أمّهاتٌ قاتلات وأزواجٌ مجرمون... «راوية الجريمة» تعرض أفظع الجرائم الواقعيّة

بودكاست عبر «الشرق» يدخل دماغ القتلة ليخرج بخلاصاتٍ تفيد المجتمع

أمّهاتٌ قاتلات وأزواجٌ مجرمون... «راوية الجريمة» تعرض أفظع الجرائم الواقعيّة
TT

أمّهاتٌ قاتلات وأزواجٌ مجرمون... «راوية الجريمة» تعرض أفظع الجرائم الواقعيّة

أمّهاتٌ قاتلات وأزواجٌ مجرمون... «راوية الجريمة» تعرض أفظع الجرائم الواقعيّة

كل ما يدور في فلك الجريمة الحقيقية جاذبٌ للجمهور، أكانت الوثائقيات التي تستثمر فيها المنصات العالمية ملايين الدولارات، أم الحلقات التلفزيونية والأفلام. أما آخر صيحات هذا الصنف، فهو برامج «البودكاست» التي تحاول الإحاطة بأبرز الجرائم حول العالم وأكثرها غرابةً.

ليس هذا النوع من البودكاست منتشراً في العالم العربي، حيث تكاد تُعدّ هكذا مشاريع إعلامية على أصابع اليد الواحدة. برز من بينها مؤخراً بودكاست «راوية الجريمة»، الذي يُعرض أسبوعياً على منصّات «الشرق بودكاست» التابعة لمؤسسة «الشرق للأخبار».

«ترند» الجريمة

تؤكّد منتجة البودكاست زينة طبّارة في حديثٍ مع «الشرق الأوسط» أنّ المحتوى المتخصص في عالم الجريمة الحقيقيّة أو الـ«True Crime» تحوّل إلى «ترند»، بدليل أنه «في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يتصدّر موضوع الجريمة الواقعية قوائم البودكاست الأكثر استماعاً ومشاهدةً». أما السبب وراء جماهيريّة هذه المادة الإعلامية، فتعزوه طبّارة إلى «أسلوب السرد والتشويق الذي تعتمده، إضافةً إلى دمجها بين الصحافة الاستقصائية وحلّ الألغاز المنبثقة من الواقع».

عن اختيار هذا الموضوع دون سواه ليكون نجم البودكاست، تقول معدّة ومقدّمة «راوية الجريمة» بشاير المطيري إنّه «يجمع ما بين التشويق والمعرفة، كما أنه يسهم في زيادة الوعي حول خطورة الجريمة على الفرد والمجتمع». وتشرح المطيري أنّ كل حلقة من «راوية الجريمة» تعرض تفاصيل جريمة واقعية، وتطرح الأسئلة الافتراضية في الختام بهدف توعية الجمهور؛ «لئلّا تمرّ الجرائم من دون عبرة».

معدّة ومقدّمة بودكاست «راوية الجريمة» الصحافية السعودية بشاير المطيري (الشرق بودكاست)

أمّهاتٌ قاتلات...

أكثر الحلقات التي تركت أثراً صادماً ليس على المشاهدين فحسب، بل على فريق عمل البودكاست كذلك، تلك التي سلّطت الضوء على جرائم قتل أمّهات لأطفالهنّ. توضح المطيري أنهنّ «أمهات آتيات من خلفيّات اجتماعية وثقافية متعدّدة؛ منهنّ المتعلّمات والأمّيّات، ربّات منازل وسيّدات أعمال... أما الرابط المشترك بين غالبيّتهنّ فهو تفكيرهنّ بالانتحار أو إقدامهنّ عليه بالتوازي مع ارتكابهنّ جرائم قتل أطفالهنّ».

في الولايات المتحدة، قدّر الأطبّاء النفسيون نسبة الأمهات اللواتي راودتهنّ فكرة قتل أطفالهنّ، بواحدة من بين كل 4 أمهات. وأثبتت الدراسات أن السبب الرئيسي يكمن فيما يسمّى طبياً «اكتئاب ما بعد الولادة»، الذي لا يجري تشخيصه وعلاجه في الوقت المناسب. تؤكد المطيري هنا أن تلك الحلقات من «راوية الجريمة» شكّلت مناسبةً لتسليط الضوء على أهمية دعم الصحة النفسية للأمهات؛ أي إنها مزجت ما بين الإثارة التلفزيونية والإفادة الاجتماعية.

وبما أن الجرائم التي تقع في قلب العائلة الواحدة هي من بين الأكثر جذباً للمشاهدين، فإنّ فريق عمل «راوية الجريمة» يستعدّ لإطلاق سلسلة بعنوان «خداع» منبثقة عن البودكاست الأمّ. وتركّز هذه السلسلة على جرائم زوجيّة وما خلفها من دوافع.

مادّة إعلاميّة جذّابة

أثبتت تجربة بودكاست «راوية الجريمة» المستمرة منذ سنة، أنّ الجريمة الحقيقيّة مادّة جاذبة للجمهور. تقول المطيري في هذا السياق: «لمسنا ذلك من خلال نسبة المشاهدة والاستماع والتفاعل من قِبَل المتابعين، فالناس على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والاجتماعية تشدّهم متابعة أخبار الجرائم ودوافعها؛ من القتل والعنف إلى الطمع، مروراً بالانتقام والاحتيال، وغيرها من الدوافع».

في المقابل، تشكو المنتجة زينة طبّارة من «النقص الكبير في المحتوى العربي الخاص بعالم الجريمة، على الرغم من أنّ شهيّة الجمهور مفتوحة عليه»، مع العلم أنّ إنتاج محتوى أصليّ في هذا المجال يتيح فتح نقاشاتٍ مفيدة ضمن مجتمعاتنا العربية، وفق طبّارة.

منتجة بودكاست «راوية الجريمة» الإعلامية اللبنانية زينة طبّارة (الشرق بودكاست)

جرائم العصر...

من أبرز المواضيع التي تطرّقت إليها حلقات «راوية الجريمة»، قضية مقتل المغنية الأميركية سيلينا على يد إحدى معجباتها، وضحايا جراحات التجميل، وطريقة تفكير القتلة المتسلسلين، وقصة المرأة التي دفنت زوجها حياً، إضافةً إلى قضية آكل لحوم البشر الياباني إيسي ساغاوا، وغيرها من القضايا المثيرة للفضول والجدل.

تشير المطيري إلى أنّ الأولوية هي لتقديم محتوى واقعي يسرد تفاصيل الجرائم، آخذاً في الاعتبار طبيعة المجتمعات العربية، والعبرة التي يجنيها المُشاهد. أما اختيار المواضيع فيحصل من خلال التشاور بين فريق العمل، وبناءً على متابعة أحدث قصص الجرائم التي حصدت تفاعلاً كبيراً لدى الرأي العام، إضافةً إلى مواكبة جرائم العصر التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وهي الأخطر، على اعتبار أنّ الجاني يرتكب جريمته من دون أن يكون موجوداً في مكان الحدث.

بودكاست بالمؤنّث

يقتصر فريق عمل بودكاست «راوية الجريمة» على السيّدات، فهو أراد لنفسه هويّة أنثويّة. تبرّر طبّارة هذا الأمر بالقول إنّ «مزيداً من الإنتاجات النسائية في عالم البودكاست يجلب وجهات نظر جديدة إلى المشهد الإعلامي ويُثريه. كما أنّ في ذلك تمثيلاً لكلّ أصوات المجتمع».

ليس صدفةً أن يكون فريق البودكاست مكوّناً من النساء حصراً؛ فقد أثبتت الدراسات وأرقام المشاهَدة أنّ النساء مهتمّات أكثر من الرجال بعالم الجريمة الواقعيّة والقتلة المتسلسلين. وتوضح المطيري أنّ الأبحاث أكّدت أنّهنّ الأكثر استماعاً إلى المدوّنات الصوتيّة أو البودكاست، والأكثر متابعةً للأخبار والأفلام ذات الصلة بالجرائم والقتلة المتسلسلين، والأكثر قراءةً للأدب البوليسي. ويعزو أطبّاء نفسيون السبب في ذلك إلى شعور النساء بالتماهي لكَون غالبيّة الضحايا من الإناث.

كثيرةٌ هي الاستنتاجات التي وصل إليها بودكاست «راوية الجريمة»، من بينها أنّ «إجرام الرجل يفوق بـ5 أضعاف إجرام المرأة، وفي بعض الأحيان يصل إلى 10 أضعاف. لكن من ناحية النوع، فإنّ إجرام النساء يغلب عليه استخدام أسلوب الحيلة والتخطيط، في حين يغلب على القتَلة الرجال الاعتماد على القوّة البدنيّة واستخدام العنف».

صحيحٌ أن برامج البودكاست المتخصصة بعالم الجريمة ما زالت قليلة في العالم العربي، إلّا أنّ طبّارة تتوقّع لها مستقبلاً مزدهراً؛ لأنّ هذا المحتوى آخذٌ في اكتساب مزيدٍ من اهتمام الجمهور. كما أنها لا تستبعد أن تتحوّل إلى مادّة تلفزيونيّة من خلال برامج تضيء على عالم الجريمة الواقعيّة. وقد أثبتت تجربة منصّات البث العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، أن مشروعاً كهذا هو استثمار إعلاميّ ذكيّ.


مقالات ذات صلة

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

المشرق العربي  سوق ساحة التل فر طرابلس بشمال لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

عثر، اليوم (الجمعة)، على رجل الأعمال عبد الله كرامي مقتولاً داخل مكتبه في مدينة طرابلس شمال لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ غرفة الإعدام التابعة لولاية تكساس في مدينة هانتسفيل تظهر في لقطة مؤرخة بيوم 27 مايو 2008 (أسوشييتد برس)

من الحقنة السامة إلى غاز النيتروجين... كيف تُعدم أميركا محكوميها؟

من الحقنة المميتة إلى غاز النيتروجين... كيف تحولت طرق الإعدام في أميركا إلى معركة تشريعية وقانونية؟

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المغنية الأميركية ريهانا (أ.ب)

مهاجمة منزل ريهانا بـ20 رصاصة... والادعاء: المتهمة كانت تستهدف قتلها

كشف ممثلو الادعاء أن إيفانا أورتيز كانت تستهدف قتل المغنية الأميركية ريهانا، عندما أطلقت، وفقاً للاتهامات، وابلاً من الرصاص على قصرها الفخم في مدينة لوس أنجليس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا مركبات طوارئ تابعة للشرطة الألمانية تسير في موكب بهامبورغ (د.ب.أ)

الادعاء الألماني يتّهم 4 عراقيين بالانتماء إلى «داعش»

أعلن الادعاء العام في مدينة دريسدن بشرق ألمانيا، اليوم الثلاثاء، توجيه تهمة القتال في صفوف تنظيم «داعش» لأربعة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (برلين)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».