الأرميني كارين أخيكيان لـ«الشرق الأوسط»: منحوتاتي صوت معارك النساء

يمتهن النحت بالسلك بوصفه اختزالاً للصمود والهشاشة

منحوتاته تعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل (كارين أخيكيان)
منحوتاته تعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل (كارين أخيكيان)
TT

الأرميني كارين أخيكيان لـ«الشرق الأوسط»: منحوتاتي صوت معارك النساء

منحوتاته تعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل (كارين أخيكيان)
منحوتاته تعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل (كارين أخيكيان)

يلمس مُتأمِّل تماثيل النحّات الأرميني كارين أخيكيان تحلّيها بنبض الحياة وبمنحى ديناميكي كأنها تجيد التحكُّم بمَشهدها. يُعرّف عن نفسه بأنه «شخصية إنترنتية»، يتّخذ من صفحته في «إنستغرام» فضاء عرض متواصلاً. يختزل مساره الفنّي بالقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «رحلة جذورُها ضاربة بعمق في جدوى اكتشاف المشاعر الإنسانية». ذلك للتأكيد على أنّ الحيوية والديناميكية في أعماله تعكسان الصلابة المنبثقة من صراعات الحياة وأشكال تحوّلاتها. فكل منحوتة تبدأ بفكرة في ذهنه، تسبق كونها رسماً يتجسَّد أو مفهوماً يتكوَّن. يعمل مباشرة مع الأسلاك، مُسلِّماً إياها لمجريات فكرة الخَلْق، فيترك للمادة تولّي عملية الإبداع. هذه المقاربة العفوية تُضفي على القِطع طاقةً حياتية نشِطة، كأنها تتحلّى بالنبض المُحرِّك والنَفَس العميق، فتُجسّد شعوراً بفعل السيطرة والتغلُّب على المِحن.

أعماله تعكس الصلابة المنبثقة من صراعات الحياة وأشكال تحوّلاتها (كارين أخيكيان)

تتّخذ بعض منحوتاته شكلاً نسائياً، كمَن تُصارع أو تُدافع أو تخوض مواجهة محتدمة. فهل المُراد بذلك موقف فنّي يقدِّم التحية لنساء من العالم يواجهن صعوبات، ويتعاملن باستمرار مع أشكال اللاعدالة؟ يجيب: «بالفعل! أعمالي تلامس غالباً موضوع النضال؛ وتجارب النساء تؤلّف فصلاً مهماً من هذه السردية. أعتقد أنهنّ، في أجزاء عدّة من العالم، يُواجهن الإجحاف واللاعدالة. غالباً لا يُمثَّلن بشكل مُنصف ولا تُسمع أصواتهنّ على الملأ. منحوتاتي تمنح الصوت لهذه المعارك الصامتة، وتعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل. الخطوط الديناميكية والتوتّر داخل الأسلاك نماذج لضغوط وأعباء تتحمّلها النساء يومياً».

بدأت رحلة كارين أخيكيان مع النحت بالمادة السلكية بلحظة غير متوقَّعة حين صمَّم كرسياً تجريدياً، يعدّه اليوم عمله الفنّي «المثالي». أشعلت تلك القطعة شغفه بتوظيف الأسلاك وسيطاً؛ وهي مادة وجدها مليئة بالتحدّيات ومُنطلِقة (حرّة) في آن معاً. يقول: «وُلد إلهامي من رغبتي المُلحَّة في التعبير عن مشاعر توصف بالمعقَّدة في سياق أثيريّ وقابل للّمْس في الوقت عينه. أصبح السلك، بقدرته على تجسيد الهشاشة والقوة، الوسيط المثالي لرؤيتي الفنّية».

أعماله تلامس غالباً موضوع النضال (كارين أخيكيان)

كارين أخيكيان نحّات من أرمينيا، تستكشف أعماله موضوعات الصمود والعواطف المركَّبة. باستخدامه أسلاك الحديد والنحاس والأحجار الطبيعية، يبتكر منحوتات تعكس تخبُّط الروح البشرية وإنجازاتها. مقاربته حدسية، مما يسمح للمنحوتة بالتطوُّر التلقائي. أقام معارض دولية، تبنّى فيها سرديات فردية وثقافية تُشكِّل اتصالاً بين الشعوب، وتجمع المتباعدين وإن تعدَّدت مجتمعاتهم.

ولكن لماذا السلك؟ أي «واقعية» يضيفها هذا الوسيط الفنّي إلى أعمال كارين أخيكيان؟ يرى فيه مزيجاً فريداً من الصمود والمرونة، ومحاكاة مثلى لموضوعه. فمظهره القوي، المُتحلّي بصرامة ساطعة، يتيح تحقُّق التباين المطلوب مع المشاعر المرهَفة والمعقَّدة التي يسعى إلى التعبير عنها. يتابع: «تُمكّنني هذه المادة من خَلْق أشكال ديناميكية قابلة لالتقاط الحركة والتوتّر المتأصّلَيْن في الشعور الإنساني. نتاجي لا يرتكز على الواقعية بمعناها التقليدي، لكنه يُعزّزها بمنح المنحوتة عمقها العاطفي ولحظتها الفورية».

كأنّ المنحوتة تتحلّى بالنبض المُحرِّك والنَفَس العميق فتُسيطر (كارين أخيكيان)

مُتصفِّح معرضه «الإنستغرامي»، يلمح بوضوح اهتمامه بفكرة «رسالة العمل الفنّي». للمنحوتة خطاب، ولديها ما تقوله وتؤسّس له. ليست صامتة كما قد تتراءى، بل ناطقة ومُعبِّرة. في فمها ماء دائماً، وترفض انكماشها. برأيه، «الفنّ أداة قوية للتواصل والتأمُّل. لا يعني ذلك تقليلاً من شأن الجماليات. فهي مهمة. وإنما القيمة الحقيقية للفنّ تكمن في قدرته على إيصال رسائل معبِّرة للتحريض على التفكير. عملي مدفوع بالرغبة في التواصل مع الآخرين على مستوى عاطفي لإثارة استجابة تتجاوز مجرّد التقدير البصري. ينبغي على الفنّ أن يتحدّى، ويُلهم، ويُقدم وجهات نظر جديدة حيال العالم».

أعمالي تلامس غالباً موضوع النضال؛ وتجارب النساء تؤلّف فصلاً مهماً من هذه السردية. أعتقد أنهنّ، في أجزاء عدّة من العالم، يُواجهن الإجحاف واللاعدالة. غالباً لا يُمثَّلن بشكل مُنصف ولا تُسمع أصواتهنّ على الملأ. منحوتاتي تمنح الصوت لهذه المعارك الصامتة، وتعكس صمود نساء يثابرن رغم ما يُعرقل.

النحّات الأرميني كارين أخيكيان

ساطعٌ اللون الأحمر، حين يتدخّل في تكوين المنحوتة. يبدو عنيداً أو غاضباً أو متمرّداً على عادية الفكرة أو برودتها والجانب المألوف منها. يجيب عن سؤال؛ هل يمثّل أملَ البشرية أم يختزل غليانها ودمها المُحتَقِن؟ بالقول: «للأحمر دور جبّار بمجرّد اقتحامه أعمالي. يرمز غالباً للأمل والشقاء معاً، ويمثّل ثنائية الوجود الإنساني: الوجع والمثابرة؛ الجروح والشفاء. أراه تذكيراً بالأعباء الجاثمة على أكتافنا، لكنه أيضاً منارة تضيء الدروب وتعبِّدها نحو الصمود والشجاعة وهزيمة الفواجع. الأحمر في منحوتاتي خيارٌ متعمَّد لإثارة استجابة عاطفية فعّالة، والإضاءة على كثافة التجربة الإنسانية».

وإلى أي مدى يُحوِّل تجاربه الحياتية أشكالاً نحتية؟ هل ثمة مفرّ من الواقع لتحقُّق الشرط الإبداعي؟ الواقعية تُحرِّك كارين أخيكيان. فمنحوتاته شخصية جداً، تعكس خصوصية رحلته وعبورها بمسارات الألم والصمود والتراكُم العاطفي: «العملية الفيزيائية لتشكُّل الأسلاك؛ أي الثني، واللفّ، تعكس العملية العاطفية الممثَّلة بمواجهة تحدّيات الحياة والتغلُّب عليها. كل منحوتة تتحوَّل شاهدةً على الصراعات والانتصارات التي تُحدِّد ما نحن عليه. هذا يجعل نحتي يتجاوز كونه تمثيلاً بصرياً، ليصبح سرداً لتجارب معيشة».


مقالات ذات صلة

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

يوميات الشرق اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

دشنت دارة الملك عبد العزيز في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت نسخة نادرة.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تتيح البرامج الجديدة فصلاً جديداً في تطوير الدراسات الأكاديمية المتخصصة بالأزياء (واس)

معهد مارانجوني في الرياض يطلق برامج أكاديمية جديدة بمجال الأزياء

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، إطلاق برامج البكالوريوس والماجستير بمجال الأزياء في معهد مارانجوني بمدينة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.