«المهم نروح المشوار» للتخلص من ضغط الحرب

المشي في الطبيعة مستمر إيماناً بالوطن

المشي من أجل الوطن (مواقع التواصل)
المشي من أجل الوطن (مواقع التواصل)
TT

«المهم نروح المشوار» للتخلص من ضغط الحرب

المشي من أجل الوطن (مواقع التواصل)
المشي من أجل الوطن (مواقع التواصل)

واحدة من الرسائل الصوتية اللطيفة التي تصلك على هاتفك، والقصف يطال نصف لبنان، والضحايا يتساقطون على مدار النهار، من زياد خير الله، صاحب مكاتب «فلاديمير للسفر».

تقول الرسالة بصوت متحمس: «بعدما حققناه الأسبوع الماضي في زيارتنا لمنطقة لم تكونوا تعرفونها، نكرر التجربة، الأحد المقبل، بنهار كامل إلى منطقة جديدة، لا تزال بعيدة، عن كل التوترات». ويكمل الصوت: «سنكون في منطقة حلوة، وطبيعة رائعة، ونزور أماكن روحية وثقافية وسياحية، مع لقمة طيبة، نقضي يوماً من العمر، بعيداً عن التشنجات والتوترات. احجزوا أماكنكم». وتنتهي الرسالة بصوت رونزا يصدح بأغنيتها الشهيرة: «مش مهم لوين نروح، المهم نروح المشوار». هكذا يترك خير الله اسم الوجهة معلقة، ولا يعلن عنها.

زياد خير الله يقرّر الوجهة في اللحظة الأخيرة وتبعاً للوضع الأمني (مواقع التواصل)

يشرح زياد خير الله لـ«الشرق الأوسط» أنه وجدها طريقة مبتكرة، يتغلب فيها على أي عائق يمكن أن يفاجئه في اللحظة الأخيرة. يعلن عن «مشوار» كما يقول، لكنه لا يحدّد الوجهة، ومع ذلك، يحجز البعض أماكنهم ويسيرون معه وهم لا يعرفون إلى أين. «أضع في حسباني، مسبقاً ثلاث خطط ممكنة، لثلاث وجهات مختلفة، فإذا ما صار قصف على الوجهة الأولى، نتوجه في الصباح مع المجموعة إلى الوجهة الثانية، وإذا ما تعذّرت الوجهتان، تكون عندي خطة ثالثة بديلة».

الوجهة مجهولة... لكن

رُوّاد خير الله سعداء، ولا يشتكون من طريقته. «أطلب إليهم ما إن يصعدوا إلى الباص، أن يقفلوا جوالاتهم، وينقطعوا عن الأخبار، ليريحوا بالهم، ونستمتع جميعنا بأغنيات وطنية تتناسب والجو العام، قبل أن نصل إلى الموقع الذي اخترناه للمشي في الطبيعة ونعرّج على الأماكن التي قررنا زيارتها».

من جولات فلاديمير للسفر خلال الحرب (مواقع التواصل)

المشي في الطبيعة نوع من المقاومة

ليس خير الله وحده، من بين منظمي الرّحلات السياحية، ورياضة المشي في الطبيعة، هو الذي يواصل عمله، ويجتذب الراغبين في الخروج من كآبتهم. مارك عون صاحب جمعية «فاموس تودوس» يخبر «الشرق الأوسط» أنه لم يتوقف، عن تنظيم رحلات المشي، لمجموعات، ترغب في ألا تحبس نفسها في دائرة مظلمة «إنه نوع من المقاومة والتشبّث بالأرض والحياة، وإصرار على الاستمرار. لا نستطيع أن نستسلم، ولا أن نقطع الأوكسجين عن الناس». وكذلك هي حال ميلاد دياب مطر، صاحب مجموعة «هايكينج فور إيفر» الذي علّق عمله لأسبوعين، لكنه عاد ليُعلن عن مشاوير جديدة، وقد لحظ أن الحرب طويلة، ولا فائدة من البقاء في البيت، ما دام أن الخروج لا يزال ممكناً. «الحامي هو الله. ونحن نسير في الطبيعة، ولا أعتقد أنهم سيستهدفوننا ونحن نسير بين الشجر. أنا لا أسمع الأخبار وأعيش حياة بسيطة، وأحاول أن أكمل حياتي. وأعتقد أن النجاح لا يأتي إلا من القدرة على الاستمرار. التوقف ليس في مصلحة أحد».

إحدى المغامرات الأخيرة لمجموعة «هايكينج فورافر ليبانون» (مواقع التواصل)

هذه المجموعات التي اعتادت السير في الطبيعة على مدار السنة، أصبحت واحدة من أهم النشاطات في السنوات الأخيرة، ولها أقطابها ومُنظّموها وعشاقها ومدمنوها. لكن عدد الراغبين في مواصلة المشي رغم القصف ينخفض بعض الشيء. كان بينهم أجانب سافروا، ولبنانيون غادروا أيضاً، وثمّة من لا يسعفه مزاجه، وبينهم من هجروا بيوتهم، وغيَّروا مناطق سكنهم، ولم يعد بمقدورهم الالتحاق بالأصدقاء.

امشِ ولو وحدك...

«عندما لا أجد من أسير معه، أمشي وحدي» يخبرنا ميلاد دياب مطر، «من 24 سنة وأنا أقوم بهذا العمل، وهو هوايتي المفضلة. بدأت المشي عندما كنت منخرطاً في الجيش اللبناني، ومن ثَمّ صرت أسير منفرداً 12 كلم كل يوم، خلال ساعتين، وبعد ذلك بِتُّ أمشي مع صديقتي، وعندما تزوجنا وأنجبنا أولاداً صرنا نمشي جميعنا معاً».

زياد خير الله أثناء إحدى جولاته في الطبيعة (مواقع التواصل)

يصرّ مطر على اصطحاب مجموعات في نزهات بالطبيعة مهما صعبت الظروف، «ليس من أجل المال، بل لأنني أحب ما أفعله، وأجده مفيداً، لا، بل وضرورياً». هذا رأيّ كل الذين لا يزالون يمارسون هذه الرياضة.

الولادة في الحرب

وهو رأي مارك عون مؤسس «فاموس تودوس»: «نحن الجمعية ومشروع وُلِدْنا من قلب الحرب. فأثناء القصف في عام 2006، قضينا وقتنا في اكتشاف المسارات الجبلية، والمشي في الطبيعة. حينها ضربوا كل شيء الجسور والطرقات، وجدنا أنه بقيت لنا تلك المسالك الطبيعية التي كنا نكتشفها. وبعد توقف الحرب مباشرة في 17 سبتمبر (أيلول) أطلقنا مشروعنا بشكل رسمي؛ لهذا نؤمن أن العمل يجب أن يستمر». هذه العبارة الأخيرة هي التي تتردد على الألسن.

زياد خير الله أثناء إحدى جولاته في الطبيعة (مواقع التواصل)

عون الذي جاب لبنان من شماله إلى جنوبه سيراً على الأقدام، يفضّل أن يُحدّد المكان مسبقاً، ويعرّف من يسيرون معه إلى أين يتوجهون. يبعث برسائل تؤكد «سنبقى نسير ما دام هناك أماكن آمنة نستطيع أن نرتادها». يختار منطقة قريبة، ليتفادى المفاجآت. «مع أنه لا مكان آمن في نهاية المطاف. فلا أحد يعرف أيّ منطقة ستُقصف ولا في أي وقت». ويروي عون: «عندما قصفت سيارة في جونيه كنت مع مجموعة متوجهين شمالاً على الجهة الثانية من الخط السريع، لكننا أكملنا مشوارنا كما هو مخطط له، وعلمنا من الأخبار بعد ذلك، تفاصيل الحادثة».

إغاثة الشركاء في المناطق الخطرة

عون الذي يستعين بأدلّاء محليين في رحلاته التي ينظمها إلى المناطق، وتربطه صلات قوية بعائلات تستقبل المجموعات التي تسير معه في منازلها في كل أنحاء لبنان، يجد أن من واجبه الأخلاقي، أن يكون إلى جانب هؤلاء الأصدقاء في الجنوب والبقاع الذين عمل معهم لسنوات طويلة. «هذا أيضاً جزء من إيماننا بوطننا وشعبنا. لذلك أخذنا على عاتقنا، أن نشتري المُؤن لأصدقائنا الذين بقوا في الجنوب، ونرسلها بين الحين والآخر بالتعاون مع الجيش اللبناني والقوى الدولية».

تسلّق الجبال من أجل الوطن (مواقع التواصل)

إلى لبنان وخارجه

يبدأ عون قريباً بتنظيم ورشات عمل مع ديالا عيتاني، المنخرطة في الجمعية، واعتادت المشي مع مجموعاته، وهي اختصاصية في علم النفس، لعقد جلسات، قد «نتمكن خلالها من إفادة من يشعر بالأرق والتوتر بمساعدته في التخفيف عن نفسه والمحيطين به». ويضيف: «ما يهمّ هو أن نكون مفيدين في مثل هذه الظروف. فأنا مع مبدأ إذا ساعدت شخصاً واحداً، تكون قد حققت شيئاً ذا قيمة».

خير الله إضافة إلى أنشطته اللبنانية، لا يزال ينظم رحلات سياحية إلى سوريا، رغم المخاطر على الطرقات، وقصف إحدى النقاط الحدودية. فهو يستخدم ممراً حدودياً لا يزال سالماً. أما رحلاته السياحية إلى الأردن، فقد تحوّلت رحلات إلى مطار عالية الدولي في عمّان، حيث تقلّ باصاته الذين لم يجدوا حجزاً من لبنان للمغادرة عن طريق الأردن.

وتبقى الكلمة السّر التي يؤكد عليها الجميع: «لا بد من الاستمرار مهما كانت الظروف».


مقالات ذات صلة

ثعلب يتحدَّى الذئاب: افتراسٌ يُوثَّق للمرَّة الأولى

يوميات الشرق انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)

ثعلب يتحدَّى الذئاب: افتراسٌ يُوثَّق للمرَّة الأولى

في واقعة تُعدُّ الأولى من نوعها علمياً، وثَّق باحثون سلوكاً غير مسبوق لثعلب أحمر يفترس جروَ ذئب...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)

كنز غارق في بحر إيجه... قطعة من «البارثينون» تُظهر بعد قرنين

أعلنت السلطات اليونانية أنّ غواصين عثروا على «كنز رخامي» يُرجَّح أنه نُقل من معبد البارثينون، وذلك ضمن بقايا حطام سفينة ترقد في أعماق بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)

حفل موسيقي بعنوان «للبنان» دعماً لمتضرري الحرب

مبادرة «للبنان» هي محاولة لمواجهة شعور العجز لدى اللبنانيين في الاغتراب، عبر تحويل الفن إلى وسيلة دعم إنساني للمتضرّرين من الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دورًا حاسمًا في جعل أجواء العمل أكثر ودية (رويترز)

ما أفضل توقيت لإلقاء النكات في العمل؟

كشفت دراسة حديثة أن توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دوراً حاسماً في إثارة تفاعل الزملاء وجعل أجواء العمل أكثر ودية وإيجابية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق نجاحات السوق تدفع بالشخصية نحو تجربة سينمائية (رويترز)

بعد اجتياحها الأسواق... «لابوبو» إلى السينما

أعلنت شركة الألعاب الصينية «بوب مارت»، بالتعاون مع «سوني بيكتشرز»، أنّ دمى «لابوبو» ذات الشعبية الواسعة ستخوض قريباً تجربة السينما، عبر فيلم روائي طويل خاص بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.