«جوكر: مجنونان»... حكاية رجل يبحث عمن يكون

يريدونه مهرجاً فقط ولا أحد يناديه باسمه

واكيم فينكس وليدي غاغا في مشهد استعراضي (وورنر)
واكيم فينكس وليدي غاغا في مشهد استعراضي (وورنر)
TT

«جوكر: مجنونان»... حكاية رجل يبحث عمن يكون

واكيم فينكس وليدي غاغا في مشهد استعراضي (وورنر)
واكيم فينكس وليدي غاغا في مشهد استعراضي (وورنر)

‫أحد الأسباب التي لم تساعد «جوكر: مجنونان» على إنجاز ما حققه الجزء الأول من حكاية آرثر فلَك من نجاح (أنجز الفيلم لحين كتابة هذه الكلمات 155 مليون دولار عالمياً من أصل ميزانية بلغت 200 مليون دولار) يعود إلى أن الرغبة في مفاجأة الجمهور به لم تلعب الدور المنشود بل عكسه.

على عكس معظم مقدّمات (تريلرز) أفلام اليوم، لم تسرد المقدّمة الترويجية لهذا الجزء الثاني من «جوكر» الحكاية على أي نحو متسلسل. لا يمكن معرفة شيء عن الحكاية ذاتها كيف تبدأ أو تتطوّر أو تنتهي. ذلك التريلر الأول الذي تم نشره في مطلع شهر أبريل (نيسان) من العام الحالي، أوحى بأجواء الفيلم الأول ضمن قصّة مختلفة لا تخلو، هذه المرّة، من حب وعاطفة ومن غناء واستعراض ومن حكم وتوق للحرية، لكنها لم تُشر مطلقاً إلى حقيقة أن معظم الأحداث ستقع في السجن وأن هناك عدداً كبيراً من الأغاني الاستعراضية التي سيحتويها الفيلم.

هو «تريلر» مختلف وجيد التكوين لكنه مخادع أيضاً. حال تم عرض الفيلم في الدورة الأخيرة من مهرجان ڤنيسيا (سبتمبر/أيلول) حتى تبيّن للحاضرين أن الفيلم حمل أكثر من مفاجأة تجعله مختلفاً عن الجزء الأول منه. في الرابع من هذا الشهر انتقلت هذه المفاجآت إلى جمهور اعتقد أنه سيشاهد فيلماً أكثر ارتباطاً بسابقه. ربما فيلم يلتقي فيه جوكر بغريمه باتمان، أو فيلم ينضح بالمزيد من مواقف عنف مجنونة، أو حكاية دخول جوكر السجن (نهاية الفيلم الأول) وسرعة هروبه منه بعد فترة قصيرة.

أما أن تمضي معظم أحداث الفيلم في سجن، ويبدو جوكر فيها مهزوماً معظم الوقت فهذا لم يكن متوقعاً ولا المقدّمات اللاحقة وشت به. وما كان متوقعاً كذلك أن يصدح جوكر مغنياً ويستعرض موهبته في الرقص. هذا كان غريباً ويحتاج إلى مراجعة أعمق قليل من الجمهور السائد يقوم بها مكتفياً بالجاهز من المشاهد ومعانيها المباشرة.

جوكر الهارب

«جوكر: مجنونان» دراما حزينة عن رجل يحاول أن ينجو من حبل المشنقة. نتعرّف عليه في السجن وهو يمارس ضبط النفس والامتثال لتعليمات وقوانين السجن بكل صبر وقبول. يبدو سجيناً مثالياً طيّعاً وودوداً.

«هل لديك نكتة اليوم؟» يسأله أكثر من واحد. بعضهم من النزلاء الآخرين وبعضهم من الحرس. في النصف الأول من الفيلم لا يبخل جوكر على أحد. يُضحك ويَضحك. يبدو كما لو تحوّل إلى مهرج مسالم. شخصية طوّعها القانون وواجهت حقيقة حياة بديلة لتلك السابقة منذ أن ترك حرية الحياة خارج السجن ومعها شخصيّته الجانحة.

خلال هذا النصف الأول يتطلع المرء إلى أن يكشف جوكر عن وجهه الحقيقي فإذا به يخطط للهرب من السجن وممارسة ما كان يمارسه في الفيلم الأول من جرائم، لكنه لا يفعل ذلك إلا في متن النصف الثاني من الفيلم عندما تساعده معشوقته هارلي (ليدي غاغا) فتنسف جدار المحكمة التي كان جوكر يحضرها. سيهرب بالفعل. يركض في الشوارع بوجهه الملوّن مسافات طويلة. يركض سعياً لامتلاك زمام حياته وشخصيّته من جديد. إنه حب الانعتاق. توق لبداية جديدة قد لا يقدر عليها. في أفضل الأحوال، يفعل كل ما يفعله رجل مهدد بحكم الإعدام تُتاح له فرصة الهرب من السجن فيهرب.

‫ واكيم فينكس في «جوكر: مجنونان» (وورنر)

ما زال جوكر هنا رجلا يبحث عن هويّته الفعلية. يحاول إقناع المحكمة بأنه يُعاني من عضال نفسي وأنه ليس في الواقع الشخص الذي ارتكب تلك الجرائم. لكنه، وفي إطار هذا البحث، يدرك أنه ليس ما يدّعيه. كلتا وجهتي الهوية، الشيزوفرانيا إن وُجدت، حسب فرويد أو - غالباً - من دونه، والرغبة الحثيثة للانتقام من المجتمع، مرتبطتان كتوأمين ولدا ملتصقين.

جلاد وضحية

هذه الشخصية المعقّدة (برهنت على عقدتها في الفيلم السابق) التي تبدو لحين كما لو أنها تراجعت عن أفعالها حكم القضاء لها أو عليها، ثم ترتد إلى الجوهر الخاص بها الذي نشأت عليه، ما كان لها أن تُهيمن على المشاهدين لولا موهبة أداء فريدة لواكيم فينكس. فريدة لأنه لا يفسّر الشخصية على حال واحد بل ينتقل بها في أشكال واتجاهات مختلفة بالقدرة ذاتها على التشخيص والتجسيد والخداع وبالمستوى ذاته من الليونة وإحكام القبضة على الحركة والإيماءة والكلمة.

الجوكر، في الفيلم السابق، كان شرّاً يعاني من فقدان الخير من حوله. ضحية مجتمعية وجلاد في وقت واحد. في الفيلم الجديد يحافظ على الوجه الأول ويغيب، بفعل السيناريو الموضوع، عن الجزء الثاني. لذا، فبعد هربه من السجن لفترة قصيرة، يعود بعدما ألقي القبض عليه. جوكر هنا أوهن من أن يُجيد الهرب. لا نراه يهرب كفاية، بل يجلس على أدراج جسر قصير مستسلماً. مرّغ السجن وجهه وذاته واستقوى عليه نازعاً عنه قدراته البدنية التي ارتبطت بشروره النفسية أيما ارتباط في الجزء الأول. بعد إلقاء القبض عليه، يُضرب ويُغتصب. هذا عالم جديد عليه، انحدار نحو الهوّة كما لو أنه بات يدرك في نفسه أن ما صنع شخصيّته المخيفة لم يعد متوفراً. جديد عليه كما على مشاهدين يريدون بطلاً منتصراً شريراً كان أم لا.

جوكر بعد إلقاء القبض عليه (وورنر)

طواعية فينكس الأدائية لا تُمس. بدنياً ما زال مثل دمية بلاستيكية تلتوي كيفما يُراد لها بفارق أنها تحمل روحاً تمكنها من تجسيد الشكل الذي تريد. هذا هو واكيم فينكس الذي يجسّد الشكل الذي يريد أكثر مما فعل أي من جوكرات الأمس (بينهم جاك نيكولسن البارع في ترجمات أخرى للشخصية). إنه تجسيد رائع لشخصية ظهرت لكي تُكره في الأساس مقابل باتمان كبطل يمثّل الخير. الممثلون الآخرون عكسوا ذلك الجانب وحده. فينكس يمنحه، تبعاً لإدارة وكتابة ذكية من المخرج تود فيليبس، الجانب الإنساني المغلّف بجانب غير إنساني.

لكن الحركة البدنية ليست كل ما على فينكس أن يجيد، بل كذلك الروح التي تسكنها. هناك طواعية مشابهة وبل ملتحمة بالحركة البدنية تجعل من فينكس يمثّل على مستويين متلاصقين.

مأساة رجل يبحث

دخول هيلاري في حياته إيماناً منها به، يُفيد في منح الفيلم عاطفة كان الجوكر محروماً منها بعد وفاة أمّه، كما يُفيد في مشاهد الغناء والاستعراض. هي بموهبتها الغنائية أولاً، وهو بمواهبه جميعاً التي بات الغناء هنا من عناصرها. هي تؤمن به وحين تغني، منفردة أو معه، تنجح في منح الفيلم بعداً استعراضياً وعاطفياً مهمّاً. لكن العاطفة الصادرة عنها هي عشق لبطلها بينما العاطفة المنبثقة عن جوكر ليست بالضرورة مشابهة أو على ذات القدر من العلاقة. هي مشغولة به وهو مشغول بما يعنيه التوق للحرية.

هذا التوق يدفعه لصرف محاميّته (كاثرين كينر) حين المرافعة والترافع عن نفسه. إنها فرصة مزدوجة، واحدة لآرثر فلَك/ جوكر للظهور على محطات التلفزيون بالطريقة التي اشتهر بها أمام جمهوره وأخرى للمخرج تود فيليبس ليرفع قبعته مرّة ثانية لفيلم مارتن سكورسيزي King of Comedy («ملك الكوميديا»، 1982).

الفقرات الموسيقية لا تجعل هذا الفيلم «ميوزيكال». لذلك النوع عناصر تأليفية مختلفة. هو دراما تستخدم الموسيقى والغناء كمواصلة للحدث الماثل ولاستكمال رسم الشخصية الأولى. الجانب السلبي في كثرتها أنها تضر الفيلم ولا تنفعه كونه ليس فيلماً موسيقياً من ناحية وكونها تؤخر فعل الجذب لما يدور. بعض تلك الاستعراضات رائع وأفضل من أخرى من دون أن ننسى أن المخرج فيليبس ليس مخرج أفلام استعراضية مثل روب مارشال («شيكاغو»، 2002) أو ڤنسنت مينيللي (الذي نرى في مطلع الفيلم ملصقاً لفيلمه The Band Wagon («عربة الفرقة»، 1952).

الفيلم هو في الأساس وعلى نحو شبه مطلق تراجيديا. هو عن مأساة رجل يريده الآخرون أن يكون جوكر فقط. أن يكون جوكر ولو مكبّلاً. يريدون ذلك الوجه منه. ذلك الوجه وحده. والخيط المهم، وغير الملحوظ، هو أن لا أحد في الفيلم يناديه باسمه: آرثر، ولا حتى هيلاري. هذا جزء من الصورة المأسوية التي يتناولها «جوكر: مجنونان» المعبّرة عن رجل يريد العودة إلى حياة افتقدها وإلى إنسان لم يتح له معايشته جيداً... لكن لا أحد آخر يرغب له ذلك.


مقالات ذات صلة

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناةَ الغربة... وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة.

فيفيان حداد (بيروت)

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير (كانون الأول) الحالي، وبعد ما حققته البعثات الأثرية المصرية من إنجازات تمثلت في اكتشافات بمواقع أثرية متعددة خلال الأعوام الماضية، إلى جانب البعثات المشتركة بين المؤسسات المصرية والأجنبية؛ تُثار تساؤلات حول إمكانية أن يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات، ذلك المجال الذي اشتهر منذ بداياته بجهود العلماء الأجانب.

ويعمل في مصر نحو 350 بعثة أثرية مصرية وأجنبية، وفق ما ذكره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، في محاضرة علمية واكبت إقامة معرض أثري مصري مؤقت بهونغ كونغ في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتعمل هذه البعثات في أماكن محددة وفق اتفاقيات التعاون الدولي المنعقدة بهذا الصدد بين جامعات ومؤسسات علمية أجنبية وبين المجلس الأعلى للآثار في مصر، وبعضها يعمل بالشراكة مع بعثات مصرية من الجامعات أو المؤسسات المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

البعثات الأثرية المصرية حققت اكتشافات في مواقع عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير الآثاري المصري حسين عبد البصير أنه «بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثاريين المصريين حققوا إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟».

وبينما أكد عبد البصير أن «الساحة الأثرية المصرية شهدت سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خصوصاً في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونا الجبل، وسيناء والبحر الأحمر، وهي اكتشافات جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد»، فإنه رأى أن «تفوق البعثات الأجنبية تاريخياً لم يكن ناتجاً عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجياً، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين».

وشهدت السنوات الأخيرة أكثر من كشف أثري قامت به بعثات مصرية من بينها الكشف عن بقايا تحصينات عسكرية، ووحدات سكنية للجنود، وخندق يشير إلى إمكانية وجود قلعة أخرى بموقع تل أبو صيفي بمنطقة آثار شمال سيناء في 2025، والكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة الـ20، ومجموعة من المقابر الجماعية والفردية من العصور اليونانية الرومانية والعصر المتأخر بمنطقة المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية وكذلك اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة في سقارة عام 2023 أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط آدمية وحيوانية من عصر الأسرة الـ30 والعصر البطلمي.

ويؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، أنه لا يوجد موقع أثري في مصر إلا وبه بعثة أثرية مصرية، وهو أمر له كل التقدير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد البعثات الأثرية الأجنبية نحو 250 بعثة، وجهودها مقدرة ومعتبرة لما تقوم به من نشاط مميز وكذلك النشر العلمي في الدوريات الدولية الكبرى حول الحفريات المصرية»، مشيراً إلى أن تلك البعثات الأجنبية «تقدم خدمة دعائية لمصر في الخارج بالنشر العلمي وغيره، كما أن علم المصريات موجود في الجامعات الكبرى حول العالم وليس حصراً على مصر، وبالتالي وجود هذه البعثات من دول متعددة يتسق وعالمية علم المصريات ويؤكد على قوة الحضور المصرية أثرياً وعلمياً في التراث العالمي».

من اكتشافات البعثات المصرية (وزارة السياحة والآثار)

وإن كان العالم الآثاري رفض فكرة أخذ زمام المبادرة للآثاريين المصريين في الحفريات من الأجانب، فإنه أشاد بالجهود التي تقوم بها البعثات المصرية في كل المواقع الأثرية، سواء بشكل منفرد أو بالشراكة مع البعثات الأجنبية.

ومن بين البعثات الأجنبية التي تعمل في مصر بعثات من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، في مواقع متعددة مثل دهشور، وسقارة، والأقصر، وأسوان، والفيوم، وتونا الجبل بالمنيا. وفق تصريحات للخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه البعثات تعمل على نفقتها الشخصية وبأحدث تقنيات علمية للحفر والرفع المساحي والآثاري وتسجيل وتوثيق الآثار ونشرها نشراً علمياً بالدوريات العالمية ومن خلال إشراف مفتشي الآثار على أعمالها».

ورغم ذلك، وفق ريحان، «فهناك تقدم هائل في عمل البعثات المصرية نتيجة التدريب مع البعثات الأجنبية ودورات التدريب الميدانية بالمجلس الأعلى للآثار التي خرّجت جيلاً مؤهلاً للعمل وخبرات من الآثاريين مع وجود عدد كبير من الآثاريين بالمجلس مؤهلين لتوثيق وتسجيل هذه الآثار ونشرها نشراً علمياً».

واستشهد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بعدة اكتشافات للبعثات المصرية من بينها كشف البعثة المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة الدكتور زاهي حواس للآثار والتراث برئاسته، خلال 2025 عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ابن الملك «أوسر كاف» أول ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وذلك أثناء أعمال البعثة بمنطقة سقارة الأثرية.

كما تمكنت البعثة المصرية العاملة بمنطقة منقباد بمنطقة آثار أسيوط من الكشف عن مبنى من الطوب اللبن يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الميلادي.


شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده»، الذي شاركه في بطولته أشرف عبد الباقي، واحتفل صنّاعه بإطلاقه في عرض خاص أقيم بالقاهرة، مساء الثلاثاء، وسط حضور عدد من نجوم الفن الذين حرصوا على مساندته في تجربته الأولى بالبطولة، ومن بينهم شقيقه، والمنتج محمد حفظي.

الفيلم الذي تدور أحداثه في أقل من 18 دقيقة شارك فيه الملحن إيهاب عبد الواحد، ومن إخراج محمد ربيع، وجرى طرحه على «يوتيوب»، بالتزامن مع إقامة العرض الخاص له.

وينتمي الفيلم لنوعية الأفلام الغنائية الاستعراضية، وتدور الأحداث حول شاب يجد نفسه فجأة أمام منعطف حاد يقلب موازين حياته رأساً على عقب، حيث تتراكم الأسئلة والشكوك وتضيق الدائرة من حوله، فلا يجد من يقف إلى جانبه سوى شخص واحد يمد له يد العون في لحظة فارقة.

أحد الملصقات الترويجية للفيلم (الشركة المنتجة)

وهذا الدعم البسيط في ظاهره يتحول إلى نقطة تحول عميقة، تدفعه إلى إعادة النظر في اختياراته ومخاوفه ورغبته في النجاة من حالة التيه التي يعيشها، في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول المشاعر إلى إيقاع وصورة وحركة.

وقال محمود ماجد، مؤلف وبطل الفيلم، إن فكرة العمل بدأت منذ عام 2020، حين كتبها في البداية بوصفها فيلماً تقليدياً، مدفوعاً بحلمه القديم بتقديم فيلم موسيقي، لكن بعد مراجعة النسخة الأولى شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، وأن تحويل الفكرة إلى عمل غنائي قد يجعلها أكثر بساطة في الوصول إلى الجمهور، وأكثر انسجاماً مع الأجواء الخيالية والكرتونية التي تقوم عليها الفكرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «عرضت الفكرة على المخرج محمد ربيع، الذي كان لديه هو الآخر رغبة في تقديم عمل موسيقي، قبل أن تبدأ المناقشات مع محمد نوار وإيهاب عبد الواحد لوضع التصور النهائي للعمل»، مرجعاً فترة التحضير الطويلة للفيلم إلى «طبيعة المشروع الخاصة، وتصميمهم على تنفيذ الفيلم في قالب موسيقي، رغم أنه لم يكن يجيد الغناء في البداية، ما دفعه إلى خوض تدريبات مكثفة على الغناء».

ولفت إلى أن أول نسخة قام بتسجيلها لم تكن مُرضية بالنسبة له على الإطلاق، فقرر التوقف وتعلم الغناء بشكل جاد. كما أثرت تداعيات جائحة «كورونا» في وتيرة العمل، إلى جانب الحرص على توفير إنتاج جيد يليق بصورة الفيلم النهائية.

أشرف عبد الباقي على ملصق ترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنه كان يرى الفنان أشرف عبد الباقي مناسباً لدور الكاهن، وكان يتخيل ملامحه وحضوره في الشخصية منذ البداية، مؤكداً أن «اللقاء الذي جمعنا للمرة الأولى استمر قرابة نصف ساعة، قدمنا خلاله عرضاً كاملاً للفكرة، وكانت الأغنية جاهزة بالفعل، وحين استمع إليها أبدى تعاوناً كبيراً وتعاملاً مريحاً شجع فريق العمل على المضي قدماً بثقة».

وأكد محمود ماجد أن هدفه الأكبر هو التمثيل، وأن حلمه بالوقوف أمام الكاميرا يرافقه منذ الطفولة، وأوضح: «مشاركتي في هذا الفيلم تمثل خطوة مهمة في تحقيق هذا الحلم، لكن لا مجال للمقارنة بيني وبين شقيقي هشام ماجد الذي سبقني بسنوات».

وأشاد الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، بإقامة صناع الفيلم عرضاً خاصاً له، عادّاً هذه الخطوة «تمثل دفعة إيجابية مهمة تسهم في إنعاش حركة الأفلام القصيرة ومنحها مساحة أكبر من الاهتمام والانتشار، إلى جانب وجود الممثل أشرف عبد الباقي الذي منح العمل أحد مصادر قوته الإضافية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام الموسيقية، وهي نوعية نادرة ومحدودة الحضور داخل السينما المصرية، مما يجعل خوضها حتى في إطار فيلم قصير خطوة مشجعة وقابلة للتطوير لاحقاً في أعمال أطول وأكثر اتساعاً»، معتبراً أن «تقديم القصة التي تحمل طابعاً فانتازياً منح العمل مسحة تأملية ورمزية واضحة».

وأكد الناقد الفني أن «عناصر الفيلم مجتمعة جاءت جيدة إلى حد كبير من حيث الفكرة والتنفيذ والمشاركة الفنية، إلا أن الملاحظة الأساسية التي يسجلها تتمثل في غياب العمق الدرامي الكافي، وعدم اكتمال البناء الدرامي والتأسيس النفسي للشخصيات بالشكل الذي يخلق حالة من التشويق، أو يدفع المتفرج إلى فهم دوافع الشخصية الرئيسية والتماهي معها بصورة أعمق».


«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
TT

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

في التراث الفني العالمي تحتل أعمال الرسام الهولندي رمبرانت مكانة وحدها، تكفي مجموعة الصور الشخصية (البورتريه) التي رسمها وسجل بها مراحل عمره وعُدَّت سيرة ذاتية فريدة من نوعها، وغيرها من البورتريهات واللوحات التي لا تزال تجذب الزوار أينما عرضت.

وللمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة، إحدى أهم المجموعات الخاصة في العالم للفن الهولندي والفلمنكي من القرن السابع عشر. اللوحة تصور رسماً مقرباً لشبل جالس نفذه رمبرانت في القرن الـ17. لا يعرف أين ولا حتى كيف صادف الفنان هذا الشبل، ولكن ما يكفي لأي عاشق لفنه هو التفاصيل التي التقطتها عينا الفنان وسجلها في لوحة صغيرة الحجم. وستعرض اللوحة للبيع في مزاد أعمال الأساتذة بدار سوذبيز بنيويورك في 4 فبراير.

اللوحة هي أهم رسمة لرامبرانت تُعرض في مزاد علني منذ 50 عاماً وتُقدّر قيمتها بما بين 15 و20 مليون دولار.

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

بالنسبة لغريغوري روبنستين، الرئيس العالمي لقسم رسومات الأساتذة القدامى في «سوذبيز»، فالرسم يعبر عن عبقرية رمبرانت الفنية وقدرته على «الغوص في أعماق موضوعه، سواء أكان إنساناً أم مخلوقاً من عالم الطبيعة، وتتجلى هذه الحساسية بوضوح في هذه الدراسة الحميمة بشكل لافت». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تتميز اللوحة بحيوية وقرب شديدين، وكأننا ننظر من فوق كتف الفنان. هنا، ينبض الأسد، الذي رُسم من الواقع ببراعة وطاقة استثنائيتين، بالحياة في كل ضربة فرشاة».

ولكن للشبل الصغير رحلة أخيرة قبل أن يعرض في نيويورك، فاللوحة ستعرض في الرياض يومي 24 - 25 يناير (كانون الثاني) الحالي مسجلة المرة الأولى التي تقدم فيها الدار لوحة من أعمال كبار الفنانين في السعودية.

تصف الدار اللوحة بأنها «صغيرة وحميمية» وربما ذلك يعود لقرب الشبل الصغير من الناظر ولوضعه الذي يوحي بالاسترخاء، ولكنه لا يستبعد الوثوب المفاجئ.

تطل لوحة الشبل الصغير على السعودية وتجد هناك صلات عميقة وقديمة مع صور من الحياة البرية فيها، مثل مقبرة الأسود الدادانية في العلا، وأيضاً تنسجم مع حرص المملكة على حماية الحياة البرية وهي مهمة تبنتها الهيئة الملكية للعلا. وهو أيضاً ما يتوافق مع ما تريد مجموعة «ليدن» من تحقيقه ببيع اللوحة؛ فالعائد سيخصص منظمة «بانثيرا» وهي المنظمة الرائدة عالمياً في مجال حماية القطط البرية. وتتجذر أعمال المنظمة بعمق في المملكة، ولا سيما في العلا، حيث تتعاون مع الهيئة الملكية للعلا لحماية وإعادة توطين النمر العربي المهدد بالانقراض، رابطةً بذلك بين الوجود التاريخي للرسم والحياة البرية في المنطقة.

وبالنسبة للدكتور توماس كابلان، مؤسس منظمة «بانثيرا» ومجموعة «ليدن»، فاللوحة تحمل معاني خاصة؛ فهي أول لوحة لرمبرانت اقتنتها المجموعة، وبالكشف عنها الآن وعرضها للبيع وتخصيص العائد نحو الحفاظ على البيئة، يكتسب العمل مستقبلاً مستداماً، ويربط بين الفن والتراث وحماية القطط البرية.

ويرى روبنستين أن عرض اللوحة في السعودية «أمر مناسب بشكل خاص في الوقت الذي تقود فيه منظمة (بانثيرا) عملية إعادة النمور المحلية إلى العلا؛ ما يخلق حواراً مؤثراً بين الفن والمكان والوجود الدائم للقطط الكبيرة في ماضي المنطقة ومستقبلها».

لوحة للفنان السعودي ضيا عزيز ضيا (سوذبيز)

وتعرَض اللوحة في الوقت نفسه الذي تقيم فيه «سوذبيز» في الدرعية بالرياض معرضاً لأعمال مزادها الثاني للفن الحديث والمعاصر بعنوان «أصول 2» والذي يضم أعمالاً لفنانين من الشرق الأوسط، منها لوحات لرواد الفن السعودي أمثال صفية بن زقر ومحمد السليم وعبد الحليم رضوي وضيا عزيز ضيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب مثل لوحة «صيادان» للفنان المصري محمود مرسي ولوحة «المظاهرة» للفنان العراقي محمود صبري ولوحة «نحاس» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي.

كما يضم المزاد مجموعة أعمال لفنانين عالميين، مثل بيكاسو وآندي وارهول وروي ليختنشتين وأنيش كابور. كما يقدم المزاد تمثالاً نادراً من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة. ويستمر المعرض حتى 31 يناير حين يقام المزاد العلني.

تمثال نادر من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة (سوذبيز)

تتميز في المزاد أربع مطبوعات للفنان الأميركي آندي وارهول صوَّر فيها الملاكم العالمي محمد علي كلاي أنجزها في عام 1978. ومن أعمال الفنان العالمي أنيش كابور تعرض مرآة مقعرة ضخمة من سلسلة أعماله الشهيرة، ومن أعمال الفنان روي ليختنشتاين «لوحة داخلية مع أجاك س (دراسة)»، وهي عبارة عن ورق مقصوص ومطلي ومطبوع وجرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذھا في عام 1997. یصوّر ھذا العمل البطل الیوناني الشھیر في حرب طروادة، وھي دراسة للوحة طلبھا مصمم الأزیاء الراحل جیاني فیرساتشي مباشر ة من الفنان. كما یعرض في المزاد عمل «رایة الھرم الأكبر (دراسة)»، وھو عبارة عن شریط لاصق وورق مقصوص ومطلي ومطبوع وغرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذه في عام 1980. كما يعرض المزاد من أعمال بيكاسو لوحة «منظر طبيعي» التي رسمها الفنان في 1965.

لوحة «منظر طبيعي» لبيكاسو (سوذبيز)