في توقيت مهم، في ظل انتشار بعض الممارسات التي تستهدف السخرية من المعلمين وتصويرهم ونشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، مشددةً على أن «احترام المعلم والحفاظ على كرامته من أساسيات الانضباط داخل المدرسة».

كما تبيّن أن «الحفاظ على هيبة المؤسسة التعليمية لا يتعارض مع احترام حق الطالب في اختيار ملابسه»، لافتةً في الوقت نفسه إلى أن مخالفة ضوابط المظهر يجب أن يكون لها عقوبات متدرجة وفق لائحة واضحة ومعلنة.