«صديقتي الرائعة» يصل إلى نهاية رائعة

إيلينا فيرانتي تُكمل واحدة من أفضل القصص طويلة الأمد على شاشات التلفزة.

إلى يسار الصورة إيرين مايورينو ومارغريتا مازوكو وسافيريو كوستانزو وألبا روهرفاشر ولورا بيسبوري (شاترستوك)
إلى يسار الصورة إيرين مايورينو ومارغريتا مازوكو وسافيريو كوستانزو وألبا روهرفاشر ولورا بيسبوري (شاترستوك)
TT

«صديقتي الرائعة» يصل إلى نهاية رائعة

إلى يسار الصورة إيرين مايورينو ومارغريتا مازوكو وسافيريو كوستانزو وألبا روهرفاشر ولورا بيسبوري (شاترستوك)
إلى يسار الصورة إيرين مايورينو ومارغريتا مازوكو وسافيريو كوستانزو وألبا روهرفاشر ولورا بيسبوري (شاترستوك)

«ولدت في حي فقير متهالك جداً، حيث كان غضب الرجال وعنفهم حدثاً يومياً».

تصف المؤلفة إيلينا غريكو (ألبا روهرفاشر)، المعروفة لنا بلينو، نفسها بالطريقة التي التقيناها في الموسم الأول من «صديقتي الرائعة».

داخل منطقة خانقة في حي من أحياء نابولي الإيطالية، حين كانت تعجّ بالعصابات في خمسينات القرن الماضي، وجدت لينو لنفسها حليفة، ومنافسة بعض الأحيان، في رافاييلا سيرولو، تُدعى ليلا التي سترتبط بها مدى الحياة.

بحلول الموسم الرابع والأخير من المسلسل، الذي يبدأ الاثنين على شاشات «إتش بي أو»، أصبحت لينو كاتبة قصتها الخاصة، عبر مقالات وروايات مشهورة. ومع ذلك، فإنها لا تزال تعيشها، بالوقت نفسه، إلى حد كبير، منجذبة إلى حيّها القديم، وما يعتمل في داخله من عواطف ومخاطر، ليصل أحد أفضل المسلسلات التلفزيونية إلى خاتمة قوية.

لقطة من المسلسل الذي يُعرض على شبكة «إتش بي أو» الأميركية

التقت لينو وليلا في بداية المسلسل زميلتين في الدراسة، فتاتين ذكيتين في حيٍّ فقير وشوارعَ مكتظة، حيث لا فُرص كثيرة للنساء.

بوجه عام، يبدو ذكاء لينو قيد السيطرة وطبيعتها مجتهدة؛ فهي دؤوبة وقادرة على إحراز النجاح داخل البيئات الأكاديمية. أما ليلا فعبقريتها جامحة وغير منضبطة، فهي عبقرية قابلة للاشتعال والانفجار. وفي الوقت الذي تبدو لينو حذرة وتحب إرضاء الناس، تتّسم ليلا بشخصية غامضة وشجاعة، ولديها حسّ عنيف بالعدالة. اللافت أن كلاً منهما تفتقر إلى شيء موجود في الأخرى. بمرور الوقت، تتبنّى لينو شيئاً من تمرد ليلا. ورغم أن ليلا تنتقد، أحياناً، مساعي لينو في برجها العاجي، فإنها تبدو معجبة بنجاحها، وربما تحسدها عليه.

وتُنبئ الاختلافات في ذكائهما وشخصيتهما عن مساراتهما المستقبلية. تلتحق لينو بالأوساط الأكاديمية، وتترك منزلها، نهاية المطاف، لتصبح كاتبة. أمّا ليلا فتترك المدرسة، وتتزوج بابن مرابٍ، وتبدأ العمل لحسابها الخاص، لتصبح في النهاية زعيمة محلية يخشاها الناس، مثل رجال العصابات في الحي.

إلى يسار الصورة مارغريتا مازوكو وألبا روهرفاشر (شاترستوك)

تبحث كلتاهما، بطريقة ما، عن القوة التي تفتقر إليها كلٌ منهما هي وأسرتها. فيما يتعلق بلينو، يتحقق ذلك عبر الهروب والفوز بالثناء في العالم الأوسع. أمّا ليلا فتحقق ذلك عبر كسب المال والنفوذ لمواجهة المحتالين والبلطجية الفاشيين، الذين لا يزالون يسيطرون على المدينة بعد عقود.

خلال الموسمين الثاني والثالث، يتنقل المسلسل بالصديقتين عبر مرحلة البلوغ: الزيجات، والانفصال، والأطفال، والعلاقات، وخيبات الأمل والمنافسات، ويعكس بمهارة سياسات الطبقة والاضطرابات السياسية في إيطاليا في الستينات والسبعينات، حيث تنفصل حياة المرأتين وتعود لتتقاطع مثل موجاتٍ برسمٍ بيانيّ.

يستند مسلسل «صديقتي الرائعة» إلى روايات نابولي التي كتبتها إيلينا فيرانتي، والتي يُشار إليها باعتبارها كاتبة المسلسل الذي يقترب من الروايات من حيث الحبكة والسّرد، إلا أنه على عكس كثير من التعديلات التلفزيونية، يُعدّ هذا المسلسل، في جوهره، أكثر من مجرد كتاب صوتي مصور، فقد نجح في الوصول إلى لغته البصرية الخاصة، لإعادة خلق الحالة المزاجية التي رسمتها أنامل فيرانتي بالكلمات.

تنقل لورا بيسبوري، التي تولّت إخراج جميع حلقات الموسم الجديد، حميمية وحشية من خلال الإمساك بلقطات رأسية ضيقة للممثلين. في هذه القصة، نُعاين أشخاصاً لا يُمكنهم الهروب من محيطهم، كما لا يستطيع المشاهد ذلك هو الآخر. وتدفعك الكاميرا نحو مطالعة وجوه الغضب والشهوة والحزن الساخنة. اللافت أن المسلسل يحتفظ بنثر الكاتبة فيرانتي بصوت لينو، لكنه يمنحك كذلك العَرَق والدّموع والشوارع القذرة التي يلتصق هواؤها بجلدك.

يُكمل الموسم الأخير المسلسل ليغلق دائرة كاملة. انتقل المشهد الأول من الموسم الأول إلى لينو المرأة العجوز (إليزابيتا دي بالو) تتلقّى مكالمة من ابن ليلا، الذي يُبدي انزعاجه من اختفاء والدته فجأة، (على ما يبدو عمداً). ويأتي الموسم الرابع ليسلط الضوء على الأسباب التي ساقتها ليلا، والتي كانت مضطربة منذ فترة طويلة بسبب رؤيتها «ذوبان الحدود» بين الأشياء في العالم، أخيراً لتبرير هذا الفعل.

لقطة من «صديقتي الرائعة» الجزء الرابع والأخير

تركت لينو، وهي كاتبة معروفة الآن (في المسلسل)، زوجها، بييترو (بيير جورجيو بيلوتشيو)، من أجل نينو (فابريزيو جيفوني)، وهو مثقف، ولطالما شعر بالإعجاب تجاهها وبليلا، ويجد صعوبة في إظهار القدر المناسب من الوفاء والإخلاص. (تدرك لينو المفارقة المتمثلة في كونها مؤلفة نسوية تجد نفسها معتمدة على رجال سيئين)، وتُعيدها العلاقة هي وابنتيها الصغيرتين إلى نابولي، حيث تخوض ليلا، التي أصبحت الآن سيدة أعمال قوية، حرباً في مواجهة المتنمرين أنفسهم، الذين سيطروا على الحيّ في طفولتهما.

المثير أنه حتى لنساءٍ ناجحات يقتربن من منتصف العمر، ظلّ الماضي شبحاً لا مفر منه.

ولا تزال الاستياءات والتهديدات القديمة موجودة، بالإضافة إلى شعورٍ أكثر غموضاً بالرعب.

تحمل قصة «صديقتي الرائعة»، بوجه عام، نمطاً مستمراً من الرّعب الباطني. في الحلقة الأولى، تترابط الفتاتان عبر رمي دميتهما في قبوٍ مظلمٍ مخيفٍ. ولاحقاً، تحلم لينو بمخلوقات صغيرة تتجمّع من تحت الشوارع ليلاً، وتصيب البالغين بالغضب الذي يظهرونه في النهار.

وفي حلقة مذهلة من الموسم الرابع، تجد لينو وليلا نفسيهما وسط زلزال عام 1980 الذي ضرب نابولي. وبينما تهتز المباني ويهرب الناس، ترى لينو نسخة من كابوسها تتجسّد في الحياة: الفئران تتدفق من مجاري الصّرف الصّحي إلى الشارع. ويُثير ذلك في النفس فكرة مفادها أنه يمكنك بناء حياة مستقرة لنفسك قدر الإمكان، لكن لا يمكنك التخلص أبداً من الخوف أو من احتمالية انشقاق الأرض وتفجّر أهوال الجحيم.

ويحمل الموسم عنواناً فرعياً، على غرار آخرِ كتاب لفيرانتي في السلسلة، «قصة الطفل الضائع». يحمل العنوان معنى حرفياً، لكنه يحمل كذلك عديداً من المعاني المجازية. هناك أطفال ضاعوا بسبب المخدرات، واليأس، والخلّل الأُسري. وهناك آخرون مثل لينو وليلا وأصدقائهما، ضاعوا في خضمّ حركة الزمن.

وتبدو أحداث الموسم الأخير من المسلسل حسّاسة ومدمّرة ومؤثّرة. في الغالب، ما يلخص الناس القصص عن النساء تحت عنوان شامل يتعلق بالصداقة الأنثوية، لكن ما يجمع بين هاتين البطلتين أكثر تعقيداً ومراوغة عن ذلك، فهو يرتبط بالوقت نفسه بالمنافسة، والاعتماد، والانبهار والتكافل. هذه، ببساطة، واحدة من أكثر الصور حدّة لعلاقة مستمرة مدى الحياة قُدّمت على شاشات التلفزة على الإطلاق.

ويبلغ مسلسل «صديقتي الرائعة» محطته النهائية، في وقت تحتفل فيه شبكة «إتش بي أو» بالذكرى الـ25 لمسلسل «آل سوبرانو»، عبر إطلاق فيلم وثائقي جذّاب من إخراج أليكس غيبني، بعنوان «الرجل الحكيم: ديفيد تشيس وآل سوبرانو».

وعلى مرّ السنين، حاولت مسلسلات درامية أخرى من إنتاج «إتش بي أو» إعادة إحياء سحر قصص الجريمة، مثل «Boardwalk Empire»، وصولاً إلى مسلسل «The Penguin».

الحقيقة، أن مسلسل «صديقتي الرائعة» لم يكن قط من المسلسلات الناجحة على نطاق واسع في هذا البلد، لكنه قد يكون في حقيقته، الخليفة الحقيقي لمسلسل «آل سوبرانو». ولا أقصد هنا الصّلة السّطحية التي تربطه بإيطاليا، بل أقصد الطريقة التي يُصوِّر بها المسلسل العنف العاطفي والجسدي. (لم تكن هناك حادثة عنف أشد وحشية من حادثة الانفصال بين توني وكارميلا في حلقة «القبعات البيضاء»). والواقع أن كلا المسلسلين، قبل كل شيء، يحمل إحساساً عميقاً بثقل الأسرة والتاريخ، فالماضي ثقب أسود، ولا يمكن لأيّ قدر من النجاح أن يحول دون غرقك في هاوية آلام الإهانة التي تعرّضت لها في طفولتك، أو ذكرى الخيانة، أو حكم الأم عليك، بمقدورك أن تترك الحي القديم، مثلما حدث في مسلسل «صديقتي الرائعة»، لكنك لا تستطيع أن تبتعد عنه.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق خريطة درامية متنوّعة في رمضان 2026 (بوستر المسلسل)

الدراما الجزائرية في رمضان... تنوّع موضوعي وحضور يعكس تحوّلات المجتمع

تجمع المسلسلات المعروضة حالياً بين الدراما الاجتماعية والتاريخية وأعمال التشويق المرتبطة بعوالم الجريمة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق «موناليزا» و«زابر» و«سماهر»... شخصيات خطفت الأضواء في مسلسلات رمضان

«موناليزا» و«زابر» و«سماهر»... شخصيات خطفت الأضواء في مسلسلات رمضان

تحظى الشخصيات باهتمام أكبر من القصص في مسلسلات رمضان 2026، والدليل «جابر» في «مولانا»، و«موناليزا» في «الست موناليزا»، و«سماهر» في «بخمس أرواح»، وغيرها...

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة عالمية نموذج بيع حقوق البث التقليدي يواجه تحديات متزايدة في ظل تغير سلوك الجمهور (رويترز)

كيف ابتلعت كرة القدم بقية الرياضات العالمية؟

أكد توني باستور الرئيس التنفيذي لشركة «غولهانغر» للإنتاج الصوتي، أن كرة القدم باتت تهيمن بصورة شبه مطلقة على المشهد الرياضي العالمي.

شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عالمية أليكس كاي جيلسكي (شبكة بي بي سي)

مدير «بي بي سي»: لسنا بحاجة إلى حقوق البث المباشر لنظل مؤثرين

قال أليكس كاي جيلسكي، مدير الرياضة في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن المؤسسة لا تحتاج إلى امتلاك حقوق البث المباشر لأي رياضة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.