«سوق ديانا» في القاهرة تبيع أنتيكات برائحة «الزمن الجميل»

انخفاض أسعارها أدى لزيادة الإقبال عليها

التحف والمقتنيات القديمة أبرز معروضات السوق (الشرق الأوسط)
التحف والمقتنيات القديمة أبرز معروضات السوق (الشرق الأوسط)
TT

«سوق ديانا» في القاهرة تبيع أنتيكات برائحة «الزمن الجميل»

التحف والمقتنيات القديمة أبرز معروضات السوق (الشرق الأوسط)
التحف والمقتنيات القديمة أبرز معروضات السوق (الشرق الأوسط)

التحقت سارة إبراهيم، 35 عاماً، بزحام سوق «ديانا» بوسط القاهرة، في إرضاء لشغفها بـ«اقتناء» السّلع والتّحف والعملات القديمة التي تتخصص هذه السوق في القاهرة بعرضها، وتُعرف كذلك بـ«سوق السبت» نسبةً لليوم الأسبوعي الوحيد الذي يستقبل جمهوره فيه.

يُطلق على هذه السوق اسم «ديانا» نسبةً إلى سينما «ديانا بالاس» العريقة التي تقع في محيط الشوارع المؤدية إليها.

تقول سارة إنها تعرّفت على السوق منذ نحو عامين، رغم أنها كانت تسمع عنها منذ سنوات: «بدأ الأمر صدفة، خلال جولة لي مع صديقة، فانبهرنا بكمية المعروضات التي لم نجدها سوى في هذه السوق، وصرت أولاً أقصدها للتنزّه بها من وقت لآخر. وقد اشتريت منها اليوم صوراً قديمة من أرشيف فيلم (معبودة الجماهير)، وصدف بحر عملاقاً لم أرَ مثله من قبل، وكذلك علبة معدنية قديمة مرسوم عليها (روميو وجولييت) كالتي كانت تستخدمها الجدات قديماً لحفظ أغراض الخياطة، وجميعها بأسعار معقولة، وتحمل معها زمناً قديماً لم نعشه»، كما تقول في حديثها مع «الشرق الأوسط».

الأسطوانات القديمة إحدى السلع التي يبحث عنها زوار السوق (الشرق الأوسط)

رغم حرارة الطقس، كان زوار السوق ومرتادوها يتدفقون ويتحلقون حول المعروضات التي يفترشها الباعة على الأرض بكميات كبيرة، ويبدو تأمل تلك المعروضات في حد ذاته ضرباً من المتعة، يمكن أن ينطبق عليه المثل الشعبي المصري المعروف: «سمك لبن تمر هندي» بما يدّل على التنوّع المدهش في نوعية السلع، بداية من الساعات القديمة، إلى أطباق الطعام التي تحمل طابعاً تاريخياً، فيحمل بعضها توقيع «صنع في ألمانيا الغربية»، الذي يعود إلى ما قبل إعادة توحيد ألمانيا، ويمكن مشاهدة زجاجة مياه غازية فارغة تعود للفترة الملكية في مصر، يشير إليها أحمد محمود، بائع المقتنيات القديمة بالسوق.

عملات وتذكارات معدنية (الشرق الأوسط)

يقول محمود: «يمكن على تلك الزجاجة رؤية شعار علم مصر القديم (الهلال والنجمات الـ3 ولونها الأخضر)، وتحمل اسم (كايروأب) التي كانت إحدى شركات المياه الغازية في مصر في عهد الملك فؤاد، وما زال هناك زبائن إلى اليوم يهتمون كثيراً باقتناء مثل تلك التذكارات التي تحمل معها جزءاً من تاريخ الصناعة في هذا الوقت، علاوة على شكلها وتصميمها الجمالي الذي يعكس تطوّر التصميم»، كما يشير في حديثه مع «الشرق الأوسط»، ويضيف: «جمهور هذه السوق هو الباحث عن اقتناء الذكريات، عبر تذكارات تحمل معها جزءاً من تاريخهم الشخصي أو الذي لم يعيشوه، فمثلاً يُقبل الجمهور هنا على شراء ملصقات سينما قديمة، أو حتى صابونة مُغلّفة تعود للخمسينات تُذكرهم بمصانع الفترة الناصرية، ويشترون كروت الشحن القديمة التي كانت تُستخدم في كابينات التليفون بالشوارع قبل انتشار الهاتف المحمول، وهي ذكريات يعرفها جيل الثمانينات والتسعينات بشكل خاص ويستعيدونها مع معروضات السوق».

معروضات نوستالجية تجذب الجمهور (الشرق الأوسط)

تظهر صور الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في وسط المعروضات، كما تظهر بورتريهات لعبد الحليم حافظ، وملصقات لنجوم كرة القدم في السبعينات، تُجاور شرائط كاسيت قديمة يشير البائع لإحدى الزبونات إلى أن سعر أي شريط كاسيت لمحمد عبد الوهاب 25 جنيهاً، فيما تُعرض أسطوانات التسجيلات القديمة بكميات كبيرة يبدأ سعرها من 50 جنيهاً، وكذلك الكاميرات التي تتراوح في تاريخها، وتبدأ من 200 جنيه وحتى 2000 جنيه (الدولار يعادل 48.6 جنيه)، ويعرض أحمد مهاب كثيراً من أجهزة التليفون القديمة التي تلفت أنظار الزوار.

يشير مهاب لأحد تلك الأجهزة التقليدية ذات القرص الدوّار ويقول عنه: «سعر هذا التليفون ألف جنيه مصري؛ وذلك لأنه يعود لفترة الخمسينات ولأن لونه الأحمر نادر، في حين أبيع الجهاز نفسه باللون الأسود بـ500 جنيه لأنه أكثر انتشاراً، فيما تقلّ أسعار تلك الهواتف الأرضية كلما كانت أحدث، فالتليفون ذو القرص الدوار الذي يعود لفترة التسعينات يُعرض للبيع بـ300 جنيه، وعلى الرغم من سطوة أجهزة الجوّالات المحمولة فلا يزال هناك جمهور يبحث عن تلك الأجهزة، إما لرخص سعرها نسبياً عن أجهزة التليفون الأرضي الحديثة، أو رغبة في اقتنائها بوصفها قطع أنتيكات للديكور»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط».

هواتف قديمة ونادرة تلفت أنظار الزوار (الشرق الأوسط)

أما باعة العملات والأوراق النقدية القديمة، فيبدو جمهورهم في ازدياد على مدار ساعات السوق؛ حيث يحتفظون بالعملات المعدنية التي تتراوح بين الفضية والنحاسية في أكوام ضخمة، سواء عملات مصرية أو عربية يختلف سعرها حسب تاريخها الزمني، ينادي البائع لطفي عبد الله على الزبائن: «الواحدة بـ10 جنيه» في إشارة منه لعملة «النصف جنيه» المصري وعملة «الربع جنيه» التي أصبحت جزءاً من التاريخ بعد انهيار قيمتها الشرائية، فيما يشير إلى عملات أخرى أجنبية يحتفظ بها داخل «كاتالوغ» مُغلّف، تظهر على عملة كبيرة الحجم صورة ملكة بريطانيا الراحلة إليزابيث تعود لفترة السبعينات، وعملة أخرى منقوش عليها شعار بطولة الألعاب الأولمبية في مونتريال 1976 التي يعرضها للبيع بـ2600 جنيه مصري، ويقول عنها: «تلك عملة من الفضة الخالصة وثقيلة الوزن، ولها قيمتها التاريخية التي يبحث عنها كثيرون من المقتنين، فجمهور العملات النادرة هم أقدم جمهور لهذه السوق، التي كانت في بداياتها تعتمد على بيع العملات وشرائها، ثم بدأ في التوسع التدريجي ليشمل مختلف المعروضات النادرة والمقتنيات القديمة»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

شرائط كاسيت قديمة لكوكبة من نجوم الغناء (الشرق الأوسط)

ويبدو أن جمهور سوق «ديانا» لا يقتصر فقط على المصريين، فهو بات جزءاً من الجولات السياحية للكثير من السائحين من جنسيات مختلفة، منهم لي شواي، سائحة صينية، تتحدث مع «الشرق الأوسط» وتقول: «أزور مصر في رحلة عمل، وهذه أول مرة لي في هذه السوق، وما لفتي كثيراً أن هناك معروضات وتحفاً عليها نقوش ورسوم صينية شعبية، لم أكن أعرف أنهم في مصر مهتمون بالفنون والخطوط الصينية القديمة التي تظهر على اللوحات وأطباق التزيين هنا».

السوق تشهد حراكاً واهتماماً من الزوار (الشرق الأوسط)

ويُبدي عبد الله سعداوي، بائع في سوق ديانا، انتباهه لما يصفه بـ«الجمهور الجديد للسوق»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «زاد الجمهور بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، وجزء كبير من هذا الأمر يعود لانخفاض الأسعار من جهة والميل لشراء السلع المستعملة كبديل للسلع الجديدة مرتفعة الثمن، بما فيها السلع الاستعمالية كالحقائب والنظارات وأطقم المائدة، وكذلك بسبب كثافة الفيديوهات التي صار يصوّرها المؤثرون عبر منصات التواصل الاجتماعي عن السوق وتجربة الشراء فيها، وهو ما جعل جمهوراً أكبر من الشباب يأتي بفضول لاستكشافها».


مقالات ذات صلة

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

يوميات الشرق لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

فرار بونابرت السري عام 1799 من الإسكندرية، ليلة دراماتيكية تخلّى فيها نابليون عن جيشه المنهك بمصر وصدم كليبر، ليقفز نحو السلطة المطلقة في باريس.

كوثر وكيل (لندن)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

السعودية تضيف خدمة «آي آر إف» لميناء جدة لربطه بموانئ السخنة وسفاجا المصرية

أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ)، إضافة خدمة الشحن «آي آر إف» التابعة لشركة «بي آي إل» العالمية إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

تجويع وتعذيب ينتهي بقتل... وقائع مأساة جديدة تكشفها مديرية أمن أجدابيا في (شرق ليبيا) يتعرض لها مهاجرون غير نظاميين على يد عصابات الاتجار بالبشر.

جمال جوهر (القاهرة)
يوميات الشرق مدن مصر بتأثيرات الأشعة تحت الحمراء للفنان فادي قدسي (الشرق الأوسط)

«الطيف المخفي»... مدن مصرية تُعاد رؤيتها بعدسة غير مألوفة

تتحوَّل الأسطح العاكسة للمباني إلى أشكال غامضة في مقابل الأشجار المتوهّجة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
شؤون إقليمية سفن بحرية وقوارب مصرية خلال التدريب المصري - الروسي المشترك في أبريل الماضي (المتحدث العسكري المصري)

حديث إسرائيلي عن إطلاق نار على سفينة حربية مصرية... والقاهرة تشكك

قابل سياسيون وخبراء مصريون الحديث الإسرائيلي عن إطلاق «البحرية الإسرائيلية» النار على سفينة حربية مصرية داخل المياه الإقليمية لقطاع غزة، بالتشكيك في صحته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)
TT

ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)

ربما لا يحتاج قصر باكنغهام إلى مزيد من الأسرار، لكن أعمال ترميمه الأخيرة وجدت ما لم تكن تتوقعه فرق العمل: حذاءً قديماً، وتذكرة لحفل لعبة ورق، وقصاصة صحيفة، وقسائم مراهنات، وأشياء أخرى تبدو عادية جداً، لكنها بقيت مخبأة داخل القصر لعقود.

لم تكن هذه المقتنيات جزءاً من مجموعة ملكية أو تحف نادرة، بل أشياء تركها أشخاص عاشوا وعملوا في القصر، ثم اختفت بين الجدران وتحت الأرضيات، إلى أن أعادت أعمال التجديد اكتشافها.

ومن أكثر الأشياء إثارة تذكرة صغيرة لحفل «ويست درايف» للعب الورق، أقيم في القصر عام 1949. لم يتجاوز سعرها ستة بنسات، لكنها بقيت عالقة داخل كتلة من الطوب لأكثر من 70 عاماً، قبل أن تقع بين أيدي العمال.

وبالقرب منها ظهرت قسائم لمسابقة مراهنات على مباريات كرة القدم تعود إلى عام 1957، وعلبة سجائر فارغة، وزجاجة مياه معدنية، وحتى قصاصة من برنامج عروض مسارح ويست إند تعود إلى عام 1889. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وتبدو بعض هذه الأشياء كأنها بقايا يوم عادي لشخص كان يعمل في القصر، شخص ربما أنهى عمله وترك وراءه صحيفة أو علبة سجائر أو تذكرة لمناسبة اجتماعية، من دون أن يعرف أن هذه الأشياء ستبقى هناك حتى القرن الحادي والعشرين.

قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)

لكن الاكتشافات لم تكن كلها شخصية. فقد عثر العمال على وثيقة مكتوبة على آلة كاتبة تكشف عن جانب من الاستعدادات الدقيقة التي سبقت حفل استقبال دبلوماسي أقامته الملكة إليزابيث الثانية عام 1977 بمناسبة يوبيلها الفضي. وتضمنت التعليمات تفاصيل حول حركة الملكة بين الضيوف وكيفية تشجيع نحو 350 بريطانياً على الاختلاط بالدبلوماسيين.

كما ظهرت صفحات من صحيفة «ديلي إكسبريس» تتناول أفراد العصابة المدانين في قضية «سرقة القطار الكبرى» الشهيرة عام 1963، في تذكير بأن أخبار العالم الخارجي كانت تجد طريقها أيضاً إلى غرف العاملين في القصر.

وتظهر هذه الكنوز الصغيرة خلال مشروع تجديد باهظ التكلفة لقصر باكنغهام، يتضمن استبدال أنظمة كهربائية وأنابيب وتجهيزات قديمة لم تُحدّث منذ نحو 60 عاماً.

لكن ربما تكون أجمل مفاجآت المشروع ليست في الأسلاك والأنابيب التي يجري استبدالها، بل في الأشياء التي لا قيمة مادية لها تقريباً.

فالحذاء المهترئ والتذكرة القديمة وقصاصة الصحيفة تقول شيئاً مهماً عن القصور الملكية: خلف المراسم الرسمية والزيارات والاحتفالات، هناك دائماً حياة بشرية عادية، لها صحفها ومراهناتها وحفلاتها الصغيرة وأشياؤها التي قد تضيع... ثم تظهر بعد عشرات السنين لتروي الحكاية من جديد.


عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
TT

عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)
ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)

قال المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، أحد مؤسسي أكاديمية غزة للسينما، إن فكرة الأكاديمية ولدت من حاجة تتجاوز تعليم صناعة الأفلام إلى بناء مساحة سينمائية قادرة على الاستمرار في غزة، موضحاً أن التفكير في المبادرة بدأ قبل نحو عامين من خلال مشروع دبلوم لصناعة الأفلام.

وأضاف شلح -وهو مؤسس مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة»- في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن الفكرة منذ بدايتها لم تكن إنشاء برنامج ينتهي بتخرج المشاركين، وإنما تأسيس مسار يمنح الفلسطينيين أدوات صناعة الصورة، ورواية تجاربهم بأنفسهم، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى امتلاك هذه الأدوات أكثر إلحاحاً.

ولفت شلح إلى أن نجاح تجربة الدبلوم دفع إلى الانتقال من فكرة التدريب المؤقت إلى مشروع أكثر استدامة، مشيراً إلى أن المخرجة والمنتجة الفلسطينية مي المصري شاركت في المشروع منذ بدايته، وتشغل مهمة المشرف العام على الدبلوم. وقال إن «الفارق بين الدبلوم والأكاديمية هو في قدرتها على احتضان أجيال متتالية من صناع الأفلام، بحيث لا تنتهي التجربة بمجرد انتهاء الدراسة، وإنما تتحول إلى بنية تعليمية وإنتاجية تظل مفتوحة أمام المواهب الجديدة، وتمنح السينما الفلسطينية في غزة فرصة للاستمرار رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع».

وأُعلن عن إطلاق «أكاديمية غزة للسينما» دولياً على هامش الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي بوصفها مبادرة فلسطينية تستهدف تأسيس مساحة مستدامة للتعليم، والتدريب، والإنتاج السينمائي في قطاع غزة، وربط المواهب الناشئة بالمشهد السينمائي العربي، والدولي.

وتأسست الأكاديمية على يد المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، والمخرجة الفلسطينية مي المصري، وبدعم ومشاركة عدد من أبرز صناع السينما، بينهم المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، والممثلان هيام عباس، وصالح بكري، والممثل والمخرج الأميركي المصري رامي يوسف، إلى جانب المنتجة الإيطالية غراتسييلا بيلدسهايم، والمنتج والموزع السينمائي علاء كركوتي.

المخرج الفلسطيني عز الدين شلح (إدارة الأكاديمية)

وأكد شلح أن «الحرب جعلت وجود الأكاديمية أكثر إلحاحاً، لأن غزة، لا تواجه فقط مأساة يومية يجري نقلها في الأخبار، وإنما تختزن آلاف الحكايات التي نشأت من قلب هذه التجربة»، على حد تعبيره. ورأى أن كل واحدة من هذه الحكايات تحمل تفاصيل إنسانية، وذاكرة، وتجربة شخصية تستحق أن تتحول إلى فيلم، ليس باعتبار الفيلم بديلاً عن الخبر، وإنما باعتباره طبقة أعمق من السرد قادرة على الاحتفاظ بما لا تستطيع التغطية اليومية الاحتفاظ به.

وبيّن أن «جوهر المشروع يكمن في الانتقال من (الخبر) إلى (ما وراء الخبر)»، موضحاً أن «الصورة لعبت دوراً حاسماً في تعريف العالم بما يحدث في غزة، لكن السينما تستطيع أن تتوقف عند الأثر الذي يتركه الحدث في حياة البشر، فالخبر يسجل الواقعة، بينما يذهب الفيلم إلى ما خلفها؛ إلى الإنسان الذي فقد، والعائلة التي تغيرت حياتها، والذاكرة التي تشكلت تحت القصف، والنزوح، والخوف، وأن هذه المنطقة الإنسانية قد تكون أكثر إيلاماً من الحدث نفسه، لأنها تكشف كيف يتحول الخبر الكبير إلى حياة يومية يعيشها الناس بكل تفاصيلها».

وأشار المخرج الفلسطيني إلى أن الأكاديمية تريد أن تمنح أصحاب هذه الحكايات فرصة لأن يصبحوا هم رواة تجاربهم، بدلاً من أن تظل غزة موضوعاً تلتقطه كاميرات الآخرين، معتبراً أن تعليم شاب أو شابة صناعة الفيلم لا يعني فقط إكسابه مهارة فنية، وإنما منحه وسيلة لاستعادة حقه في تشكيل صورته، ورواية قصته، بحيث تصبح الكاميرا أداة للتعبير من الداخل، وليست مجرد وسيلة لتسجيل ما يحدث من الخارج.

وشدد شلح على أن «قيمة هذا التوثيق لا تتوقف عند اللحظة الراهنة، لأن الأفلام التي تصنع من داخل غزة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى أرشيف بصري يحتفظ بأصوات الناس، وصورهم، وتجاربهم». وربط شلح بين هذا التوثيق والمستقبل، مشيراً إلى أن «العالم لا يبقى على حاله، وأن الظروف السياسية التي تبدو ثابتة اليوم يمكن أن تتغير غداً، مع احتمال الوصول مستقبلاً إلى مراحل للمحاسبة، والمحاكمة، مما يجعل حفظ الوثائق أمراً بالغ الأهمية»، وفق قوله.

الملصق الترويجي لفيلم من غزة (الشركة المنتجة)

وأكد أن الأكاديمية لا تريد صناعة الأفلام لكي تبقى داخل غزة، وإنما تسعى إلى منحها مساراً للعرض حول العالم، موضحاً أن «الخطة تقوم على إنتاج أفلام تستند إلى قصص واقعية من القطاع، ودفعها إلى المهرجانات الدولية». وتابع المخرج الفلسطيني أن «الفيلم حين يغادر حدود المكان الذي ولدت فيه حكايته يصبح قادراً على الوصول إلى جمهور لم يعش التجربة، والجمهور جزء من مجتمعات قادرة على التأثير في حكوماتها»، مقراً بأن مثل هذا التأثير يحتاج إلى وقت، لكنه شدد على أن الانتظار لا يعني التوقف عن الفعل، لأن صناعة فيلم وإيصاله إلى مهرجان دولي يمثلان شكلاً من أشكال العمل الممكنة في ظل واقع شديد الصعوبة، ومن هذا المنظور تصبح الأكاديمية جزءاً من محاولة أوسع لإبقاء الصوت الفلسطيني حاضراً في المجال العام العالمي.

وكشف عن أن إطلاق الأكاديمية دولياً من «فينيسيا» كان خطوة ذات دلالة، مشيراً إلى أن الإعلان عنها خلال فعاليات المهرجان حظي بتجاوب واسع، ووصلت رسائل من جهات أبدت استعدادها للتعاون، والدعم، إلى جانب اهتمام آخرين بالانضمام إلى المشروع. وعد هذا الحضور فرصة لوضع الأكاديمية أمام المجتمع السينمائي الدولي، وفتح نقاش حول احتياجاتها، وإمكانات التعاون معها، بما يساعد على بناء شبكة من الشركاء حول مشروع سينمائي ينطلق من غزة إلى العالم.


«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

TT

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)
أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)

مَن يقرأ روايات أجاثا كريستي المنغمسة في عالم الجريمة الغامضة، يتصوّر كاتبةً مسنّة جالسةً خلف مكتبٍ خشبيّ داخل غرفةٍ معتمة، وأنها نادراً ما تتحرّك من مكانها. لكنّ سيرتها التي لا يعرفها كثيرون تقول خلاف ذلك.

أمضت كريستي حياةً شبيهةً بيوميات الرحّالة، فاستوحت معظم رواياتها الـ72 من أسفارها حول العالم. وكان للبلاد العربية الأثرُ الأكبر على الأديبة التي تنقّلت بين مصر، والعراق، وبلاد الشام. غالباً ما تنقّلت في رحلاتها تلك على متن «قطار الشرق السريع»، الذي تحوَّل إطاراً لأشهر رواياتها على الإطلاق «جريمة في قطار الشرق السريع».

أجاثا كريستي في مصر عام 1931 (المتحف البريطاني)

مصر البداية

رحلتُها الأولى صوب المَشرق كانت إلى مصر في شتاء عام 1907. في الـ17 من عمرها، قررت السفر وأمَها المريضة من إنجلترا الباردة إلى دفء القاهرة حيث نزلتا في فندق «الجزيرة بالاس»، وأمضتا هناك 3 أشهر.

خلال إقامتها في العاصمة المصرية، شاركت كريستي بكثافة في المناسبات الاجتماعية فشوهدت في السهرات الراقصة ومباريات البولو. وبرفقة والدتها كلاريسا، زارت أهرام الجيزة ومواقع أثريّة أخرى.

يوم عادت إلى بريطانيا، بقيت صور القاهرة ومغامراتها هناك محفورةً في بالها، وهي ألهمَت تجربتها الروائية الأولى «ثلجٌ على الصحراء» التي لم تبصر النور.

فندق «الجزيرة بالاس» في القاهرة حيث أقامت كريستي ووالدتها ما بين 1907 و1908 (فيسبوك)

حبٌ على ضفاف دجلة والفرات

قبل الانغماس في الحِبرٍ من جديد، أخذت الحياة أجاثا كريستي في اتّجاهٍ مختلف. متأثّرةً بزوجها الأول الذي كان عقيداً مقاتلاً في الحرب العالمية الأولى، تطوّعت لتصبح ممرضة محترفة. لكن لم يُكتَب لزواجهما أن يستمر ولا لمهنة التمريض. بعد طلاقٍ عاصف عام 1928، توجّهت مباشرةً وابنتها الوحيدة روزاليند إلى بغداد عبر إسطنبول بواسطة «قطار الشرق السريع - أورينت إكسبرس»، الذي ألهمَ لاحقاً أشهرَ رواياتها على الإطلاق.

كان العراق المحطة العربية الثانية لمَن لُقّبت بـ«ملكة الجريمة». دعاها إلى هناك عالم الآثار ليونارد وولي وزوجته اللذان عادا وجدّدا الدعوة عام 1930، طالبَين إلى كريستي مرافقتهما في رحلة تنقيب إلى مدينة أور التاريخية في ولاية ذي قار جنوبي البلاد. هناك التقَت بمَن سيصبح حبّ حياتها وشريكها حتى الممات، عالم الآثار ماكس مالوان، والذي كان يصغرها بـ14 سنة.

كريستي وزوجها الثاني عالم الآثار ماكس مالوان (فيسبوك)

أجاثا كريستي في العراق

على خطى زوجها الثاني، سارت أجاثا كريستي. رافقته في كل رحلاته إلى الشرق الأوسط، حيث مكثت في الخيام أحياناً خلال مهامّ التنقيب عن الآثار. انخرطت هي أيضاً في المجال فأوكلت إليها وظيفة تصوير الموجودات الأثريّة، إلى جانب السهر على راحة المنقّبين وتأمين الطعام لهم.

ما بين 1930 و1939، ولاحقاً ما بين 1949 و1958، تعدّدت رحلات كريستي إلى العراق حيث أقامت لفترات طويلة. سُجّلت إحدى أولى مغامراتها هناك في محافظة نينوى حيث شهدت على اكتشافاتٍ أثريّة مهمة في مدينة نمرود الآشوريّة. حتى عام 2014، كان البيت الطينيّ الصغير الذي قطنت فيه لا يزال شاهداً على ذكرياتها هناك، قبل أن يتهدّم بفعل الحرب. إلّا أنّ كتاب مذكّراتها يستحضر إقامتها في نمرود: «كان نهر دجلة على بُعد كيلومتر ونصف فقط، وعلى التل العظيم للأكروبوليس، برزت رؤوس حجرية آشورية ضخمة من الأرض. لقد كانت منطقة خلابة، هادئة، ورومانسية، غنية بالتاريخ».

أجاثا كريستي في نمرود العراقية حيث كانت تصوّر الآثار (إكس)

أما في بغداد، فأقامت الروائية البريطانية وزوجها في حيّ كرادة مريم التاريخي. على ضفاف دجلة، وفي بيتٍ ملأته بالتُحَف والسجّاد، وجدت ما يكفي من إلهامٍ لتأليف عددٍ من أعمالها. ولعلّ رواية «موعد في بغداد» الصادرة عام 1951 هي بمثابة تكريمٍ للعاصمة العراقية، حيث تدور أحداثها الغامضة وسط صخب شوارعها وبين آثارها القديمة.

أول انطباع تركته فيها بغداد يوم زارتها عام 1928 دوّنته كريستي في سيرتها الذاتية، حيث قالت: «في الأفق، على اليسار، رأينا القباب الذهبية للكاظمين، ثم عبرنا جسراً آخر من القوارب، فوق نهر دجلة. هكذا اتّجهنا إلى بغداد، على طول شارع مليء بالمباني المتداعية، مع مسجد جميل ذي قباب فيروزية يقف، كما بدا لي، في منتصف الشارع».

كريستي خلال عمليات التنقيب عن الآثار في العراق (فيسبوك)

من حبّ النيل ما قتل

إذا كان العراق قد ألهمَ عدداً من روايات كريستي، فإنّ مصر فعلت فعلها كذلك. ولعلّ أشهرَ تلك الحكايات «موت فوق النيل»، المستوحاة من رحلةٍ قامت بها في الباخرة «سودان» البخاريّة والتي تُبحِر ما بين أسوان والأقصر منذ 1885 حتى اليوم، من دون أي جرائم سُجّلت على متنها، باستثناء تلك التي اخترعتها كريستي.

إلى جانب زوجها، عادت وزارت مصر بشكلٍ متكرر في الثلاثينيات وتنقّلت بين محافظاتها خلال عمليات التنقيب. في إحدى مقابلاتها الصحافية النادرة، تحدّثت عام 1969 عن مغامراتها المصريّة إلى الصحافية مارسيل بيرنستاين. استذكرت كريستي وهي كانت قد بلغت الـثمانين من العمر، السوق القديمة حيث كانت تشتري السجّاد والقناديل واللوحات. حتى أنها ابتاعت آلتها الكاتبة من مصر.

على تلك الآلة، ومن غرفها في فندقَي «ونتر بالاس الأقصر» و«أولد كاتاراكت أسوان» حيث ما زالت طاولتها وكرسيّها معروضَين، كتبت مجموعة من الروايات المقتبسة من سحر المكان.

رواية «موت فوق النيل» التي استوحتها كريستي من إقامتها الطويلة في مصر (فيسبوك)

أجاثا كريستي من سوريا ولبنان إلى فلسطين والأردن

أمضت الكاتبة البريطانية وقتاً طويلاً في سوريا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان زوجها وزملاؤه علماء الآثار يقومون بأعمال تنقيب في منطقة الجزيرة. مكثت في فندق «بارون» التاريخي في حلب، كما زارت تَدمُر التي تصِفُها بإحساسٍ عالٍ في مذكّراتها: «أعتقد أن هذا هو سحر تدمر... جمالها الرشيق ذو اللون الكريمي الذي يرتفع بشكلٍ خيالي وسط الرمال الساخنة. جمالها يفوق الواقع، بكل ما تحمله من خيالٍ مسرحي لا يُصدق، كالحلم. ساحات ومعابد وأعمدة مُهدمة... لطالما كانت بالنسبة لي أشبه بحلم...».

كريستي مع زوجها خلال رحلة تنقيب في سوريا (فيسبوك)

كان لأجاثا كريستي مرورٌ في لبنان كذلك، فهي زارت قلعة بعلبك الأثريّة ومكثت في فندق «بالميرا» التاريخي، حيث لا يزال توقيعها محفوظاً في كتاب الزوّار.

عام 1933، عبرت في فلسطين حيث زارت القدس. وعندما زارت آثار بترا في الأردن، حضر فوراً طيف بطلها الشهير المحقق «هرقل بوارو». متأثّرةً بدراماتيكيّة المكان، بدأت كريستي تخطّ روايتها «موعد مع الموت». عبرت مضيق السيق وشاهدت الخزنة ثم سلكت الدروب المؤدية إلى مواقع القرابين المرتفعة.

استحضرت تلك التفاصيل الجغرافية كلها في روايتها، حيث تزور الشخصيات مدينة البتراء خلال جولة سياحية في الشرق الأوسط. تُقتل امرأة متسلطة وقاسية بين المقابر والآثار القديمة المنحوتة في الصخر، فيظهر بوارو ليكشف هوية مرتكب الجريمة من بين أفراد المجموعة السياحية.

استوحت كريستي رواية «موعد مع الموت» من رحلتها إلى بترا في الأردن (رويترز)

روايات ألهمتها أسفار كريستي العربية

- مصر: «موت فوق النيل» و«في النهاية يأتي الموت».

- العراق: «جريمة في بلاد الرافدَين» و«موعد في بغداد».

- الأردن: «موعد مع الموت».

- سائر الرحلات العربية: «جريمة في قطار الشرق السريع»، وكتاب المذكّرات «تعال، أخبرني كيف تعيش».