تسعيرة ركن السيارة ترهق ميزانيات المصريين

التضخم يضاعف أجور «السُيّاس» وتذاكر الجراجات

صف السيارات في أحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
صف السيارات في أحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

تسعيرة ركن السيارة ترهق ميزانيات المصريين

صف السيارات في أحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)
صف السيارات في أحد شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

فوجئ حسن دسوقي، مصمم غرافيك (40 عاماً)، بزيادة قيمة تذاكر الدخول لجراج دار الأوبرا المصرية من 20 جنيهاً إلى 40 (الدولار الأميركي يعادل 48.5 جنيه مصري)، بداعي «ارتفاع أسعار كل الأسعار والخدمات».

ارتفاع أسعار رَكن السيارة في مصر لم يقتصر على الجراجات وحسب، بل امتد إلى الشوارع التي ينشط فيها سُيّاس يحرسون الفراغ ويتقاضون أموالاً نظير وقوف السيارة بضع ساعات أو دقائق.

ويؤكد خبراء اقتصاد، من بينهم الدكتور رشاد عبده، أن التضخم وراء ارتفاع أسعار «ركن السيارات»، التي تعد تفصيلة يومية ضرورية باتت ترهق ميزانية المصريين، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التضخم يعني «زيادة أسعار السلع بما يفوق القيمة الحقيقية للدخل النقدي، فإذا كان دخل الفرد 3 آلاف جنيه على سبيل المثال وكان يشتري بها 100 سلعة، الآن إذا حصل على 6 آلاف جنيه لن يستطيع شراء أكثر من 80 سلعة من الفئة التي اعتادها».

صف السيارات في شوارع القاهرة من المهن الشائعة (الشرق الأوسط)

وأمام ارتفاع أسعار ركن السيارة داخل جراج الأوبرا المصرية اضطر حسن إلى البحث عن جراج بديل، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «وجدت بدائل أخرى بأسعار أقل حتى أتمكن من استخراج اشتراك يقلل تعريفة دخول جراج الأوبرا التي يدرس فيها أولادي».

ورغم أن القانون رقم 150 لسنة 2020 يعاقب كل من يمارس نشاط تنظيم انتظار المركبات في غير الأماكن المحددة أو بدون ترخيص، بالحبس والغرامة المالية، فإن عشرات السيّاس ينشطون في الكثير من الشوارع، ويواظبون على ممارسة مهنتهم من دون ترخيص، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط».

وبينما نجا أصحاب السيارات الذين يشتركون سنوياً بجراجات معروفة من ارتفاع الأسعار، فإن المشتركين بشكل شهري في جراجات أخرى باتت تؤرقهم الزيادات على غرار عادل إبراهيم، أحد سكان حي فيصل بالجيزة المكتظ بالسكان. يقول إبراهيم: «في بداية العام الحالي كنت أدفع 500 جنيه شهرياً، ومع بداية شهر أغسطس (آب) الجاري، طلب مني صاحب الجراج دفع 850 جنيهاً للشهر»، لافتاً إلى أنه يفضّل ترك سيارته في جراج بدلاً من تركها في الشوارع التي يعدّها «غير مضمونة».

يوضح إبراهيم أن «زيادة أسعار الكهرباء والمياه والغاز وكل السلع الغذائية بالآونة الأخيرة أرهقت ميزانيتنا المحدودة، فأنا موظف لا أمتلك سوى راتبي الذي لا يزيد على 7 آلاف جنيه شهرياً، وبالتالي فإن أي زيادة جديدة في أي خدمة تزيد من الأعباء الشهرية وتؤرقني، وهو ما اضطرني للبحث عن جراج آخر بسعر أفضل».

وتحتوي مصر على نحو 10 ملايين سيارة مرخصة وفق آخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أبريل (نيسان) الماضي، وتتنوع الجراجات في مصر ما بين أسفل البنايات أو متعددة الطوابق أو ساحات انتظار في الشارع.

ساحات انتظار في القاهرة توضح تسعيرة صف السيارات (الشرق الأوسط)

«فتحي السايس» المسؤول عن جراج إحدى البنايات الكبرى شرق القاهرة، قال إنهم «يعتمدون على الاشتراكات السنوية»، ونفى وجود زيادة في الأسعار خلال الفترة الماضية، ولكنه أكد أن «هناك نية لزيادة اشتراكات الجراجات في السنة المقبلة، بما يناسب الزيادة في أسعار السلع والخدمات».

وشهدت مصر موجة من الغلاء لسلع وخدمات مختلفة في مارس (آذار) الماضي، بعد أن خفّض البنك المركزي قيمة الجنيه المصري إلى نحو 49.5 مقابل الدولار، من مستوى 30.85 الذي استقر عنده خلال الشهور الـ12 السابقة. وشهدت تذاكر المترو ووسائل النقل العام زيادات على إثر زيادة أسعار المحروقات، كما قررت الحكومة زيادة سعر رغيف الخبز المدعم في يونيو (حزيران) الماضي، ليصبح 20 قرشاً بدلاً من 5 قروش.

ويبدأ جراج «عبد المنعم رياض» بالتحرير في وسط القاهرة بتعريفة قيمتها 10 جنيهات للساعة الواحدة، وهي التعريفة التي كانت قبل عام 5 جنيهات، وبالمثل حددت لافتات لساحات انتظار في أماكن متفرقة سعر الركن بقيمة 10 جنيهات في الساعة. وفق ما رصدته «الشرق الأوسط».

وخلال الآونة الأخيرة بات دفع 20 جنيهاً لحارسي الفراغ مقابل الركن في الشوارع أمراً متعارفاً عليه في شوارع القاهرة: «لا يقبلون حالياً بأقل من هذا المبلغ، ما يضطرني للذهاب إلى بعض المناطق من دون السيارة لصعوبة توفير مكان لصفها»، وفق دسوقي.

وتُعد الجراجات الخاصة للهيئات والعمارات السكنية في نطاق وسط القاهرة الكبرى من أغلى تعريفات صف السيارات؛ إذ تبدأ من 30 جنيهاً للساعة الأولى.

وقال الرجل الخمسيني الذي يطلق على نفسه لقب «محمد السايس» والذي يعمل في أحد شوارع حي مصر الجديدة (شرق القاهرة): «اضطررنا لزيادة سعر (الباركنج) من 10 إلى 20 جنيهاً؛ لأننا ندفع للجهات المعنية يومياً 500 جنيه»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نتعامل بالساعة، لكننا لا ندقق مع الزبائن، فمن الممكن أن تظل السيارة في مكانها لأكثر من ساعتين مقابل 20 جنيهاً».

ودفع ارتفاع أسعار ركن السيارات البعض إلى ترك سياراتهم في الجراجات والتحرك بحرية اعتماداً على شبكة مترو أنفاق القاهرة ذات الخطوط الثلاثة، أو ركوب سيارات الأجرة أو سيارات التطبيقات الذكية، على غرار المهندس عاطف عزيز (54 عاماً) الذي قال إنه فضّل «الهروب من زحام شوارع وسط البلد وأزمة الركن عبر استقلال المترو».

وبينما يشكو مواطنون من «السُيّاس» الذين يحرسون الشوارع ويتقاضون أموالاً نظير السماح لهم بالتوقف لبضع دقائق وساعات، من دون وجود سند قانوني، فإن الخبير القانوني أسامة سالم قال إن «هناك نصوصاً قانونية تحكم هذه المسألة، ولكن لا يتم متابعة تنفيذها وإحكام الرقابة عليها بالشكل الملائم».

وأضاف سالم لـ«الشرق الأوسط»: «أسعار الجراجات ارتفعت للغاية، حتى في الشارع حين أذهب لركن سيارتي بجوار عملي، أجد أسعاراً متفاوتة يطلبها السيّاس، حسب المنطقة، ولكنها جميعاً مبالغ فيها؛ ما يجعلني أحياناً أفضّل الاستغناء عن السيارة الخاصة بي وأستخدم سيارة أجرة».

ويؤكد الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن «تأجير الشوارع لصف السيارات يزيد معاناة المواطنين»، لافتاً إلى أنه كان يدفع «5 قروش لصف السيارة في الماضي. الآن إذا أعطيت السايس 10 جنيهات يبدو منزعجاً».


مقالات ذات صلة

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

يوميات الشرق لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنَّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية...

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حجازي وزوجته خلال الزفاف (صفحته على «فيسبوك»)

حبس الفنان محمود حجازي 6 أشهر في قضية ضرب زوجته

قضت محكمة جنح أكتوبر (السبت) بحبس الممثل المصري محمود حجازي 6 أشهر وكفالة قدرها 5 الآف جنيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين...

«الشرق الأوسط» (نابولي - إيطاليا)
يوميات الشرق الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.