متحف ديترويت يركّز على تجربة تناول الطعام الإسلامية

في محاولة للتواصل مع المجتمع العربي الأميركي الكبير

جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
TT

متحف ديترويت يركّز على تجربة تناول الطعام الإسلامية

جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)
جزء تفاعلي من «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام في العالم الإسلامي» في معهد ديترويت للفنون (نيويورك تايمز)

عرض «معهد ديترويت للفنون» حصته من مجموعة المعارض الضخمة، مسلطاً الضوء على رسامين، مثل فان غوخ ورامبرانت وكذلك التحفة الفنية التي يفتخر بها المعهد، الجداريات التي تصوّر صناعة السيارات، والتي أنجزها الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا، عام 1933.

وفي الآونة الأخيرة، نظّم المعهد جولات للآلاف من تلاميذ المدارس في المنطقة، وعرض أفلاماً كلاسيكية ومستقلة في مسرحه، وأطلق أحد أول مراكز الفن الأميركي الأفريقي في البلاد، على نحوٍ يليق بمدينة ذات أغلبية من السكان أصحاب البشرة الداكنة.

ومع ذلك، لم يركّز المعهد قط على فئة سكانية كبيرة أخرى تعيش في فنائه الخلفي: المجتمع العربي الأميركي المتجذّر بعمق في المنطقة، الذي يقال إنه من أكبر الجاليات بالبلاد، بجذور تعود إلى سبعينات القرن الـ19.

حاوية المياه هي جزء من المعرض (نيويورك تايمز)

هذا الخريف، تغيّر هذا الوضع، ففي 22 من سبتمبر (أيلول)، افتتح المتحف معرض «فن تناول الطعام: ثقافة الطعام بالعالم الإسلامي». ويستمر المعرض حتى 5 يناير (كانون الثاني)، ويجمع 230 عملاً من الشرق الأوسط ومصر ووسط وجنوب آسيا. ويستكشف المعرض الروابط بين الفن والطعام من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر.

في هذا الصدد، قال سلفادور سالورت بونس، الذي تولى رئاسة المتحف منذ عام 2015: «إنها محاولة من جانبنا للتواصل مع المجتمع العربي - الأميركي».

وحسب الأرقام، تقدر أعداد السكان الأميركيين من أصول عربية حول ديترويت بنحو من 300.000 إلى 350.000 نسمة، وفقاً لموقع «عرب أميركا» الإلكتروني. وبطبيعة الحال، لا ينتمي جميع هؤلاء إلى الإسلام. وقد بدأت الموجة الأولى من المستوطنين العرب الأميركيين في الوصول إلى هناك من سوريا ولبنان، قبل تأسيس المتحف عام 1885.

وبعد ذلك، توالت موجات أخرى من المهاجرين من اليمن وفلسطين والأردن ومصر والعراق وإيران على امتداد القرن العشرين، وانضم المهاجرون إلى آخرين قادمين من شتّى أنحاء العالم للعمل في مصانع السيارات. وتركز كثيرون منهم في ديربورن، المجاورة لديترويت. ومنذ ذلك الحين، توسعوا باتجاه الغرب إلى ضواحي مثل ديربورن هايتس وكانتون، فضلاً عن هامترامك؛ منطقة معزولة في ديترويت.

طاولة وسط أحد الأروقة مغطاة بغطاء مطرز يُعرف باسم السفرة (نيويورك تايمز)

من ناحية أخرى، طُليت المعارض باللون الأزرق الغامق، وتزيينها بتصاميم ذهبية معقدة، لتردد بذلك أصداء الشبكات التي تغطي النوافذ الموجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وبدلاً من عرض مجموعة من الفنون الجميلة، يهدف معرض «فن تناول الطعام» إلى ربط التقاليد الثقافية بالممارسات الحالية، مثل تناول الطعام الجماعي، وخدمة القهوة، واللباس المناسب للعشاء وغسل اليدين.

وسط إحدى الصالات، توجد طاولة كبيرة مستديرة منخفضة، فوقها غطاء مطرز بشكل متقن، وتعرف بالعربية باسم سفرة. على الطاولة، عدد من القوائم الورقية وقطع من خبز «البيتا»، وما يبدو كأنه أطباق عشاء كبيرة، لكنها في واقع الأمر شاشات تُعرض عليها عناصر مختلفة من قوائم الطعام.

وتمثل السفرة موضوع أحد أقدم الأعمال في المعرض، وهي لوحة مائية إيرانية بالحبر والذهب على الورق، تسمى «مشهد مأدبة مع هرمز»، من مخطوطة يرجع تاريخها إلى ما بين عامي 1485 إلى عام 1495. وبالمثل، صُوّر مشهد عشاء في قطعة إيرانية أخرى، تحمل اسم «رجل عجوز وشاب وامرأة في نزهة»، وتعود إلى منتصف القرن الـ17.

وعبر مختلف جنبات المعرض، توجد شتّى أنواع أدوات تقديم الطعام، بما في ذلك الأباريق المستخدمة لصب الماء لغسل اليدين، والأوعية المصنوعة من الخزف وتمتاز بألوان غنية. بجانب ذلك، توجد كتب طبخ تحتوي على وصفات تقليدية تُحدّث لتناسب الأذواق بالوقت الحاضر، ويمكن الحصول عليها عبر رمز الاستجابة السريعة (كيو آر كود).

رموز الاستجابة السريعة منتشرة في جميع أنحاء المعرض (نيويورك تايمز)

ويحتوي أحد الصناديق الطويلة على ملابس فاخرة، مثل الفساتين الطويلة والسترات والملابس الداخلية، وتعكس ما قد يرتديه المرء لدى حضوره مأدبة، في حين توجد قطع تقديم القهوة الفضية اللامعة بالجوار. وتنتمي هذه المعروضات المثيرة إلى مختلف جنبات العالم الإسلامي، من إسبانيا ودول الشرق الأوسط إلى أفريقيا والهند وجنوب آسيا.

من جهتها، شرحت كاثرين كاسدورف، الأمينة المساعدة للمتحف لشؤون الفنون في آسيا والعالم الإسلامي، التي أشرفت على المعرض: «إن الطعام ومتعة تناوله ظاهرة عالمية».

وقد يخلق هذا الثراء انطباعاً بأن المعرض يعكس حياة النخبة المسلمة. في الواقع، عندما أقيم المعرض، في الأصل، من قبل متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، كان اسمه «تناول الطعام مع السلطان: فن الاحتفال».

عام 2021، تواصل مسؤولو متحف مقاطعة لوس أنجليس مع نظرائهم في معهد ديترويت للفنون لمعرفة ما إذا كانوا يرغبون في استضافة المعرض.

وعن ذلك، قال سالورت بونس: «رأينا أنه سيكون من الرائع لنا أن نقيم المعرض، بالنظر إلى أن لدينا أحد أكثر المجتمعات العربية الأميركية حيوية في البلاد».

ونظراً لأنه لم يسبق للمتحف تنظيم معرض يحمل طابعاً إسلامياً، حرص مسؤولو ديترويت على استطلاع آراء القادة المحليين بهذا الخصوص للتعرف على آرائهم.

اللافت أن رموز الاستجابة السريعة كانت منتشرة في جميع أنحاء المعرض؛ حيث يمكن للزوّار العثور على مزيد من المعلومات، مثل الوصفات ومقاطع فيديو الطبخ.

من جهتها، كانت ديانا أبو علي، مديرة المتحف الوطني العربي الأميركي في ديربورن، من بين أولئك الذين اقترحوا تغيير عنوان المعرض - الأمر الذي يحدث كثيراً، عندما تنتقل العروض بين متاحف مختلفة، حسبما أوضح سالورت بونس - خشية أن يثير العنوان القديم نفور سكان المنطقة.

ومع أن المجتمع العربي الأميركي في المنطقة مزدهر، حيث تعج شوارع في ديربورن بالمطاعم والشركات الصغيرة والمكاتب المهنية المملوكة لأميركيين من أصول عربية، فإنه ليس راسخاً داخل الضواحي الأقدم والأكثر ثراءً في منطقة ديترويت. إلا أنه بمرور الوقت، تحوّلت ديربورن والضواحي القريبة إلى مركز لتناول الطعام المحلي المبتكر، الذي نال تقديراً وجوائز من مؤسسة جيمس بيرد. وظهرت في الشوارع المقاهي المملوكة لأصحابها اليمنيين، بالإضافة إلى المخابز وأماكن الشواء ومحلات السوبر ماركت التي تتميز بالأطعمة المستوردة والفواكه والخضراوات واللحوم الحلال.

فيلم الرسوم المتحركة «خيط من نور بين أصابع أمي والجنة» للفنان العراقي صادق كويش الفراجي (نيويورك تايمز)

في هذا السياق، قال رئيس بلدية ديربورن، عبد الله حمود، 34 عاماً، وهو من محبي الطعام في مدينته، إنه متحمس لفرصة تقديم المشورة لساليورت بونس وكاسدورف حول طرق جعل المعرض أكثر ارتباطاً بالمجتمع المحلي.

وقال إنه عندما كان وزوجته يتواعدان، كانا غالباً ما يتجولان في المعارض ويحضران فعّاليات في المتحف. واختتم حمود كلامه بقوله: «أشيد بهما لسعيهما للتواصل».

ومن المعتقد أن مساعدته قيّمة؛ لأن المعرض مشروع مُكلِف لديترويت. وقدّر سالورت بونس تكلفة تنظيمه بالملايين، ويأمل القائمون على المتحف في جذب ما يصل إلى 100.000 زائر في أثناء فترة العرض.

جدير بالذكر أن معرض «فان غوخ في أميركا»، الذي اختتم أعماله في يناير (كانون الثاني) 2023، اجتذب 250.000 زائر.

وفي سياق متصل، خطط المتحف لتنظيم أسابيع من الفعاليات حول معرض الطعام، هذا الخريف، بما في ذلك عقد مناقشات حول الأعمال الفنية والتقاليد الثقافية لتناول الطعام. وفي يوم الافتتاح، عرض المتحف مناقشة بين أبو علي والفنان العراقي المتعدد الوسائط صادق كويش الفراجي، الذي عُرض فيلمه المتحرك «خيط من النور بين أصابع أمي والسماء» على جدار المعرض النهائي.

وخُصّص الفيلم للمعرض، وهو يستكشف بشكل مؤثر ذكريات الفراجي عن والدته، والخبز الذي كانت تعدّه في المنزل، واجتماع أفراد الأسرة لتناول الطعام، في مسقط رأسه بغداد.

وبصرف النظر عن الذكريات، ينطوي الوقت الراهن على تعقيدات واضحة، فيما يخص تقديم أي شيء مرتبط بالعالم العربي. كانت ديربورن مركزاً للاحتجاجات على الحرب التي استمرت عاماً في غزة. وتجوب المظاهرات الكبيرة والصغيرة بشكل مستمر شوارع المنطقة، علاوة على جهود مكثفة لجمع التبرعات للجمعيات الخيرية الفلسطينية واللبنانية.

في هذا الصدد، قال سالورت بونس إن المعرض كان قيد الإعداد قبل فترة طويلة من اشتعال الصراع في الشرق الأوسط، «ونحن نتفهم أن الوضع صعب». وعندما سُئِل عمّا إذا كان يعتقد أن المتحف قد ينخرط في المناقشة الدائرة حول الحرب، أجاب: «لا أعرف المستقبل».

إلا أنه عبّر عن رغبته في أن يطّلع سكان ديربورن، وغيرهم من أفراد المجتمع العربي الأميركي المحلي، على جهود المتحف. وأضاف: «نريد إشراك المجتمع، والتأكد من شعور الناس بأن المتحف موجود من أجلهم ويعكس ثقافتهم».

خدمة: نيويورك تايمز*


مقالات ذات صلة

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية سارة العبدلي في معرض «مهد الأسطورة» (حافظ غاليري)

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

تظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحول بأثر مَن عاشوه ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)
في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)
TT

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)
في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)

في «مدارس الفلاح» بجدة التاريخية، حيث تعلّمت أجيال كتابة حروفها الأولى، تُكتب سيرة المدينة من جديد؛ هذه المرة بلغة الفن. هنا تفتتح الفنانة السعودية سارة العبدلي معرضها «مهد الأسطورة»، في تجربة تنبش طبقات جدة العميقة، وتعيد صياغتها بوصفها ذاكرةً حيّةً تتشكَّل بين ما يُروى وما يُعاش، بين الحكاية المتوارثة والتجربة الشخصية.

في هذا الفضاء المثقل بالذاكرة، لا يبدو المعرض استعادةً للمكان بقدر ما هو امتداد طبيعي لمسار فني طويل ظلَّ مشغولاً بسؤال الهوية. تنطلق العبدلي من علاقتها المتجذرة بالمدينة، حيث يتداخل الانتماء مع التجريد، وتتحوَّل جدة إلى مادة فنية تُقرأ وتُعاد كتابتها في آن. داخل هذا السياق، تتقاطع التجربة الذاتية مع السرديات الجمعية، لتظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحوُّل بأثر مَن عاشوه، ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.

في معرض «مهد الأسطورة» بجدة (حافظ غاليري)

داخل المعرض، تتنوع الأعمال بين الرسم والطباعة والنسيج، في تجربة بصرية تقوم على التكثيف والتجريد. غير أنَّ هذا التنوع لم يكن خالياً من التحديات، إذ تقول سارة العبدلي لـ«الشرق الأوسط»: «إن التحدي الأكبر هو دمج كل تلك العناصر المختلفة ضمن رؤية واحدة، في عملية تبدأ بتعدد الأفكار قبل أن تنحصر تدريجياً في مجموعة مختارة من الأعمال».

ولا ينفصل هذا الاشتغال عن المكان، حيث يكتسب موقع «مدارس الفلاح» حضوره بوصفه جزءاً من التجربة نفسها. فالمبنى، الذي يعدُّ من أقدم المدارس النظامية في جدة، شكَّل نقطة تحوُّل في تاريخ التعليم بالمدينة، وأسهم في صياغة وعيها الاجتماعي والثقافي، ليبقى حتى اليوم أحد أبرز رموز الذاكرة الجمعية. هذا البُعد التاريخي يفتح المعرض على طبقات إضافية من المعنى، حيث تتجاور الحكايات التعليمية مع السرديات الفنية في فضاء واحد.

الفنانة سارة العبدلي (حافظ غاليري)

وترى العبدلي أنَّ الموقع يتجاوز كونه مساحة عرض، قائلة: «مكانته الرمزية جزء من حوار عميق تفتعله الأعمال الفنية». وتضيف أنَّ «المعرض يستهل مفهوم الأسطورة عبر أعمال تتناول مرقد أمنا حواء، وسبب تسمية مدينة جدة، في استحضار لبدايات الحكاية التي لا تزال حاضرةً في الوعي الجمعي».

غير أنَّ «مهد الأسطورة» لا يكتفي بالعودة إلى الروايات المتوارثة، بل ينطلق أيضاً من تجربة شخصية شكَّلت نقطة تحوّل في نظرة الفنانة إلى المدينة. تقول العبدلي: «الذاكرة الشخصية هي وقود كل الأعمال»، مشيرة إلى أنَّ فقد والدها، وارتباطه بالدفن في موقع يُنسب إلى أمنا حواء، فتحا أمامها أسئلةً حول تاريخ الموت في جدة والحجاز، والطقوس المرتبطة به، والفارق بين الحقيقة التاريخية والأسطورة.

من هنا، بدأت جدة تظهر في أعمال العبدلي بوصفها أكثر من مكان؛ بوصفها مدينةً حاضنةً، وملاذاً للمرتحلين عبر الأزمنة. توضح: «دفعتني هذه التجربة لأن أرى جدة من منظور الأم الحاضنة، وأيضاً كتلك المدينة التي تمثّل مأوى للمرتحلين... فهي إما مقصد أو بوابة للعبور».

جدة تظهر في أعمال العبدلي بوصفها أكثر من مكان مدينةً حاضنةً وملاذاً للمرتحلين عبر الأزمنة (حافظ غاليري)

تنعكس هذه الرؤية في أعمال تحمل إشارات شخصية خفية، من بينها «صمود العنقاء» الذي يستعيد تفاصيل من منزل جدها، وما يرتبط به من إحساس بالفقد، إلى جانب مجموعة «احترق بيتي ولم يبق منه سوى أسطورة»، التي تعود إلى بدايات علاقتها بجدة التاريخية، وما شهدته من تحولات وغياب لبيوت كانت جزءاً من الذاكرة.

تتنوع الأعمال بين الرسم والطباعة والنسيج (حافظ غاليري)

ويمتد هذا الاشتغال إلى مستوى الحرفة، من خلال تعاونات مع حرفيِّين، من بينهم مختصون في فن الخيامية من القاهرة. تجربة تصفها بأنَّها «محفوفة بالمخاطر، ولكنها تكللت بالنجاح»، لما أتاحته من حوار بين خبرة الحرفي ورؤية الفنان، في تلاقٍ يعيد طرح الحرفة بوصفها حاملاً للذاكرة الثقافية.

ورغم كل هذه الطبقات، فإَّن العبدلي تختزل تجربة المعرض في شعور واحد، تختصره في كلمة واحدة، وهي «الانتماء». شعور يبدو حاضراً في كل تفصيلة، من اختيار المكان إلى طبيعة الأعمال، حيث تعود جدة لتُروَى من جديد، لا بوصفها حكايةً منتهيةً، بل بوصفها ذاكرةً مفتوحةً.


محطات وعوائق واجهت تنفيذ فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون

جعفر جاكسون يتقمص أسلوب عمه الشهير في فيلم «مايكل» (ليونزعيت - أ.ب)
جعفر جاكسون يتقمص أسلوب عمه الشهير في فيلم «مايكل» (ليونزعيت - أ.ب)
TT

محطات وعوائق واجهت تنفيذ فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون

جعفر جاكسون يتقمص أسلوب عمه الشهير في فيلم «مايكل» (ليونزعيت - أ.ب)
جعفر جاكسون يتقمص أسلوب عمه الشهير في فيلم «مايكل» (ليونزعيت - أ.ب)

«دعونا نحتفل برمز!»

هكذا جاء في دعوة العرض الأول لفيلم «مايكل» ​​في لوس أنجليس، وهو فيلم يتناول حياة مايكل جاكسون حتى عام 1988، قبل ظهور أول اتهامات التحرش بالأطفال. لبّى العديد من الحضور البالغ عددهم 3000 شخص (بمن فيهم عائلة جاكسون) الدعوة بكل سرور حضروا فعالية يوم الاثنين مرتدين قبعات «فيدورا» وملابس مرصعة بالترتر، وغنوا مع الفيلم أغنيتي «بيلي جين» و«باد». خلال عدة مشاهد، كان الهتاف داخل القاعة عالياً لدرجة أنه طغى على حوار الفيلم. كانت لحظة تسويقية مُتقنة، لكن القرار النهائي سيكون للجمهور. هل هم مستعدون للاحتفال بجاكسون أيضاً؟

كانت المراجعات قاسية للغاية. (لا يُمكن أخذه على محمل الجد. منفصل عن الواقع. سطحي بشكل مُحبط) ومع ذلك، فإن التوقعات لإيرادات شباك التذاكر خيالية. يُعرض الفيلم في دور السينما، ليلة الخميس، وهو من إنتاج نفس منتج فيلم «Bohemian Rhapsody»، الفيلم الذي يتناول سيرة «فرقة كوين»، الذي حقق 911 مليون دولار أميركي عالمياً عام 2018، أو ما يقارب 1.2 مليار دولار أميركي بعد تعديلها وفقاً للتضخم.

إليكم ما تحتاجون معرفته:

كولمان دومينغو في دور جو والد مايكل جاكسون في لقطة من «مايكل» (أ.ب)

عمل على الفيلم نخبة من فناني السينما

في العرض الأول، يوم الاثنين، حدد المنتج الرئيسي غراهام كينغ تاريخ بدء المشروع في عام 2019. كان قد انتهى لتوه من إنتاج فيلم «Bohemian Rhapsody»، وحقق نجاحاً باهراً، ما أدى إلى تدفق عروض أخرى لإنتاج أفلام سيرة ذاتية. قرر كينغ تناول حياة جاكسون بالتعاون مع ورثته. (توفي جاكسون عن عمر يناهز الخمسين عاماً في عام 2009 نتيجة تسمم حاد بالبروبوفول).

كان كينغ، الحائز على جائزة «الأوسكار» عام 2007، عن إنتاج فيلم «The Departed»، يعلم أن الاستوديوهات ستتردد في إنتاج الفيلم. فرغم أن جاكسون ظل نجماً لامعاً، فإنه كان أيضاً شخصية مثيرة للجدل، ويعود ذلك جزئياً إلى فيلم «Leaving Neverland»، وهو فيلم وثائقي من إنتاج «HBO» عام 2019، روى فيه رجلان ما وصفاه بأنه سنوات من الاعتداء الجنسي من قبل جاكسون عندما كانا صبيين. (اتهم ورثة جاكسون الرجال بالكذب ورفعت دعوى قضائية ضد (HBO)، مما أدى إلى إزالة الفيلم الوثائقي من خدمة البث المباشر الخاصة بها).

جعفر جاكسون وأول بطولة

كان العثور على الممثل المناسب لتجسيد شخصية جاكسون في شبابه أمراً صعباً. بحث صناع الفيلم عن ممثلين من بين ما يقارب 200، واستقروا في النهاية على ابن شقيق جاكسون، جعفر، الذي كان يخوض تجربة التمثيل لأول مرة. (بفضل المكياج وتصفيف الشعر، أصبح نسخة طبق الأصل من عمه).

ابن شقيق جاكسون جعفر تحول بفضل المكياج وتصفيف الشعر لنسخة طبق الأصل من عمه (ليونزغيت - أ.ب)

جانيت جاكسون رفضت المشاركة في الفيلم

طلب كينغ من أشقاء جاكسون الباقين على قيد الحياة (توفي تيتو عام 2024) الإذن بتصويرهم في الفيلم. لكن كانت هناك معارضةٌ واحدةٌ مهمة: جانيت جاكسون. أسبابها غير معروفة، ولم يردّ المتحدث باسمها على طلب التعليق. ما هو حلّ الفيلم؟ كأنها لم تكن موجودة قط. لم يُذكر اسمها ولو لمرة واحدة. «أتمنى لو كان الجميع في الفيلم»، هكذا صرّحت لا تويا جاكسون، شقيقة مايكل، لمجلة «فارايتي» في العرض الأول. «لقد اعتذرت بلطف، لذا علينا احترام رغبتها». تظهر لا تويا في الفيلم، كما أنها حصلت على لقب منتجة تنفيذية.

ومن جانبهم أيد ابنا جاكسون، برينس وبيجي (المعروف سابقاً باسم بلانكيت)، فيلم «مايكل»، أما ابنته باريس، فلم تفعل. في مقطع فيديو نشرته على «إنستغرام» في سبتمبر (أيلول)، قالت إن ملحوظاتها حول ما اعتبرته «غير نزيه» في نسخة مبكرة من السيناريو رُفضت. وأضافت في الفيديو: «جزء كبير من الفيلم يُرضي فئة محددة جداً من مُعجبي والدي الذين ما زالوا يعيشون في عالم الخيال».

جعفر جاكسون يتقمص أسلوب عمه الشهير في فيلم «مايكل» (ليونزعيت - أ.ب)

أكبر استوديوهات هوليوود رفضت المشروع

رفض مسؤولو كبرى استوديوهات هوليوود، المخرج ستيفن كينغ؛ قالوا إن فيلم «مايكل» ​​محفوف بالمخاطر، حتى مع وجود فريق إبداعي متميز. رأى مسؤولو الاستديوهات الكبرى أن «مايكل» ​​قد يكون من نوع الأفلام التي تُثير استياء النخب الثقافية في هوليوود وتُشجع الجماهير - موضوع يعتبره النخبة الثقافية ساماً، لكن رواد السينما العاديين لو أتيحت لهم الفرصة، سيحولونه إلى فيلم ناجح.

ربما كانت الاستوديوهات الأخرى تُقلل من شأن التأثير العاطفي الذي سيُثيره رواد السينما الأكبر سناً عند تذكرهم ألبومات جاكسون الأولى. وربما تستطيع الرسالة التسويقية المناسبة - شاب يحمل حلماً - جذب المراهقين.

هنا أبدى استوديو صغير، «ليونزغيت»، موافقة على إنتاج فيلم «مايكل» ​​مقابل 150 مليون دولار. وكالمتبع بيعت حقوق الإنتاج في الخارج لتقليل المخاطر. دفعت شركة «يونيفرسال» حوالي 75 مليون دولار أميركي لتوزيع فيلم «مايكل» ​​خارج أميركا الشمالية، باستثناء اليابان، حيث دفعت شركة «كينو فيلمز» مبلغاً ضخماً مقابل حقوق التوزيع. الخلاصة: تشير تقديرات المحللين إلى أن شركة «ليونزغيت» تحتاج إلى أن يحقق فيلم «مايكل» ​​إيرادات محلية لا تتجاوز 150 مليون دولار أميركي لتحقيق أرباح مجزية.

ركزت الحملة التسويقية على البهجة والاحتفال

قدّمت شركة «Lionsgate» فيلم «Michael» تحيةً سينمائيةً طال انتظارها لعبقري فني. بغض النظر عن رأيك في تراجعه في أواخر حياته، فإن تأثيره على الموسيقى والأزياء والرقص والثقافة الشعبية لا يُمكن المبالغة فيه أو إنكاره، كما أكد طاقم العمل مراراً وتكراراً في مقابلات صحافية.

لقطة من فيلم «مايكل» (ليونزغيت - أ.ب)

هذا ليس فيلماً كئيباً، هل فهمت؟

انتشرت العديد من الحملات التسويقية المبهجة على نطاق واسع، بما في ذلك حملة عُرفت باسم «امشِ بطريقة مشية القمر» التي اشتهر بتقديمها مايكل جاكسون. استولى الراقصون على ممرات المشاة الرئيسية في نيويورك ولوس أنجليس، وقاموا بأداء حركة جاكسون الشهيرة «الانزلاق للخلف»، مُشجعين المعجبين على «استبدال هذه الحركة بمشيتهم». في المجمل، أنفقت «Lionsgate» أكثر من 50 مليون دولار على حملتها التسويقية المحلية.

لقطة من فيلم «مايكل» (آي إم دي بي)

توقعات بأن يحقق فيلم «مايكل» ​​نجاحاً ساحقاً

استناداً إلى مبيعات التذاكر المسبقة واستطلاعات الرأي التي ترصد اهتمام رواد السينما، من المتوقع أن يحقق فيلم «مايكل» ​​ما لا يقل عن 70 مليون دولار أميركي في دور العرض بأميركا الشمالية من الخميس إلى الأحد. ومن المتوقع أن يحقق الفيلم ​​نجاحاً هائلاً في الخارج. ويقول المحللون إنه قد يحقق 100 مليون دولار أميركي في اليابان وحدها.

ما مدى تأثير المراجعات السلبية على الإيرادات؟ على الأرجح لن يكون التأثير كبيراً. فقد حظي فيلم «بوهيميان رابسودي» بتقييمات «سيئة» على موقع «روتن توميتوز» خلال معظم فترة عرضه، ولم يكترث الجمهور بذلك. وانتهى به الأمر بتحقيق 217 مليون دولار أميركي في أميركا الشمالية وحدها (أو 289 مليون دولار أميركي بقيمة اليوم). بل إن موجة الانتقادات السلبية من النقاد قد تفيد الفيلم، وفقاً لأصحاب دور العرض الذين أشاروا إلى ارتفاع حاد في مبيعات التذاكر منذ صباح الثلاثاء، حين بدأت المراجعات بالظهور، مما أثار ردود فعل غاضبة من المعجبين على منصات التواصل الاجتماعي.

مايكل جاكسون طفلاً في فريق «جاكسون 5» (آي إم دي بي)

هل سيكون هناك جزء ثانٍ؟

تكتّمت شركة «Lionsgate» بشأن جزء آخر، قائلةً إنها ستتخذ قراراً بشأن فيلم أو أفلام لاحقة في الأسابيع المقبلة. لكن من الواضح أن الاستوديو سيواصل سلسلة أفلام جاكسون: «مايكل» ​​هو الجزء الأول. تظهر عبارة «قصته مستمرة» على الشاشة في نهاية فيلم «مايكل». ويمكن استخدام ما يقارب 30 في المائة من المشاهد المحذوفة من «مايكل» ​​في جزء ثانٍ، وفقاً لأشخاص مشاركين في الإنتاج. وقد تم بالفعل إعداد مخطط تفصيلي للقصة، أو ما يُعرف بـ«مخطط القصة»، للجزء الثاني.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
TT

«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)
حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)

قال النحّات البريطاني مالكولم كورلي إنّ متعة عمله تكمن في عدم معرفته بما سيصنعه في الأسبوع التالي، في إشارة إلى طبيعته الإبداعية المتجدّدة.

وبدأت قصته بصنع عدد محدود من المجسَّمات الحيوانية لتزيين حدائق جيرانه في منطقة بريدجتاون بمدينة توتنِس، قبل أن تتحوّل الفكرة إلى ظاهرة فنّية امتدَّت في أنحاء جنوب ديفون وخارجها.

ووفق «بي بي سي»، يُقدّر كورلي أنه أنجز ووضع نحو 300 مجسم لحيوانات غريبة وشخصيات من كتب الأطفال، في مواقع متنوّعة، تتراوح بين المكتبات والمدارس، وصولاً إلى مجسمات عائمة على الأنهر.

وسرعان ما انتشر الطلب على المشاركة في «سفاري بريدجتاون»، حيث باتت مواقف الحافلات المحلّية تشير إلى مواقع يمكن للأطفال فيها رصد هذه الحيوانات، سواء أعلى الأشجار أو مختبئة بين الشجيرات أو متدلّية من حواف النوافذ.

ورغم بلوغه الـ87 عاماً، يواصل كورلي نشاطه الفني بعد تقاعده منذ سنوات طويلة من عمله في مجال تصنيع المعادن بمدينة بريستول. وبعد 4 عقود من العمل اليدوي، سعى إلى مواصلة الإبداع عقب انتقاله إلى توتنِس إثر خضوعه لجراحة في القلب.

ويُبدي كورلي شغفاً بالحيوانات المفترسة الكبيرة، ورغم أنه لم يشارك يوماً في رحلة سفاري، فإن أول عمل صنعه لنفسه كان مجسَّماً لفهد يستلقي على شجرة تطلّ على حديقته. وتعتمد معظم أعماله على مواد مُعاد تدويرها.

وبعدما عثر على لوح بلاستيكي في حاوية نفايات أحد جيرانه، عرض استبداله بمنحوتة، ومن هنا وُلدت فكرة «سفاري بريدجتاون».

وقال: «صنعت لهم مهراً، ثم حصلوا لاحقاً على حمار وحشي. وطلبت جارة أخرى زرافة تخليداً لذكرى زوجها الراحل. ومن هناك بدأت الفكرة تنتشر في الشارع».

وسرعان ما تحوَّلت توتنِس إلى ما يشبه «حديقة حيوان»، وامتدت شعبية هذه الأعمال إلى البلدات والقرى المجاورة، مع ازدياد الطلب على مخلوقات أكثر غرابة من سكان مناطق مثل سالكومب ودارتماوث وستوك غابرييل وتوركواي.

ولكل شخص حيوانه المفضّل، في حين وُضعت بعض أكثر الأعمال إبداعاً في أماكن غير تقليدية.

ويقول كورلي إنّ بعض المجسَّمات مرتفعة جداً، ممّا يجعل صيانتها أمراً صعباً، مشيراً إلى أنّ «من أفضلها مجموعة النمور في بيري بوميروي، لكنها بدأت تبدو باهتة الآن، ولا أستطيع الصعود إلى الشجرة لتجديد طلائها».

وقبل البدء بأي عمل، يوضح كورلي أنه يدرس أولاً موقع وضع المنحوتة، قائلاً: «أطلب من أصحاب المنازل صورة لواجهة منزلهم، ثم أستخدم برنامجاً للتصميم لإدراج صورة الحيوان المطلوب، كي أريهم كيف سيبدو الشكل النهائي».

وغالباً ما يضع كورلي المجسَّمات لتبدو كأنها تخرج من بين الشجيرات أو تتدلى من الأشجار، مضيفاً: «جزء من المتعة يكمن في محاولة العثور عليها».

وتُعد ترودي هيدفورد واحدة من جيران كورلي الذين يملكون أعمالاً عدّة له في حدائقهم؛ إذ صنع لها مجسَّماً لطاووس ليكون هدية لوالدتها. وقالت: «إنه أمر رائع، ففي فصل الصيف يأتي الأطفال ويقفون أمامه لالتقاط الصور».

كما أصبحت أعمال كورلي جزءاً من جولات الحافلات السياحية المكشوفة «راوند روبن».

وأضافت ترودي: «عندما تنزل الحافلة من التل، نسمع عبر مكبّر الصوت: على يمينكم باندا تأكل عشب البامباس، وهذا أمر طريف جداً».

وتابعت: «هناك جولة تمرّ بجميع الحيوانات هنا، وهو أمر ممتع، حتى أنهم يُدرجونها ضمن محطات الحافلات».

وتُعرض هذه المنحوتات مجاناً؛ إذ يتلقّى كورلي أحياناً تبرّعات من الطلاء والمواد، لكنه يطلب فقط أن يقدّم الأشخاص تبرّعات مباشرة إلى أي جهة خيرية يختارونها، وفق إمكاناتهم.

ولا يعرف كورلي حجم المبالغ التي جُمعت، لكن السكان المحلّيين يعتقدون أنها بلغت آلافاً على مرّ السنوات.

ويظلّ مرسمه في مرأب منزله ببريدجتاون خلية نحل من النشاط؛ إذ يعمل على مشاريع عدّة في وقت واحد. وتعود بعض المجسَّمات للصيانة، بينما تُنجز أعمال جديدة يومياً، ممّا يجعل مسار المنحوتات في حالة تطوّر مستمر.

ومن أحدث أعماله: طائر «أويستر كاتشر» كان متّجهاً إلى كندا، وشخصية «إيور» التي تحتاج إلى إصلاح بعد تعرضها لعاصفة، وفهد بالحجم الطبيعي، وكلب من فصيلة «جاك راسل»، وجميعها في مراحل مختلفة من الإنجاز.

أما مشروعه الكبير المقبل، فهو لمصلحة «دارتينغتون هول»، حيث طُلب منه تنفيذ 3 مجسَّمات لحيوانات، من بينها أيل أبيض.

ويختم كورلي: «الأمر كلّه يتعلق بمكان وضع المنحوتة، فهذا ما يجعل التجربة أكثر متعة».