توظيف الذكاء الاصطناعي لتتبع هجرة الطيور

يمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءاتها وتحديد الأنواع المختلفة

يمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءات الطيور وتحديد الأنواع المختلفة (جمعية ماكس بلانك)
يمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءات الطيور وتحديد الأنواع المختلفة (جمعية ماكس بلانك)
TT

توظيف الذكاء الاصطناعي لتتبع هجرة الطيور

يمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءات الطيور وتحديد الأنواع المختلفة (جمعية ماكس بلانك)
يمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءات الطيور وتحديد الأنواع المختلفة (جمعية ماكس بلانك)

حقّق فريق بحثي دولي مشترك تقدماً كبيراً في تتبع مسارات الطيور عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تطوير نظام شامل، للكشف عن النداءات الليلية الدقيقة للطيور المهاجرة وتحديدها.

وقدّم الفريق البحثي من جامعة «نيويورك»، ومختبر «كورنيل» لعلم الطيور في الولايات المتحدة، و«المدرسة المركزية» في نانت بفرنسا، نظام «BirdVoxDetect» الخاص به، في ورقة بحثية نُشرت في إحدى دوريات «منظمة مهندسي الكهرباء والإلكترونيات» (IEEE)، المعنية بنشر الأبحاث العلمية حول معالجة الصوت والكلام واللغة، الذي يوضح بالتفصيل خوارزميات التعلم الآلي الأساسية التي تحرّك التقنية المبتكرة لاكتشاف نداءات الطيور.

وتختتم هذه الورقة البحثية دراسة الفريق التي استمرت 8 سنوات حول هذا الموضوع. ووفق النتائج من المتوقع أن يعزّز هذا التقدم مهام تتبع هجرة الطيور؛ مما قد يزوّد خبراء الحفاظ على البيئة ببيانات جديدة لدعم جهود حماية الطيور.

وقال قائد الفريق البحثي، ومدير مختبر أبحاث الموسيقى والصوت في جامعة «نيويورك»، خوان بابلو بيلو: «نحن الآن قادرون على استخراج أنماط دقيقة بشكل لا يُصدّق من هذه التسجيلات الصوتية التي قد تفوتها الأذن البشرية».

وأوضح في بيان منشور، الأربعاء: «هذا يشبه وجود جيش صغير من خبراء مراقبة الطيور ذوي السمع الخارق والصبر اللامتناهي للاستماع إلى السماء الليلية».

ويقترح باحثو الدراسة أن تصبح المراقبة الصوتية جزءاً لا يتجزّأ من الجهود المبذولة لدراسة الطيور المهاجرة والحفاظ عليها، خصوصاً أن هذه التكنولوجيا واعدة بصفة خاصة في المناطق النائية أو التي يصعب الوصول إليها حيث يصعب إجراء المراقبة التقليدية.

ويمكن للنظام الجديد اكتشاف نداءات الطيور وتحديد الأنواع المختلفة والتخلص من الأصوات غير السليمة بدقة أكبر من السابق، مما يسمح بتتبع أنماط الهجرة بدقة أكبر.

وتستند هذه التطورات إلى عمل سابق نُشر في مجلة «علم البيئة التطبيقي»؛ إذ أظهر فريق البحث لأول مرة قدرات نظام «BirdVoxDetect» على التنبؤ ببداية وتكوين الأنواع المختلفة للطيور في رحلات الهجرة الكبيرة. حلّلت تلك الدراسة بيانات صوتية لموسم هجرة كامل من الميكروفونات في شمال ولاية نيويورك - أكثر من 4 آلاف و800 ساعة من التسجيلات.

ويستخدم هذا النظام تقنيات التعلم الآلي المتقدمة لتحليل «تيرابايتات» من البيانات الصوتية التي جُمعت بوساطة شبكات الميكروفونات، واختيار «التغريدات» القصيرة التي يستخدمها عديد من الطيور للتواصل في أثناء الهجرة الليلية.

ووفق الدراسة فإن الطرق التقليدية لدراسة هجرة الطيور، مثل الرادار وملاحظات مراقبي الطيور المتطوعين، لها حدود.

ويمكن للرادار اكتشاف الكتلة الحيوية للرحلة، ولكن لا يمكنه تحديد الأنواع، في حين تقتصر بيانات المتطوعين في الغالب على مشاهدات النهار وتشير إلى الإشغال بدلاً من الطيران.

ويملأ الرصد الصوتي الحالي فجوات حاسمة، مما يسمح للباحثين باكتشاف الأنواع المهاجرة في ليلة معينة وتوصيف توقيت الهجرات بدقة أكبر.

وقد جعل الباحثون نظامهم متاحاً مجاناً بوصفه برنامجاً مفتوح المصدر، مما يسمح للباحثين الآخرين بتطبيقه على بياناتهم الخاصة.

وتوفّر شبكات المراقبة الصوتية على نطاق القارة من تتبع هجرة الطيور بتفاصيل غير مسبوقة. وهو ما علّق عليه بيلو: «نحن ندخل عصراً جديداً حيث يمكننا مراقبة الهجرة عبر مناطق شاسعة في الوقت الفعلي».

وأضاف: «إن هذا يشكّل تغييراً كبيراً في دراسة وحماية الحياة البرية القيمة والمهددة بالانقراض». وقد تثبت مثل هذه البيانات أهميتها البالغة في جهود الحفاظ على البيئة. فالعديد من مجموعات الطيور المهاجرة تشهد انخفاضا حاداً، بسبب فقدان الموائل وتغير المناخ وعوامل أخرى. ومن الممكن أن يساعد الفهم الأفضل لتوقيت الهجرة ومساراتها في إعلام استراتيجيات الحماية.

وهو ما أكده بيلو: «إن أجهزة الاستشعار الصوتية غير مكلفة نسبياً، ويمكن أن تعمل بصفة مستقلة لفترات طويلة. وهذا يفتح إمكانات مثيرة لمراقبة الهجرة في أماكن لم نتمكّن من دراستها من قبل».


مقالات ذات صلة

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

تكنولوجيا شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

أقرّ البرلمان الأوروبي، الخميس، قانوناً يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ«تعرية» الأشخاص من دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد أشخاص يسيرون في شارع وول ستريت قرب بورصة نيويورك (رويترز)

رغم تقلبات الأسواق... مكافآت «وول ستريت» في 2025 تصل إلى مستويات قياسية

بلغت مكافآت «وول ستريت» لعام 2025 مستويات غير مسبوقة خلال عام شهد تقلبات حادة في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)
نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)

عادت الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للواجهة، بسبب صورة مزيفة، وتصدرت «التريند»، على موقع «إكس»، الخميس، في مصر، بعد إعلان «الهيئة الوطنية للإعلام»، في بيان صحافي، أن صورها المتداولة بكثافة في الأيام الأخيرة مزيفة، وتمت باستخدام تقنية «الذكاء الاصطناعي».

وأوضح البيان أن الفنانة نجاة الصغيرة تواصلت هاتفياً مع الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وأكدت له أن الصورة التي يتم تداولها علي نطاق واسع باعتبارها أحدث ظهور لها مزيفة، ولا تمت لها بصلة.

ونقل مضمون المكالمة الهاتفية، التي دارت بين المسلماني، ونجاة الصغيرة البرنامج التلفزيوني المصري «صباح الخير يا مصر»، إذ أكد أن الصورة أُنشئت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن المؤسف نشرها علي نطاق واسع، دون تدقيق أو مراجعة، أو حتى الاطلاع علي أحدث الصور الحقيقية ومقارنتها بالمزيفة، مضيفاً أن «نشر المعلومات المغلوطة التي لا سند لها عن تاريخ الفنانة المصرية، هدفه تحقيق الشهرة وجذب الانتباه وصناعة (الترند)»، بحسب البيان.

الفنانة المصرية نجاة الصغيرة (حساب المستشار تركي آل الشيخ على موقع «فيسبوك«)

وأكد البيان أن أحدث ظهور للفنانة نجاة الصغيرة كان في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، الماضي في أثناء زيارتها لـ«أوبرا العاصمة الجديدة»، ومقر الهيئة الوطنية للإعلام، وكان في استقبالها المهندس خالد عباس رئيس شركة العاصمة الجديدة في «مدينة الثقافة والفنون»، واستقبلها الكاتب أحمد المسلماني لدى زيارتها مقر «الهيئة الوطنية للإعلام»، بالعاصمة.

وقبل ظهورها في «مدينة الثقافة والفنون»، بالعاصمة الإدارية بمصر، ظهرت نجاة الصغيرة بعد سنوات من الغياب والابتعاد عن الأضواء في حفل «جوي أوردز»، في العاصمة السعودية الرياض عام 2024، وتم تكريمها من المستشار تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية، وسط حضور رسمي وفني وإعلامي كبير.

نجاة الصغيرة والمستشار تركي آل الشيخ (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وفنياً أعلن الملحن المصري الدكتور سامي الحفناوي قبل 4 سنوات عن عودة نجاة الصغيرة للساحة الفنية مجدداً بمجموعة من الأغنيات الجديدة، لافتاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عودتها للساحة ستكون قريباً، بعدما قامت بتسجيل الأغنيات الجديدة بالفعل.

ولحن سامي الحفناوي مجموعة من الأغنيات للفنانة نجاة الصغيرة على مدار مشوارها الفني، من بينها «إلا فراق الأحباب»، و«قصص الحب الجميلة»، و«كل فين وفين».

وعن السبب وراء عدم طرح الأغنيات الجديدة حتى الآن أوضح الحفناوي أن «الظروف المحيطة بالسنوات الأخيرة حالت دون ذلك»، مشيراً إلى أن الأعمال الجديدة التي تنتمي للون الرومانسي، سيتم طرحها تباعاً بمعدل أغنية (سنغل)، كل فترة لكي تحصل على حقها الجماهيري والاستماع إليها جيداً».

وكشف الحفناوي عن أن جميع الأغنيات التي تم تسجيلها من كلمات الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وستكون مفاجأة كبيرة للجمهور، وتليق بقيمة مصر ونجومها واسم مجموعة العمل بالكامل، لافتاً إلى أن صوت نجاة في أحسن حالاته وبقوته المعهودة نفسها.

وتعليقاً على الصور المتداولة للفنانة نجاة التي أكدت أنها مزيفة، أكد سامي الحفناوي أنها ليست للفنانة نجاة بالفعل، وأن «السوشيال ميديا»، بها معلومات كثيرة مغلوطة عن النجوم والقامات الفنية البارزة، مؤكداً أن بحوزته صور حديثة للفنانة المصرية ستنشر بالتزامن مع إطلاق الأعمال الفنية الجديدة.

وقدمت نجاة الصغيرة، خلال مشوارها مجموعة من الأفلام السينمائية الغنائية، من بينها، «الشموع السوداء» مع صالح سليم، «شاطئ المرح» مع حسن يوسف، و«ابنتي العزيزة» مع رشدي أباظة، و«جفت الدموع»، مع محمود ياسين، إلى جانب مشوارها الغنائي الطويل.


«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
TT

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

في العصر الحالي تتضمن معظم الأفلام عناصر عديدة: أصواتاً، ألواناً، مؤثرات، موسيقى، وغيرها. لكنّ العنصر الأساسي في السينما هو الصورة المعروضة على الشاشة. تخيّل حتى لو استغنينا عن كل شيء عدا الصور، سيبقى لدينا فيلم.

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية، ليس فقط في صناعة الأفلام، بل في الثقافة الإنسانية جمعاء. هذه هي الفكرة التي يطرحها المخرج تيري فريمو في فيلمه الوثائقي الرائع والساخر «لوميير... السينما!» (الذي يُعرض الآن).

يُعرف فريمو لدى عشاق السينما بصفته رئيس «مهرجان كان السينمائي». وهو أيضاً مدير معهد لوميير في ليون بفرنسا، وهو متحف يُكرّم الأخوين أوغست ولويس لوميير، اللذين يُعتبران من رواد السينما. حتى لو كنتَ من هواة السينما العاديين، فمن المحتمل أنك على دراية بإحدى أشهر الأساطير في بدايات السينما: أن الجمهور الذي شاهد فيلم الأخوين لوميير عام 1896 «وصول قطار إلى لا سيوتات»، شعر بالذهول لدرجة أنهم صرخوا وركضوا إلى مؤخرة القاعة. يقول بعض المؤرخين إن هذا ربما يكون مبالغة، لكن تأثير الأخوين على تاريخ السينما يتجاوز هذه القصة، أو أفلاماً أخرى مثل «عمال يغادرون مصنع لوميير» (1895).

كان إسهامهما الأهم بلا شك اختراع جهاز السينماتوغراف، وهو جهاز يدوي محمول قادر على تصوير الأفلام وتحميضها وعرضها. مع ذلك، يرغب فريمو في طرح فكرة أوسع: أن الأخوين لوميير - ولا سيما لويس، الذي كان العقل المبدع وراء العديد من الأعمال المنسوبة إليهما - كانا فنانين بحد ذاتهما؛ إذ طورا لغة سينمائية سيتبناها ويبني عليها عشرات المخرجين اللاحقين. حتى لو كان شخص آخر قد اخترع هذه التقنية، فإن الطرق التي استخدمت بها أفلامهما تقنيات مثل اللقطات الطويلة والتأطير الدقيق، تؤهلهما لمكانة مرموقة في تاريخ السينما.

في بداية الفيلم الوثائقي، يوضح فريمو قائلاً: «سنصنع فيلماً واحداً للوميير من عدة أفلام لهما»، وهذا في الواقع تبسيط مفرط؛ فالفيلم يجمع 100 فيلم صورها الأخوان، ولاحقاً، متعاونون معهما، وقد خضعت جميعها لعملية ترميم دقيقة. لا نرى فقط التقنيات التي طورها الأخوان، بل نشاهد صورة نابضة بالحياة للحياة في مطلع القرن العشرين، من أعمال الريف الشاقة إلى مشاهد باريس الصاخبة، مروراً بمشاهد من مختلف أنحاء آسيا. تتضمن الصور جنوداً يسيرون وآخرين يلهون، ونجارين ورياضيين وأطفالاً رضعاً... بعض اللقطات معروفة، وبعضها الآخر لم يُعرض من قبل (بما في ذلك مقطع مذهل مصور بتقنية 75 ملم لم يكن بالإمكان عرضه حتى عند تصويره عام 1900). إنه فيلم طريف وجميل وحيوي.

فريمو هو الراوي، يروي (بالفرنسية) ما نشاهده، موضحاً المحتوى والسياق، ويشير أحياناً إلى تقنيات سيكررها لاحقاً مخرجون مثل فيديريكو فيليني وجون فورد. في النهاية، ينغمس فريمو في فلسفة غاية هذا الفن، الذي يصوره كفن إنساني بأبهى صوره.

وهكذا، فإن صناعة فيلم كهذا، الذي يُعيد إحياء بعض رواد السينما الأوائل ويحتفي بهم، هو وسيلة للإيمان بالإنسانية. يقول: «السينما تُعرّفني بنفسي وتُعرّفني بالآخرين. إن رعاية مستقبلها هي رعاية لأنفسنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
TT

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت قبل نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده، وكان هذا الصديق يعتقد أن والده ربما عاش حياة سرية مرتبطة بعالم التجسس، لكنه لم يكن يملك دليلاً واضحاً على ذلك.

وأضاف سكاتفولد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الفكرة أثارت فضوله منذ اللحظة الأولى، خصوصاً بعد أن كشف الابن عن وجود صندوق في علّية منزل العائلة يحتوي على أشرطة فيديو قديمة ووثائق شخصية تركها والده، وهو ما بدا نقطة انطلاق مناسبة للبحث في هذه القصة الغامضة».

ويرصد الفيلم الوثائقي «حيوات أبي» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» رحلة ابن يحاول كشف حقيقة حياة والده بعد عثوره في علّية المنزل على أرشيف مخفي يضم أشرطة فيديو ووثائق ورسائل شخصية تعود لسنوات طويلة.

ومع تصفح هذه المواد تبدأ الشكوك حول الماضي الحقيقي للأب، يقود هذا الاكتشاف الابن إلى تحقيق طويل في حياة والده، حيث تتداخل روايات عن العمل الصحافي مع ادعاءات بالانخراط في عالم الاستخبارات الدولية، لتتحول القصة بحثاً إنسانياً معقداً عن الحقيقة داخل عائلة عاشت سنوات طويلة في ظل الأسرار.

ويقول سكاتفولد إن والد بطل الفيلم كان صحافياً تلفزيونياً نرويجياً عمل لسنوات طويلة في تغطية الحروب والصراعات حول العالم، وخلال مسيرته المهنية سافر إلى مناطق عدّة، مشيراً إلى أن فريق العمل بدأ في رقمنة الأشرطة القديمة بهدف حفظها، إلا أن مشاهدة هذه المواد كشفت تدريجياً عن مشاهد بدت مثيرة للتساؤل، فقد ظهرت لقطات للأب في مواقع وظروف لا تبدو مرتبطة مباشرة بعمل صحافي؛ وهو ما دفع صناع الفيلم إلى التفكير في احتمال وجود قصة أخرى خلف هذه المواد، ومع استمرار البحث في الأشرطة والوثائق بدأت تتكشف ملامح حياة أكثر تعقيداً مما كان يتخيله أفراد العائلة أنفسهم.

احتوى الفيلم على لقطات عدة من وثائق الأب (الشركة المنتجة)

وأوضح سكاتفولد أن رحلة البحث قادتهم في النهاية إلى بلغاريا، حيث كان الأب يعيش خلال السنوات الأخيرة من حياته، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التحقيق؛ إذ حاول الفريق طرح أسئلة مباشرة حول ماضيه والظروف التي أحاطت بعمله في مناطق مختلفة من العالم، ومع مرور الوقت بدأ الرجل يتحدث عن حياته بصورة أكثر وضوحاً؛ ما فتح الباب أمام رواية مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية التي كانت لدى العائلة.

وأضاف أن الأب كشف خلال هذه الأحاديث عن أنه جُنّد في منتصف ثمانينات القرن الماضي للعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وظل يعمل في مجال الاستخبارات لما يقرب من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن الفيلم يتابع رحلة الابن ديدريك في محاولة فهم هذه القصة المعقدة، ومحاولة التحقق مما إذا كانت حقيقية بالكامل أم أنها خليط من الوقائع والتفسيرات الشخصية التي أحاطت بحياة والده؟

وأوضح سكاتفولد أن الجانب الأكثر حساسية في العمل لم يكن مرتبطاً بموضوع التجسس بقدر ما كان مرتبطاً بالعلاقة الإنسانية داخل العائلة، فالقصة في جوهرها تدور حول ابن يحاول فهم والده بعد سنوات طويلة من الغموض؛ وهو ما جعل العمل يحمل بعداً عاطفياً واضحاً، مؤكداً أن هذا الجانب الإنساني كان مهماً بالنسبة إليه أثناء صناعة الفيلم؛ لأنه يمنح القصة عمقاً يتجاوز مجرد كشف أسرار مهنية أو سياسية مع حرصه منذ البداية على التعامل مع الموضوع بحذر؛ لأن القصة تمس حياة أفراد الأسرة بشكل مباشر؛ ولذلك كان من الضروري التفكير في كيفية تقديم هذه الحكاية بطريقة مسؤولة تحافظ على التوازن بين كشف الحقيقة واحترام الجانب الشخصي للعائلة.

المخرج النرويجي (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن التحقيق كشف أيضاً عن أن الأب كان يستخدم في بعض الأحيان برامج شبابية اسكندنافية غطاءً للسفر إلى دول يصعب على الأميركيين الوصول إليها في تلك الفترة، وأن هذه المعلومات دفعت فريق الفيلم إلى محاولة التحقق من طبيعة الدور الذي كان يؤديه الأب في تلك الرحلات؛ ولهذا الغرض استعان الفريق بعدد من الخبراء في مجال الاستخبارات لتحليل بعض الوثائق والمواد التي قدمها الرجل، كما حاولوا مراجعة الأحداث التاريخية المرتبطة بتلك الفترات لمعرفة ما إذا كانت روايته تتقاطع مع وقائع معروفة في عالم الاستخبارات الدولية.

وأشار إلى أن الأب قدَّم لصناع الفيلم آلاف الصفحات من الوثائق والرسائل والمواد المرتبطة بعمله، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً لفحصها وترتيبها، مشيراً إلى أن عملية مراجعة هذه المواد كانت ضرورية لفهم القصة بشكل أكثر دقة، ولتحديد ما يمكن استخدامه داخل البناء السردي للفيلم.

وأضاف أن الفريق لم يكتفِ بالوثائق التي قدمها الأب، بل حاول الحصول على معلومات إضافية من مصادر أخرى، فقد تقدم بطلبات رسمية للحصول على بعض الوثائق وفق قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة، كما أجرى مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين كانت لهم صلة بحياة الرجل، وشملت هذه المقابلات أفراداً من العائلة وشخصيات أخرى عملت معه خلال سنوات مختلفة.