الاعتزال المبكر موضة الفنانين... وأديل أحدث نجماته

الاعتزال المبكر موضة الفنانين... وأديل أحدث نجماته
TT

الاعتزال المبكر موضة الفنانين... وأديل أحدث نجماته

الاعتزال المبكر موضة الفنانين... وأديل أحدث نجماته

تعبت أديل. لم تخجل من الاعتراف بذلك أمام جمهورها المحتشد في ميونيخ الألمانية. بين أغنيةٍ وأغنية، فاتحت الفنانة البريطانية الحضور بقرارها الابتعاد عن المسرح «لوقتٍ طويلٍ جداً».

إنه زمنٌ ما عادت الصحة النفسية فيه من المحرّمات ولا مجرّد نظريّة، بل باتت تتفوّق أهميةً على النجاح المهني وعلى الشهرة. لذلك، فإن النجمة التي أذهلت العالم بصوتها قبل 18 عاماً، قررت البدء بحياةٍ جديدة وفق ما قالت.

المغنية البريطانية أديل خلال حفلها الأخير في ميونيخ الألمانية (إنستغرام)

لم تكن رحلة أديل (36 عاماً) سهلة فهي تعرّضت للتنمّر، كما أنها عانت من القلق والاكتئاب ونوبات الهلع. أما عائلياً، فقد خاضت زواجاً عاثراً. لكنها قبل أيام، وخلال حفل في ميونيخ كذلك، كشفت عن خطوبتها من الوكيل الرياضي الأميركي ريتش بول. هذا ما قد يفسّر عبارتها المبلّلة بالدمع: «أمضيت السنوات السبع الماضية وأنا أبني حياةً جديدة لنفسي، وأريد أن أعيشها».

لم تحدّد أديل الفترة الزمنية التي ستغيب خلالها عن الغناء والحفلات، لكن وفق ما أوحى كلامها فإنّ الفاصل سيكون طويلاً. باكيةً، شكرت الفنانة جمهورها وأكدت لهم أنها سوف تشتاق إليهم كثيراً، على أن تحيي حفلها الأخير في نوفمبر (تشرين الثاني) من ضمن جولتها في لاس فيغاس الأميركية.

@christophhaese.mua

Adeles Finale emotional goodbye speech in Munich. Everyone was so emotional and felt every word she said. Thank you Adele for an unforgettable summer. You will be missed but enjoy ur well deserved break. @Adele Access #adele #adeleinmunich #adeleworld #adeleaccess #emotional #fyp

♬ original sound - Christoph Haese

اعتزالٌ فعودة

المرة الأخيرة التي أطلّت فيها كاميرون دياز سينمائياً على جمهورها كانت منذ 10 سنوات. فبعد الفيلم الـ43 في مسيرتها، قررت الممثلة الأميركية المحبوبة أن تعتزل. بررت الأمر بأنها تريد أن تهتمّ بنفسها بعد 30 سنة أمضتها أمام الكاميرا.

كانت حينذاك في الـ42 من عمرها وفي ذروة مسيرتها، لكنها اعترفت لاحقاً بأنّ الانسحاب من تحت أضواء هوليوود جعلها تجد السلام الداخلي لأنها بدأت الاعتناء بذاتها، كما أنها تخلّصت من ضغط الشهرة.

وضعت كاميرون دياز حداً لمسيرتها السينمائية عام 2014 (أ.ف.ب)

خلال سنوات الاعتزال، أصدرت دياز كتباً تُعنى بالصحة الجسدية والنفسية، كما استثمرت في شركاتٍ ناشئة ضمن المجال ذاته. أما على المستوى الشخصي، فهي تزوّجت من الموسيقي بنجي مادن واستقبلت معه طفلَين.

وبعد أن نفّذت دياز المشاريع الخاصة والمهنية التي حال التمثيل دونها، ها هي تعلن عودتها إلى السينما من خلال فيلم يُعرَض قريباً على «نتفليكس» بعنوان «Back in Action». إلا أنها عودة مشروطة بأن تبقى الأولوية فيها لعائلتها ولاستقرارها النفسي.

تزوجت دياز في فترة اعتزالها من الموسيقي بنجي مادن (إكس)

هاري بديلاً عن التمثيل

لكن ليس كل الفنانين الذين اختاروا الاعتزال وهُم بعد في ذروة عطائهم، جاهزين للعودة كما فعلت دياز. فمنهم مَن خرج من دائرة الضوء ولم يَعد. وفيما وجد البعض نفسه مرغماً على الاعتزال المبكر لأسباب صحية، تخلّى البعض الآخر عن التمثيل بداعي الحب، على غرار ميغان ماركل.

قبل أن تتحوّل الشابة الأميركية إلى زوجة الأمير هاري وقبل أن تحمل لقب دوقة ساسكس، كانت ممثلة بدوامٍ كامل. لكنّ دخولها العائلة الملكية البريطانية أرغمها على التخلّي عن شغفها؛ وهي كانت قد برزت في مسلسل «Suits» على «نتفليكس» بشخصية «ريتشل زين» على مرّ 7 مواسم ما بين 2011 و2016.

ميغان ماركل خلال مشاركتها في مسلسل Suits (نتفليكس)

غوينيث والبيزنس

وإذا كان الحب هو الذي دفع بماركل إلى الاعتزال، فإنّ ريادة الأعمال كانت السبب خلف ابتعاد الممثلة غوينيث بالترو عن المجال. ففي عام 2017، وبعد مسيرة مميّزة تخلّلها أوسكار عن دورها في فيلم Shakespeare in Love، أعلنت النجمة الأميركية عن رغبتها في أخذ فاصل من التمثيل.

ارتأت بالترو وهي في الـ45، أن تمنح كامل تركيزها لعلامتها التجارية Goop، مكتفيةً بإطلالتين سينمائيتَين خاطفتَين حتى 2019. إلا أنها ومنذ 5 سنوات ملتزمة بقرارها، وهي صرّحت بأنه سيكون من الصعب جداً عليها التمثيل في الوقت الراهن بسبب عملها الخاص.

النجمة الأميركية غوينيث بالترو مبتعدة عن التمثيل منذ 2017 (رويترز)

كبير المعتزلين

بقرارٍ شخصيّ غير واضح الأسباب وفي عامه الـ60، أعلن دانيال داي لويس اعتزاله التمثيل عام 2017. جاء ذلك بعد عدم حصوله على أوسكار عن فيلمه الأخير «The Phantom Thread» والذي كان قد أرهقه على المستويين النفسي والجسدي.

رجّح النقّاد أن تكون الخيبة هي التي دفعت بداي لويس إلى قراره، وتوقّعوا كذلك أن يعود عنه بسرعة لأنه سبق أن أعلن مراراً الاعتزال مبتعداً لفتراتٍ طويلة. غير أنّ قرار الممثل البريطاني يبدو صلباً فهو ملتزم به أكثر من أي وقت، كما أنه توارى عن الأنظار وليس عن السينما فحسب.

الممثل البريطاني المعتزل والحائز على 3 جوائز أوسكار دانيال داي لويس (أ.ف.ب)

تقاعد قسريّ

إذا كان بعض الممثلين قد اعتزل الفن وهم في كامل صحّتهم، فإنّ قرار البعض الآخر جاء قسرياً وخارجاً عن إرادتهم، كما كانت الحال مع بروس ويليس.

خلال تصوير أدواره الأخيرة، واجه أحد أبرز نجوم هوليوود مشكلات في الحفظ والاستيعاب وأحياناً النطق، إلى درجة أنه كان غير مدرك مكان تواجده، كما كان يجري تلقينه النص في أذنه. لم يعلم أحدٌ حينها بأنّ بطل «داي هارد» يعاني من الخرف الجبهي الصدغي، إلى أن أعلنت عائلته الأمر عام 2023.

مع هذا المرض النادر، طوى ويليس صفحةً حافلة بالأمجاد السينمائية والبطولات الخارقة وعشرات الجوائز.

اعتزل الممثل بروس ويليس قسرياً بسبب وضعه الصحي (أ.ف.ب)

محبوب الفرنسيين

وفق استطلاعات الرأي السنوية، فإنّ جان جاك غولدمان هو محبوب الفرنسيين الأول. لا رئيس جمهورية ولا فناناً آخر ينافسه على قلوب مواطني بلده. لكنّ كل هذا الحب لم يَحُل دون اعتزاله المبكر جداً عام 2004، وهو في الـ52 من عمره.

لم يعطِ غولدمان تفسيراً واضحاً لخطوته، لكنّ الجميع كان يعرف أنه لم يهوَ الشهرة ولا الأضواء يوماً، وأنّ خشبة المسرح لطالما أقلقته وأتعبته. فضّل التفرّغ لتربية أولاده والعيش في لندن، حيث لا يعرفه أحد، بعيداً عن باريس التي شهدت على أقوى حفلاته.

جان جاك غولدمان المغنّي المعتزل ومحبوب فرنسا الأول (إكس)

«بوند» اعتزل...

تزامناً مع تلقّيه جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأميركي عام 2006، أعلن الممثل الأسكوتلندي الراحل شون كونري اعتزاله في سن الـ75.

كان بطل «جيمس بوند» يكرّر في تلك الآونة انزعاجه ممّن تسلّموا دفّة صناعة الأفلام في هوليوود. وهو ردّ ساخراً عندما سئل عمّا قد يجعله يتراجع عن قراره: «وحده فيلم جديد من سلسلة إنديانا جونز قد يجعلني أعود، لكنّ الاعتزال مسلٍ جداً».

الممثل الأسكوتلندي الراحل شون كونري (رويترز)

وكذلك فعل «سوبرمان»

ليس الاعتزال حديث العهد في عالم الشهرة، فكثيرون هم الممثلون والمغنّون الذين اختاروا الابتعاد خلال العصر الذهبي للسينما والأغنية. فما فعله الأسطورة «جيمس بوند»، كان قد سبقه إليه نجم «سوبرمان» جين هاكمان. ففي سنّ الـ74 ورغم أنه كان ما زال ناشطاً في المجال السينمائي ويقدّم دوراً تلو الآخر، قرر الممثل الأميركي رفع الراية البيضاء.

في وقتٍ لاحق، كشف جاكمان أنّ ما دفعه إلى الاعتزال هو الإجهاد الذي تعرّض له. وأضاف أنه أصغى إلى نصيحة طبيب القلب بضرورة التخفيف من الضغط الذي يتسبب به التمثيل. وهو تفرّغ منذ ذلك الحين لكتابة الروايات.

الممثل الأميركي جين هاكمان حائزاً على جائزة تكريمية في «غولدن غلوب» 2003 (أ.ب)

اعتزال الأساطير

كانت أسطورة سينما الثلاثينات وجميلة الشاشة الفضية غريتا غاربو في الـ36 عندما وضعت حداً لمسيرتها. قدّمت آخر أفلامها «The Two Faced Woman» عام 1941 وهو لاقى استهجان النقّاد، فيما وصفته هي بمقبرتها.

ليس ذاك الفشل وحده الذي دفع بغاربو إلى الاعتزال، فهي كانت تقلق دائماً من تقدّمها في السن، كما أنها لم تتأقلم يوماً مع حياة الشهرة. وليس سوى قبل 4 سنوات من وفاتها، حتى اعترفت بأن هوليوود أتعبتها وبأنها لم تكن تحب عملها، كاشفةً أنها غالباً ما كانت تُرغم نفسها على التوجّه إلى الأستوديو.

نجمة سينما الثلاثينات الممثلة السويدية الأميركية غريتا غاربو (إنستغرام)

من المسارح إلى السفارات

شيرلي تمبل هي الطفلة الأشهر في تاريخ هوليوود وقد تميّزت منذ سن الـ3 غناءً وتمثيلاً فاستحقت جائزة أوسكار تكريمية. إلّا أن مسيرتها لم تتخطّ الـ18 عاماً فهي اعتزلت في الـ21 من عمرها، لتنطلق إلى مجال مختلف كلياً.

انجذبت تمبل إلى السياسة وهي خدمت سفيرة للولايات المتحدة الأميركية لدى كلٍ من غانا وتشيكوسلوفاكيا.


مقالات ذات صلة

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

أثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»...

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

رسائل «مولانا» تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

وجد اللبناني في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة.

فيفيان حداد (بيروت)

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
TT

دواء فعّال لحماية مرضى السكري من النوبات القلبية

خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)
خفض الكوليسترول بشكل مبكر يسهم في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية (مستشفى ماس جنرال بريغهام)

أظهرت دراسة سريرية أميركية أن إضافة دواء يخفض الكوليسترول بشكل مكثف إلى العلاج القياسي يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر.

وأوضح الباحثون في مستشفى ماس جنرال بريغهام بالولايات المتحدة، أن النتائج تظهر فائدة خفض الكوليسترول بشكل مبكر في وقاية مرضى السكري من النوبات القلبية، ونُشرت النتائج، السبت، بدورية «JAMA».

ويمكن لمرض السكري أن يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية، إذ يؤدي ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة إلى تلف الأوعية الدموية والقلب، ويسهم في تراكم الدهون والكوليسترول داخل الشرايين. كما أن مرضى السكري غالباً ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو اختلال الدهون في الدم، ما يزيد من احتمالية انسداد الشرايين وحدوث أزمات قلبية. ومن أهم خطوات الحد من هذه المخاطر، التحكم بمستويات السكر، واتباع نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.

وشملت التجربة السريرية 3655 مريضاً يعانون من سكري عالي الخطورة، مثل المرضى الذين يعانون من السكري لأكثر من 10 سنوات، أو يحتاجون إلى الأنسولين يومياً، أو لديهم أمراض الأوعية الدقيقة. وتلقى المشاركون إما حقن «إيفولوكوما» الخافضة للكوليسترول كل أسبوعين وإما دواء وهمي، مع استمرار جميع المشاركين على العلاج القياسي للكوليسترول، بما في ذلك «الستاتينات» و«إزيتيميب».

دواء «إيفولوكوما»

وبعد 48 أسبوعاً، تبين أن دواء «إيفولوكوما» خفّض مستويات الكوليسترول الضار بنسبة تقارب 60 في المائة، ما أسهم في تقليل خطر حدوث أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 31 في المائة مقارنة بالعلاج القياسي وحده.

وعلى مدى متابعة استمرت نحو خمس سنوات، سجلت مجموعة «إيفولوكوما» معدل حدوث أحداث قلبية وعائية أولى بنسبة 5 في المائة مقابل 7.1 في المائة في مجموعة الدواء الوهمي.

وأظهرت الدراسة أن معدلات الآثار الجانبية كانت متقاربة بين المجموعتين، ما يشير إلى أن العلاج كان جيد التحمل لدى هذه الفئة من المرضى.

وأشار الباحثون إلى أنه على مدار أكثر من عقد، كان استخدام العلاجات المكثفة لخفض الكوليسترول يقتصر على المرضى الذين لديهم أمراض قلبية معروفة.

وأضافوا أن هذه النتائج تظهر أن خفض الكوليسترول المبكر يمكن أن يمنع أول نوبة قلبية أو سكتة دماغية لدى مرضى السكري المعرضين للخطر، حتى قبل ظهور تصلب الشرايين الكبير. وقد يؤدي استخدام «إيفولوكوما» أو علاجات مكثفة مشابهة إلى تعديل التوصيات الطبية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية في الفئات عالية المخاطر.

ونوه الفريق بأن تطبيق هذا العلاج على نطاق أوسع يمكن أن يقلل معدلات الوفاة والأمراض القلبية الخطيرة لدى ملايين مرضى السكري حول العالم.


لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.